الفن والتاريخ شقيقان، لا ينفصلان عن بعضهما البعض، فكلاهما يحمل إرث الشعوب، ويمثلان بوصلتها نحو السلام والتعايش، وهما يمثلان انعكاساً لثقافة الشعوب، وفي مدينة بودابست يتمازجان معاً، يطلان في قالب واحد، فالمدينة التاريخية تحتضن في قلبها مسارح ومتاحف كثيرة، بينما أجندة فعالياتها الثقافية لا تكاد تنتهي، فهي مليئة بالموسيقى ومزينة بالفنون التشكيلية، وحكايات التاريخ أيضاً.
ذلك التمازج كان كفيلاً بأن يفتح العيون على مشروع «ليجيت بودابست»، الذي تعمل الحكومة الهنغارية حالياً على تطويره، ليكون أكبر منطقة ثقافية سياحية في أوروبا، حيث يبلغ حجم الاستثمار فيه نحو 1.5 مليار يورو، أي ما يقارب 6.3 مليارات درهم.
مشروع ضخم
المشروع الذي اختارت المجر الإعلان عن تفاصيله في «إكسبو 2020 دبي»، يبدو ضخماً، فمساحته تتمدد على نصف مليون متر مربع، ويقع في قلب العاصمة بودابست، وفق ما قاله لازلو توث، مستشار التجارة الخارجية للحكومة المجرية لـ«البيان»، مبيناً أن المشروع يبدو أشبه بمظلة تتسع لعدد من المتاحف والمراكز الثقافية والموسيقية والمرافق الرياضية أيضاً، وقال: «الفكرة الأساسية من المشروع هي الاحتفاء بالثقافة والموسيقى والفنون عموماً، والتي نؤمن بأنها تمثل طريقاً تجمع ثقافات العالم المتنوعة، وتتيح لها فرصة التعايش مع بعضها البعض، كما تتيح أيضاً الفرصة لاكتشاف بعضنا واختلافاتنا، وطرق العيش التي نتبعها، ولذلك ارتأينا أن نجمع كافة أنواع الفنون على اختلافها تحت سقف واحد، لنتيح للعالم فرصة التحاور مع بعضه عن طريق الفنون وبلغة الموسيقى».
المكان الأمثل
وأكد في حديثه أن «إكسبو 2020 دبي» يمثل المكان الأمثل لترويج هذا المشروع، وقال: «فكرة المشروع تتقاطع مع فكرة معرض إكسبو 2020 دبي، فكلاهما يجمع العالم تحت سقف واحد، وبالنسبة لنا يمثل هذا المعرض فرصة لترويج مشروع ليجيت بودابست أمام دول العالم أجمع، ليكونوا جزءاً من هذا المشروع الضخم، حيث نشترك جميعاً في حب الفنون والموسيقى والثقافة عموماً، وبالتالي فهي تمثل دعوة لكافة أقطاب الثقافة والفنون حول العالم، للتعرف على ما تمتلكه المجر من إمكانيات، تتعلق بهذا الجانب ولأن يكونوا جزءاً من هذا المشروع الحضاري».
وبين في حديثه مع «البيان» وجود مفاوضات مع بعض الجهات المتخصصة بالشأن الثقافي في الإمارات، وقال: «ندرك أهمية الحاجة إلى عمليات الترويج والتبادل الثقافي بين المجر والإمارات، لذا نعتقد أن هذا المشروع كفيل بأن يوفر مساحة جيدة لتفعيل التبادل الثقافي بيننا وبين الإمارات ومنطقة الخليج بشكل عام، وهو ما سيوفر فرصة لتقديم الثقافة العربية في المجر والعكس تماماً، لا سيما أن المنطقة العربية غنية بالإرث التاريخي والثقافي وكذلك المجر».
تحت مظلته سيجمع مشروع «ليجت بودابست» ما يقارب 13 متحفاً وبيتاً للموسيقى والفنون المختلفة أشكالها، على رأسها يقف متحف الفنون الجميلة ومركز معارض كونثال، وبيت الألفية المجري، ومتحف الإثنوغرافيا، وبيت الموسيقى الهنغارية، والمتحف الوطني الجديد، وبيت الابتكار الهنغاري، ومسرح فاروسليغت متروبوليتان، ومسبح شيزيني التاريخي للمياه الساخنة العلاجية، ومركز ترميم وتخزين المتحف المجري، وقلعة فاداهونياد، وحلبة تزلج على الجليد، وكذلك حديقة حيوانات بودابست، الأمر الذي يجعل من المشروع مكاناً مثالياً لاستقطاب السياح والعائلات من كافة أنحاء العالم.
«نتوقع أن يستقطب المشروع أكثر من 7 ملايين زائرين سنوياً»، بهذا التعبير آثر بولاك يليناك، نائب الرئيس التنفيذي للعمليات في مشروع «ليجت بودابست» أن يبدأ حديثه مع «البيان»، واصفاً المشروع بأنه سيكون بمثابة جوهرة بودابست، وقال: «تم الانتهاء من المرحلة الأولى من المشروع، ونحن الآن نمضي في مرحلته الثانية، ونتوقع أن يكون جاهزاً بالكامل في 2025، ليصبح حينها واحداً من أكثر المراكز الثقافية والفنية حداثة وابتكاراً في العالم، بالنظر إلى ما يقدمه من فعاليات ثقافية وترفيهية وسياحية أيضاً لزوار المدينة»، منوهاً بأن المشروع عبارة عن «استثمار في مستقبل التراث الثقافي المجري والعالمي على حد سواء»، مؤكداّ أن بودابست بكل ما تمتلكه من إمكانيات حضارية وتاريخية تسعى من خلال هذا المشروع لتصبح المحور الفني والثقافي في وسط أوروبا.
درة ثقافية
بولاك يليناك أشار في حديثه إلى أن طبيعة موقع المشروع يسهم في تحويله إلى «درة ثقافية»، وقال: «هدف الحكومة المجرية من بناء هذا المشروع هو خلق مجمع من المباني الشاملة، التي تم في تصميمها مراعاة مبادئ الاستدامة، إلى جانب المحافظة على مجموعة المباني التاريخية الموجودة في ذات المنطقة، والتي يمتد عمرها لقرون، حيث المشروع يقع داخل حديقة فارسوليجيت، التي يزيد عمرها على 200 عام»، مؤكداً في السياق نفسه أن المشروع سيعمل أيضاً على إعادة ترميم وبناء الحديقة الأصلية، قائلاً: عملية التطوير الشاملة للمكان ستتيح لنا تحسين جودة نباتات الحديقة وزيادة مساحتها أيضاً، مع تنفيذ أكبر مشروع لتصميم الحدائق والمناظر الطبيعية في تاريخ المجر، وبفضل هذا المشروع ستزداد المساحة الخضراء للحديقة بشكل كبير.


