للحرف العربي شكل عذب، يخطف عيون كل من ينظر إليه، ما يمتلكه من رشاقة خاصة، كانت كفيلة بأن تحوله إلى لوحات فنية، يتباهى بها معرض «إكسبو 2020 دبي»، حيث جنباته تنبض بروح الحرف العربي، وبما يتجمل به من خطوط، بعضها قديم مر عليه عقود طوال، عرفه الناس واحترفه الخطاطون وعشاق الحرف العربي، وبعضه معاصر، أخرج الحرف العربي من تقاليد وطقوس الخطاطين، فكان لها شكل عذب.

الخط العربي، بدا أشبه بقصيدة مغناة، تتراقص حروفها على الجدران، وتصافح كل من يطالعها، سواء كان عربي اللسان أو غربي الهوى، فلا فرق، سيحتفي العالم بيومها في 18 الجاري، وهو حدث سيكون له وزنه، حيث تنظم وزارة الثقافة والشباب، بالتعاون مع مركز أبوظبي للغة العربية، قمة اللغة العربية يومي 19 و20 ديسمبر الجاري، وتقام تحت شعار «حوار المجتمعات وتواصل الحضارات».

وأنت تتجول بين أروقة الحدث الأروع عالمياً، ستتلمس مدى الاحتفاء باللغة العربية وبحروفها، ففي الوقت الذي تتزين به جدران قبة الوصل بالحروفيات العربية التي صاغها الخطاط ضياء علام، وفقاً لتقاليد الخط المعاصر، تنهمر الحروف العربية، كما قطرات مطر، على جدران جناح المرأة، وقد كتبت بخطوط عديدة، تشابكت في تفاصيلها، لتخرج بأبهى حلة، بينما ارتدى جناح تونس، ثوباً مطرزاً بجمال الحروف العربية، لتقدم صورة لافتة أمام زوار الحدث الدولي، ولم تغب روائع الخط العربي عن جناح العراق، الذي نثر الشعر لغة وحروفاً على جدرانه، ليعكس مئويته، وما تمتلكه لغة الضاد من جماليات خاصة، خرجت من بين ثنايا قصائد شعراء العراق، كما الراحل بدر شاكر السياب، الذي فاض مداده يوماً فكتب:

«الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلام..

حتى الظلام هناك أجمل».

غير بعيد عنه، يقع جناح فلسطين، الذي ارتدى ثوب الحروفيات، وتجملت بها كلمات الراحل محمود درويش، الذي صاح يوماً بملء فمه «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، ليظل تعبيراً نابضاً بالحياة، تردده الألسن العربية، أينما حطت رحالها، تلك الجملة كتبت بخط الديواني، وكذلك الثلث، لتعكس ما تمتلكه خزائن الخط العربي من سحر ورشاقة، بالقرب من فلسطين، تزينت الشاشة الرقمية السعودية بخط النسخ، وهي ترفع شعار «عام الخط العربي»، الذي تحتفي من خلاله المملكة بإحدى رموز الهوية العربية، وبما تمتلكه من مخزون ثقافي وإبداعي لافت، كما أطلت تركيا بجماليات الخط العربي، من خلال لوحات خطها محترف تركي، أمضى ردحاً من عمره في أحضان الخط العربي، في حين لا تزال الأوزبكية شيخة عبد الله، تعكف في إحدى زوايا حضن جناح بلادها، تتوسد ورق سمرقند، الذي سكبت عليه مداد حبرها، لتخلق منها لوحات عربية اللسان والهوى، تتزين بحروف خطت بالديواني الجلي والثلث.

لوحة الضاد

لم تكن الأجنحة الدولية وحدها، التي تجملت بالخط العربي، فكل ما في الحدث يحتفي بنبض الحرف، الذي تجسد على الأرض مقاعد، توسد أشكال فن الخط العربي، ومدارسه المختلفة أسماؤها. مقاعد عددها 50، لكل واحدة منها حروفها، التي تتشابك معاً، لتعكس نبض المكان، ورسائله المتعددة، التي تتمدد على مساحة المكان، لتبدو أشبه بقصيدة، خط حروفها الشباب بصورة بديعة، فكانت «حلم» و«رؤية» و«فزعة»، بدت أشبه بلوحة جميلة، استفادت من فكرة «الاستدامة»، وتجسدت على الأرض «فرصاً»، لتؤكد أن الأرض عربية، وتنطق بالعربية، وبأن أصل الحضارة عربي.

وأنت تتنقل بين جنبات المعرض الدولي، لن تكون بحاجة لتعلم «اليوغا» الهندية، كي تعيش لحظة التأمل، فيكفيك أن تقف على جانب الطريق، وأن تستريح على حروف اللغة، وأن تتفاعل معها، وأن تطلق لعينيك العنان في حدود المكان، لكي تمضي في دروب التأمل، لتشارك في صنع اللحظة، عبر النقاش والتواصل مع الآخر، حيث الحضارات والثقافات، تتجسد في حضرة المكان، الذي تنطق جنباته بكلمات عربية، تشكل جوهر «الفرص» و«الاستدامة» و«التنقل».