انطلقت، أمس، فعاليات قمة ريوايرد بتنظيم «دبي العطاء»، بالشراكة مع «إكسبو 2020 دبي»، وبتعاون وثيق مع وزارة الخارجية والتعاون الدولي في الإمارات، لمناقشة إعادة صياغة مشهد التعليم العالمي، ورسم الملامح المستقبلية للقطاع، وذلك بمشاركة عدد كبير من القادة المؤثرين وصناع القرار في قطاع التعليم العالمي، إلى جانب مديري الشركات من القطاع الخاص من أصحاب الرؤية المستقبلية، والشباب المؤثرين في عملية التغيير، لاتخاذ قرارات حاسمة حول مكان حدوث التغيير وكيفيته، والوقوف على المتغيرات الجذرية العاجلة التي طرأت عليه.

وقد انطلقت فعاليات اليوم الأول من القمة في مركز دبي للمعارض في «إكسبو 2020 دبي»، وذلك ضمن أنشطة أسبوع المعرفة والتعلّم، وناقشت التحديات وطرائق التفكير السائدة في مجال التعليم، من خلال مجموعة من ورش العمل والتجارب والمبادرات الهادفة للتغيير، والتي تركز على ثلاثة مجالات مهمة في إطار التعليم عالمياً وهي: الشباب والمهارات ومستقبل العمل، والابتكار في التعليم، وتمويل التعليم، حيث تستضيف القمة أكثر من 400 متحدث من 70 دولة، وتطمح القمة إلى أن تكون منبراً رائداً يوجه قطاع التعليم نحو التغيير الجذري المطلوب.

التعلم مدى الحياة

وقال معالي حسين الحمادي وزير التربية والتعليم، إن دور ومكانة التعليم في الإمارات والاهتمام به تصدر المشهد الحضاري، حيث سعت الوزارة إلى إحداث نقلة نوعية في قطاع التعليم، من أجل تحقيق مفهوم التعلم مدى الحياة، وتمخض عن هذه المساعي الجادة نظام تعليمي، يتكون من مسارات أربع وأكاديميات تخصصية متنوعة، واعتماد استراتيجية تطوير قطاع التعليم العالي، ونتج عنها حزمة تطويرية متكاملة، تشمل كافة جوانب نظام التعليم العام والعالي كالمناهج والتقييم والتعلم الذكي والجودة والرقابة والتدريس والبرامج الجامعية والبحث العلمي وغيرها، لضمان تعليم نوعي شامل ومتنوع، يلبي طموحات الطلبة ورغباتهم، ويعمل على تلبية احتياجات سوق العمل في الدولة عبر إعداد جيل مسلح بالمهارة والمعرفة، من خلال الجمع بين التعليم الأكاديمي والتعليم التطبيقي والتخصصي.

وأوضح أن الشباب يمثل مستقبل الوطن، وفي هذا السياق قامت الدولة بإطلاق مبادرات نوعية تركز على الشباب إعداداً وتدريباً وتأهيلاً، واتجهت وزارة التربية والتعليم وفقاً لهذه الرؤية إلى تنويع التعليم، فاستحدثت مسارات تعليمية متطورة كمسار النخبة والمسار التطبيقي، والأكاديميات التخصصية في مدارس التعليم العام، ومنظومة إرشاد وتوجيه وظيفي متقدمة، تزامن ذلك مع استحداث مواد جديدة تدرس للطلبة، ومنها العلوم الصحية وإدارة الأعمال، والتصميم والتكنولوجيا والتصميم الإبداعي والابتكار، والتركيز على مهارات البرمجة والنمذجة، ومهارات المستقبل إيماناً منها بأهمية تمكين الشباب من المهارات المعرفية والشخصية والسلوكية المطلوبة.

وتابع: إن الوزارة استحدثت منظومة التعليم العالي من خلال برامج ركزت على مهارات متقدمة، تمكن الشباب من تعزيز تنافسيتهم في عالم الأعمال والمهن المستقبلية في إطار الهوية الوطنية والمواطنة العالمية.

الابتكار

وقال معالي حسين الحمادي: إن وزارة التربية والتعليم أسهمت بشكل فعال في تحقيق هذه الرؤية بوضع استراتيجية خاصة بالابتكار في التعليم عبر تضمينها مناهج مطورة، تركز على تنمية مهارات الطلبة في موضوعات الريادة والتكنولوجيا والإبداع والابتكار، والتقنيات الحديثة كالإلكترونيات الدقيقة والتصميم الثلاثي الأبعاد، وهندسة وبرمجة الروبوتات، ودمج ذلك مع خبرات التعلم العملية من خلال المشاريع المبتكرة القائمة على منهجية STREAM وأيضاً التعلم القائم على تطبيقات البحث العلمي مع إنشاء أكاديميات تركز على الابتكار والإبداع، مثل أكاديميات العلوم الزراعية والفنون الإبداعية والصيانة الهندسية.

بدورها قالت معالي ريم بنت إبراهيم الهاشمي وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي، والمدير العام لـ «إكسبو 2020 دبي»: «لا يزال التعليم أحد أهم الأولويات لجميع الحكومات والمجتمعات والعائلات في كل مكان، رغم الضغوطات الكبيرة التي يواجهها العالم، منذ أكثر من عامين، نتيجة التحديات والصعوبات الصحية والاجتماعية والاقتصادية»، مشيرة إلى أن هذا الأمر يدفعنا إلى تحقيق نتائج ملموسة، وأرجو الاستفادة من القمة، لتطوير هذه المنهجية وإرسائها، بهدف توظيف ما تعلمناه من تجاربنا لدعم مستقبل قطاع التعليم.

من جهته، قال الدكتور طارق محمد القرق، الرئيس التنفيذي ونائب رئيس مجلس إدارة دبي العطاء: إذا لم يفِ التعليم بوعده بتزويد الأطفال والشباب في جميع أنحاء العالم بالمهارات التي يحتاجون إليها لمواجهة تحديات المستقبل، فسنُعرف حينئذٍ بالجيل الذي لم يفعل شيئاً، بينما كان بإمكاننا القيام بكل شيء. لدينا الوسائل، ونحن جميعاً هنا، وعلينا أن نتحرك الآن.

بدوره، قال بوب موريتز رئيس مجلس إدارة «برايس ووترهاوس كوبرز»: بات من الضروري تضافر جهود الجميع، لدفع جدول الأعمال بشكل فعّال، وهذا هو تحديداً دور مجتمع الأعمال، حيث يقع على عاتقهم مسؤولية معرفة الوظائف المتوفرة اليوم، وكيف ستكون الوظائف المستقبلية؟. وتابع: أصبح جلياً أن التغييرات التي شهدناها، والمهارات الرقمية، والذكاء الرقمي، هي أشياء بالغة الأهمية لأي عالم في المستقبل.

هذه هي القدرة على الإبداع والابتكار، والتكيف مع عالم تقوده التكنولوجيا، إنها المهارات اللازمة للقيادة في هذا العالم الجديد. ستكون الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية، ضرورية للعالم، عندما نفكر في الكوكب، والتحديات المجتمعية والإنصاف والحوكمة الرشيدة والازدهار. سيتم دمج هذه المهارات في كل وظيفة.

تأثيرات سلبية

وناقشت القمة التأثيرات السلبية لجائحة كوفيد 19 على تعليم مئات الملايين من الأطفال والطلاب في جميع أنحاء العالم، حيث زادت هذه الأزمة من حدّة مشاكل قطاع التعليم، التي كانت موجودة قبلها، حيث قُدّر عدد الشباب الذين لم يحصلوا على المهارات الأساسية في الحساب والقراءة والكتابة بـ 617 مليون شخص، وتشير التوقعات إلى حرمان 200 مليون طفل من التعليم المدرسي بالكامل وعدم إمكانية 40% من الأطفال من إكمال تعليمهم الثانوي بحلول عام 2030.

واستعرضت القمة مكامن الضعف ونقاط القوة من الناحية الرقمية في مجال التعليم، وتبرز الحاجة إلى إحداث تغييرات كبيرة ومبتكرة في الأساليب، التي يتعلم من خلالها الملايين من الشباب في جميع أنحاء العالم، لا سيما في ظل التأثير الكبير الذي يحمله التحول الرقمي على فرص توظيف الفئات الشابة ونوعية الوظائف، التي يتوجب على الكثيرين القيام بها.

حلول مبتكرة

وتطرقت الجلسة الأولى إلى تطوير حلول مبتكرة وقابلة للتطوير، لضمان أن الأطفال الذين يعيشون في البلدان المتضررة من الأزمات وحالات الطوارئ يمكنهم بناء أسس قوية للتعلم والرفاهية مدى الحياة، ومناقشة كيف يمكن للتعلم القائم على الألعاب تعزيز بيئة اجتماعية من الإبداع المشترك والتعاون للمتعلمين عن بُعد بالإضافة إلى تطور تكنولوجيا التعليم من رقمنة أنظمة التعليم القديمة إلى بناء أنظمة قابلة للتكيف، وقائمة على المهارات، ومناسبة للمهارات والكفاءات المطلوبة اليوم وفي المستقبل، وكيف يمكن إعادة تصور مسارات بديلة ميسورة التكلفة للتعليم للطلاب الذين لا يستطيعون الوصول إلى المدارس، إلى جانب كيفية تمويل التعليم.

وشارك في الجلسة الافتتاحية، التي جاءت تحت عنوان «ما الذي يحمله المستقبل لقطاع التعليم؟» أندريس شلايشر مدير التعليم والمهارات، والمستشار الخاص للأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في شؤون سياسات التعليم، وهنريتا فور المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، واستيفانيا جيانني مساعدة المدير العام للتربية في منظمة اليونيسكو، وجياثاما ويكراماناياكي مبعوثة الأمم المتحدة للشباب، وخايمي سافيدرا المدير العام لقطاع الممارسات العالمية للتعليم في البنك الدولي، وربورت موريتز رئيس مجلس إدارة pwc، وجامايكا كيكويتي الرئيس السابق لجمهورية تنزانيا.

وأدار الجلسة راجي صارو رئيس المنظمات الدولية في إكسبو 2020، مشدداً في مطلع حديثه على أن التعليم هو أولوية مركزية في كل حكومة وفي كل مجتمع وكل أسرة على وجه الأرض، لافتاً إلى أهمية الوقوف على فهم الوضع الحالي للتعليم على الصعيد العالمي، إلى جانب معرفة ما يحدث حتى نتمكن من استخدام خطط بديلة.

وقال: إننا نواجه نقطة تحول في التاريخ، وفرصة لقيادة موجة جديدة من الابتكار والإبداع، حيث تنهض لجان التعليم العالمية لإدراكها أكثر من أي وقت مضى بأهمية تحول التعليم لضمان تزويد الأطفال والشباب بالمهارات.

وأوضح: إن جائحة كوفيد 19 أثرت على ما يقرب من 1.6 مليار متعلم في ذروة هذه الأزمة حول العالم، ومع مرور ما يقرب من عامين مع ظهور سلسلة أخرى من فيروس كورونا، لا تزال المدارس الناشئة مغلقة، ولا يزال ملايين الأطفال خارج المدرسة، لافتاً إلى أن التعافي يحتاج إلى المرونة المسؤولة التي عملنا عليها لأنها تعتبر أكثر أهمية من أي وقت مضى.

حماية التعليم

وتطرق المشاركون في الجلسة للتحدث عن حماية ‏التعليم كحق من حقوق الإنسان الأساسية وفقاً للأجندة العالمية 2030، موضحين أهمية تغيير الأنظمة التعليمية التي تواكب التطورات الهائلة التي تحدث عالمياً، ‏والتركيز على المهارات التي يجب أن تواكب هذا التطور، بالإضافة إلى الاستثمار في التعليم أكثر من أي وقت مضى.

‏من جانبه قال جامايكا كيكويتي الرئيس السابق لجمهورية تنزانيا: لقد ولدت الشراكة العالمية من أجل التعليم من اعتقاد راسخ بأن كل طفل يستحق الفرصة للحصول على تعليم جيد. وقال: «لقد تطورت الموازنة إلى مليون دولار سنوياً ولكنها وعلى الرغم من كونها شراكة تجارية، إلا أنها من المفترض أن تحول أنظمة التعليم بحيث لا يقتصر على أولئك القادرين، بل أيضاً على الأطفال الأكثر ضعفاً».

وأكد أن معظم البلدان الشريكة لا تزال نتائج تعليم الفتيات لديها متدنية للغاية، وهو ما يؤكد ضرورة التفاني العالمي لمساعدة الحكومات على تحديد المعوقات، التي تؤثر سلباً على تعليم الفتيات والفتية.

وتابع: نحن نعمل على مواءمة الشركاء والعمل على تطوير رؤية مشتركة لسد الفجوة بين الجنسين، وتحطيم الصور النمطية في الفصول الدراسية والمجتمع، مشيراً إلى أن 1.4 مليون فتاة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، استفدن من هذه المنصة للقضاء على الصور النمطية الضارة للكتب المدرسية وإنشاء حملات توعية مجتمعية.

وعن عملية التكامل الرقمي قال إنها أداة قوية لضمان حصول الحكومات على المعلومات التي تحتاجها لتقديم أولوياتها ومعرفة أفضل النتائج والممارسات، المتعلقة بالمنظومة ككل بما فيها فرص الجنسين، ففي سيراليون، على سبيل المثال، تم استخدام جهاز لوحي واحد يجمع نظام إدارة بيانات متكامل للمدرسة، والذي سيجمع بيانات حيوية يمكن للمدرس والطالب الحصول على المعلومات بحد سواء.

وقال: لقد ساعدنا أكثر من 60 دولة على الاستثمار في حلول التخطيط عن بعد لسد الفجوة الرقمية لإطلاق العنان للإمكانات التحويلية للاتصال بشكل كامل، فتقنية التكامل الرقمي تخدم الجميع بغض النظر عن النوع أو الحالة الصحية أو الاقتصادية فهو نظام مصمم مع الإدماج والإنصاف.

تحالفات جديدة

وأكد المشاركون خلال الجلسة الأولى أهمية إنشاء تحالفات جديدة بين شركاء القطاعين العام والخاص لبناء بنى تحتية تعليمية جديدة، وتحدثوا عن كيفية تأمين تمويل عاجل لضمان وجود وصول التعليم إلى شتي البقاع، وتطرقوا إلى أهمية أن يكون النظام التعليمي يلبي حاجة كل طفل ويقدم الدعم اللازم، بالإضافة إلي التركيز على دعم المعلمين، الذين يحتاجون للدعم ليتمكنوا من تحقيق الأهداف المرجوة في التعليم.

5 محاور

وارتكزت قمة ريوايرد على 5 محاور وهى: إعادة صياغة مشهد التعليم، وقوة الشراكات العامة والخاصة في قيادة الفرص التعليمية، وتعليم الفتيات من وجهة نظر الإسلام، والتعليم ودوره الحاسم في محاربة التغيير المناخ، وتمويل تعليم الأطفال في المناطق المحرومة.