مع إشراقة كل صباح، يشرع معرض «إكسبو 2020 دبي» بواباته الضخمة، ليتسلل من بين ثناياها النور إلى قلب العالم، يفتحها على إرث ثقافي، وحكايات كثيرة بعض سطورها غارقة في التاريخ، وأخرى لم يجف حبرها بعد، يرويها لنا على إيقاع الموسيقى التي تحولت فيه إلى حدائق، حيث «تصير النغمة زهرة أسمعها بعيني»، ويصبح «للصوت صورة، وللصورة صوت متدرج متموج»، كما قال الراحل محمود درويش يوماً في مطلع قصيدته «موسيقى مرئية».

منذ افتتاحه لم تغب الموسيقى عن أجندة المعرض الدولي، فقد ترجمت واقع ما قالته الروائية الراحلة جاين اوستن يوماً إن من دون الموسيقى يبدو العالم فارغاً، لذا كانت إطلالة أوبرا الوصل، ضرورة لازمة، لتأخذ زوار المعرض العالمي، نحو دروب المشهد الثقافي والتاريخي للإمارات، لتفتح أمامهم نوافذ الإبداع، وتسرد على مسامعهم بعضاً من حكايات الإمارات ودبي الملهمة، إيماناً بأن «الموسيقى لا تكذب»، وبأنها هي التي تعطينا الفرصة لأن نفهم الحياة، وأن نبحر في دروبها، نكتشفها ونعيش لحظاتها.

إطلالة

قبل البدء، لنا أن ندرك أن «الوصل» ليست كلمة عابرة في اللغة، فهي قديمة بعمر التاريخ، وهي ليست كلمة عادية، فقد حملتها دبي على أكتافها ردحاً من الزمن، من حروفها اكتسبت اسمها، وظلت تتباهى به طويلاً، ولا تزال كذلك حتى اللحظة، حيث كان لها من الاسم نصيب.

ولم تفقد الكلمة وهجها، فها هي تعود إلى الواجهة من جديد، مع إطلالة «أوبرا الوصل» والتي ترجمت مشاهد على واجهة برج خليفة، الأطول في العالم، في خطوة استباقية للإعلان عن موعد ميلاد أول أوبرا إماراتية، ستبدأ بتقديم عروضها غد الخميس وحتى 19 الجاري.

فنحو 24 ساعة فقط هي المسافة الزمنية التي تفصلنا عن العرض الأول لـ «أوبرا الوصل» على خشبة دبي أوبرا، التي ستكون شاهدة على ولادة أول أوبرا إماراتية، حيث تاريخ الدولة وإنجازاتها ستتمدد على سلم الأوبرا الموسيقي.

ثراء

وراء ملحمة «الوصل» التي تضم أكثر من 100 فنان وموسيقي، وقفت الكاتبة والروائية الإماراتية مها قرقاش، صاحبة رواية «سمكة الرمل»، حيث أبدعت في استعراض الثراء التاريخي للإمارات، وتمكنت من سرده في حدود ثلاثة مشاهد رئيسية، تبدأ من ساروق الحديد، الذي استوحي منه شعار الحدث الأروع عالمياً، لتمر من بعدها على تاريخ الإمارات، مستفيدة من كافة محطاته الرئيسية، لتصل بالمستمع إلى الحاضر، الذي تتجسد فيه الدولة حاضنة لعشرات الثقافات.

لم تكن الكاتبة مها قرقاش وحيدة في هذا العمل الموسيقي الملحمي، فقد شاطرها المهمة الملحن والموسيقار الإماراتي محمد فيروز، الذي تزخر مسيرته بعديد الجوائز والأعمال الموسيقية، ذات الوزن الثقيل، فمحمد فيروز له باع طويلة في التأليف الأوبرالي، فهو صاحب أوبرا «أغنية صميدة» أو «أغنية سميدة»، التي تتألف من ثلاثة فصول، حيث استوحاها فيروز من مسرحية «أغنية الموت» للكاتب توفيق الحكيم، وكانت تلك هي أولى أعمال فيروز الذي أبدع أيضاً في صياغة موسيقى الملحمة الأوبرالية «الأمير الجديد».

من المتوقع أن تأتي عروض الأوبرا بشكل استثنائي، وهي التي تعاونت مع «أوبرا ويلز الوطنية»، حيث يقف خلفها السير ديفيد باونتني في الإخراج، بينما يتولى جاستن براون قيادة الأوبرا.

محبة

ولادة «أوبرا الوصل»، غداً الخميس، لا يبدو أنها ستكون حدثاً عادياً، فهي تعد بمثابة حدث يثري المشهد الفني والموسيقي والثقافي المحلي، حدث يحمل بين ثناياه كافة قيم التسامح والسلام وما تحمله الإمارات في قلبها من محبة للعالم أجمع، وهي التي جمعته على أرضها، وتحت سقف معرض «إكسبو 2020 دبي»، حيث تمثل هذه الأوبرا خطوة متقدمة في نوعية المشهد الثقافي المحلي.

المشهد الثقافي المحلي لم يكتف بأوبرا الوصل وما ستقدمه من لوحات إبداعية، وإنما اتسعت الحدود لتشمل أيضاً «نشيد الوصل»، الذي يعد من أهم مبادرات معرض «إكسبو 2020 دبي»، ويتميز بكونه برنامجاً تعليمياً وتوعوياً يمنح الفرصة للطلاب وعشاق الموسيقى الشباب في الإمارات لتقديم عروضهم وفق طرز حديثه، وتم تنظيم «نشيد الوصل»، بهدف تعريف الشباب الإماراتي بعالم الأوبرا وتقاليدها، برفقة أوركسترا محترفة.