نجح إكسبو 2020 دبي، في التعريف بالترابط بين اللغة والاقتصاد وأهمية هذا المفهوم في التمنية، من خلال ترسيخ القراءة وسرد القصص للأطفال، والتي تعود بالعديد من الفوائد التربوية، نظراً لتأثيراتها الإيجابية في نفسية وعقلية الأطفال، فضلاً عن العوائد الاقتصادية، حيث أكد عدد من الأكاديميين لـ «البيان»، أنه إذا لم يتحلَ الأطفال بالمهارات التأسيسية، ومنها القدرة على القراءة وفهم ما يقرأ، لن يستطيع الأطفال والشباب الازدهار في سنوات الدراسة، ولا في مكان العمل، وبالتالي، لن يكونوا فاعلين، ولن يقدروا على دعم اقتصاد بلادهم.
وذهبوا إلى أن اللغات لا ينظر إليها على أنها مجرد عناصر للهوية المجتمعية، أو مهارات ذات قيمة محتملة فحسب، بل تعد مجموعة من السمات اللغوية، التي تؤثر في الوضع الاجتماعي والاقتصادي للشخص والمجتمع المحيط به.
وفي هذا الصدد، يقول الدكتور محمد أحمد عبد الرحمن مدير جامعة الوصل بدبي: إن معرض إكسبو له العديد من الفوائد التعليمية والتربوية على طلاب المدارس، حيث يعتبر أحد أبرز المصادر للإلهام، ولاكتساب المعلومة والبحث عنها، والتعمق بثقافات متنوعة من كافة أنحاء العالم، ومما لا شك فيه، أن الأسلوب القصصي وأسلوب العرض وتقديم المعلومة بطرق مختلفة، تتميز بالابتكار، كان له الأثر الواضح في نفسية وعقل الطالب، ولا سيما طلاب المراحل العمرية الصغيرة، والتي يجذبها أسلوب السرد والتشويق والإثارة في استقبال المعلومة، بغض النظر عن اللغة أو نوع المجال الذي يحاولون التعرف إليه.
وأوضح أن توظيف الأسلوب القصصي المسموع أو المرئي، يعتبر واحدة من أهم الطرق لجذب انتباه الطفل، وتحبيبه بالتعلم واستقبال المعلومة بشكل ممتع، بعيداً عن أسلوب التلقين الممل. وأشار الدكتور عبد الرحمن إلى أن إكسبو 2020، لم يعرض للعالم أفكاراً وابتكارات خاصة بمجال البناء والاقتصاد والزراعة والطاقة والاستدامة، والتي من شأنها تبسيط روتين الحياة اليومي فحسب، بل ساهم أيضاً في طرح العديد من الأفكار والاختراعات والوسائل، التي تسهم بشكل فعال في تشجيع الطفل على تعلم القراءة، من خلال استعراض القصص المشوقة حول ثقافات البلدان.
وأشار الدكتور عبد الرحمن، إلى أن الجناح الكندي في إكسبو دبي، يعرض ابتكاراً مفيداً يسمى بـ «الملصقات الناطقة»، وهي ملصقات تعتمد على تكنولوجيا مساعدة، ويمكنها التحدث والقراءة بأي لغة أو لهجة من العالم، وتعمل هذه الملصقات، عبر أي هاتف ذكي أو جهاز لوحي منخفض التكلفة، ويمكنها تعزيز أي مواد متوفرة، مثلاً يمكن لمثل هذه الملصقات، المساعدة في التحدث والقراءة، والتحول لكتاب باللهجات المطلوبة.
موطن حلم وإنجاز
من ناحيتها، تقول الدكتورة لطيفة الحمادي أستاذة الأدب في جامعة الوصل، إن إكسبو 2020 دبي، يسرد قصة موطن الحلم والإنجاز، والأخوة والإنسانية، والتسامح والتعايش، والأصالة والانفتاح، حيث يجمع 192 دولة من حول العالم، ويروي قصص الحالمين المنجزين على اختلاف ثقافاتهم.
وأضافت أن المتأمل في أجنحة إكسبو دبي 2020، ذات المتعة البصرية الخاصة، والتي صممت بأيدي أشهر المعماريين في العالم، يراها معبرة عن رؤى وأفكار جمالية، ترقى بذائقة كل من يشاهدها، فهذه الأجنحة للدول المشاركة، ذات الأشكال الهندسية المتنوعة، تعبر عن قصص الشعوب التي تناقلتها الأجيال، ما يعين الزوار على استشراف الاختلافات المدهشة بين الحضارات، ومعرفة القيم الإنسانية المشتركة، وتقدير ثقافة الآخر، واحترام تراثه، وإلهام وتحفيز عقول الكبار والصغار من الزوار، وتوسيع رؤيتهم للعالم.
وأكدت الدكتورة الحمادي، أن دبي ألهمت شعوب العالم، من خلال استضافتها للحدث الأضخم في المنطقة، ومكنت العالم من أن يبوح بما لديه من حكايات وقصص، بطرق إبداعية مبتكرة، لتحقيق التعارف والتقارب الإنساني والاقتصادي الاستثنائي، وتمكنت من جمع ثقافات العالم المختلفة والمتنوعة بنجاح، رغم أزمة الجائحة الصحية.
تشكيل الوجدان
ويشير الدكتور خالد توكال أستاذ اللغة والنحو بجامعة الوصل، إلى أن للقصص أثراً في تشكيل وجدان الأطفال، بما تثير في مخيلاتهم من انفتاح على عوالم أخرى، والقصص بجميع أنواعها، سواء الخيالية أو الفكاهية أو الواقعية أو الدينية، لها دور في تشكيل هذا الوجدان، فالخيالية تنمي خيالهم، والواقعية تشعرهم بوجودهم في الحياة، والفكاهية تدخل على أنفسهم السرور، والتباين بين مختلف الأنواع، يبعد الضجر عن نفوسهم، ويجعلهم تواقين للمزيد كل يوم. ويرى أن الأهم ليس نوع القصة، باعتباره جنساً أدبياً، ولكن منظومة القيم المجتمعية التي تحملها القصة، وكلما سمت هذه القيم، كان ذلك أفضل، بما تزرعه في نفوسهم من إشاعة لروح الانتماء للوطن والتسامح وتقبل الآخر والتعاون، إلى غير ذلك من القيم التي نحب أن يتربى أبناؤنا عليها.
تطور حضاري
وأوضح الدكتور أحمد رحماني أستاذ الأدب والنقد، أن هناك 3 نماذج للقصص، اتفق عليها كبار متخصصي النقد الأخلاقي، بدءاً بأفلاطون، مروراً بحازم القرطاجني وابن سينا وابن طباطبا وستانلي هايمن وغيرهم، وهي: نموذج القدوة، والنموذج التحذيري، والنموذج الطبيعي المعتمد على الخير الكامن في فطرتنا. وأفاد بأن نموذج القدوة، يأتي في قصص الأنبياء عليهم السلام، حيث قال تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)، أما النموذج التحذيري، فيأتي في قصص الفجار، مثل قصة قارون، التي تحتوي على دروس وعبر، لتحذير الطفل من نتائج الأفعال غير المتوافقة مع السلوك البشري المستقيم.
اللغة والاقتصاد
ومن جانبه، يؤكد الدكتور حمدي عرفة أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، وخبير استشاري البلديات الدولية في جمهورية مصر العربية، أن اللغة والاقتصاد، مترابطان ومتلازمان، فإذا ازدهر أحدهما، ازدهر الآخر، مشيراً إلى أن اللغة مرآة لصورة أمتها، ومقياس لمكانتها بين الأمم، كما أن الافتصاد هو معيار تقدم الأمة وسيادتها، وبالتالي، سيادة لغتها.
وأضاف: يرتبط الإنتاج الصناعي بالإنتاج اللغوي، والدول المتقدمة في الإنتاج الصناعي، متقدمة في الإنتاج اللغوي بصورة تلقائية، ونحن هنا لا نتكلم عن الإنتاج اللغوي الفني أو الأدبي، وإن كان لا يقل أهمية عن الإنتاج اللغوي المرتبط بإنتاج السلع الاستهلاكية، حيث تتطور اللغة من خلال استخدامها، لتحقيق حاجات التواصل اليومي.
نتائج إيجابية
ويوضح الدكتور سامر عبد الهادي عميد كلية الآداب في جامعة الفلاح بدبي، أن من خصائص مرحلة الطفولة، حسب منظور العالم «بياجيه»، اتساع الخيال، وبالتالي، يهتم الطفل بالقصص الخيالية، ولكن يجب الانتباه إلى أن الطفل يجعل الخيال حقيقة، وهذا يسمى الواقعية، بحيث يمكن أن يتحدث مع دمية، ويتخيل العديد من المواقف.
وأشار إلى دور اللغة الثانية على الدماغ ونموه وتطور قدراته المعرفية والإدراكية، عوضاً عن انعكاس ذلك على السياقات العاطفية والاجتماعية والثقافية التي تحملها معها اللغة الأخرى. ويوضح الدكتور محمد خير الله النجفي، الخبير النفسي في دبي، أن بعض الأبحاث قاست دراسة الأثر بين تعدد أو ازدواجية اللغات، والوضع الاجتماعي والاقتصادي للطفل، وهي واحدة من أهم الدراسات التي نشرتها مجلة «تطوّر الطفل Child Development»، حيث قام الباحثون بفحص أكثر من 18 ألف طفل في مرحلة رياض الأطفال، والصف الأول الابتدائي، في الولايات المتحدة الأمريكية، ليجدوا أن الأطفال الذين تتحدث عائلاتهم لغة ثانية في المنزل، قد أحرزوا نتائج أفضل من أقرانهم، ممن تتحدث عائلاتهم لغة واحدة، في عدد من الاختبارات المعرفية والإدراكية.







