تجسد الحرف التقليدية في الجناح المغربي، مهارات وإبداعات «الصنعة التقليدية» التي تستلهم تقنياتها من الطبيعة والأشكال الهندسية المختلفة للتراث الثقافي والحضاري الذي يحمل بين طياته قيماً مشتركة للحرف الوطنية على امتداد أرضها، والتي وفقاً لندوة «مستقبل الحرف المغربية التقليدية في الجناح المغربي»، ما زالت تقاوم تقلبات العولمة والتطور المستمر الذي تعرفها أساليب الإنتاج، واستطاعت أن تفرض نفسها كرصيد ثقافي غير مادي ضمن محور الاقتصاد الإبداعي.

وفي سياق الحدث، أطلعت ندوة الصناعات والحرف التقليدية جمهور «إكسبو 2020 دبي» على أهم العناصر الثقافية والمجتمعية التي تميز هذه الحرف التقليدية الفنية والإنتاجية العريقة والتي تنقسم إلى: أولاً: صناعة تقليدية فنية وإنتاجية ذات حمولة ثقافية وتتعلق بالمنتجات والخدمات المنبثقة عن التراث المغربي والتي تندرج في خمس مجموعات من المنتجات: الديكور، والأثاث، والمجوهرات، والملابس، والمعمار التقليدي، ثانياً: صناعة تقليدية فنية وإنتاجية نفعية، ومنها على سبيل المثال الأحذية التقليدية، والأثاث العصري.

جهود

وحول الجهود المبذولة من الحكومة المغربية لإنعاش الصناعات التقليدية وربطها بالمعاصرة، أكد طارق صديق، مدير عام مؤسسة «دار الصانع» لـ«البيان»: يعتبر إنعاش الصناعة التقليدية من أهم المهام التي أسندت إلى مؤسسة دار الصانع والتي تقوم بالأساس على مبدأ التشاور والتعاون مع مختلف الفاعلين ومهنيي القطاع وفقاً للتطلعات التي تفرضها الظروف الاقتصادية، والتي أصبحت اليوم تحتم تبني استراتيجية رقمية إلكترونية توافق متطلبات العصر، وقد استطاعت الصناعة التقليدية، بفضل العناية الخاصة التي يوليها الملك محمد السادس وتوجهاته لهذا القطاع من إضفاء صورة مشرفة على المستوى المحلي والدولي، فهي ثمرة موروث اجتماعي ثقافي غني ومتنوع تناقله الخلف عن السلف، مما يجسد العمق التراثي والحس الفني الإبداعي والاحترافي للصناع التقليديين المعلمين.

مبادرة

وأضاف أن قطاع الصناعة التقليدية يعمل فيه حوالي 2.4 مليون شخص، ويسهم في تعزيز الصادرات المغربية برقم معاملات يناهز 800 مليون درهم سنوياً.

وعلى الرغم من حجم القطاع وأدائه الجيد في دعم الصادرات، إلا أنه لا يزال يعاني من عدد من المعيقات الهيكلية التي تحول دون إحداث تحول كبير فيه، وبالتالي المساهمة بنسبة أعلى في الاقتصاد الوطني، لذلك تبنت وزارات السياحة والصناعة التقليدية والنقل الجوي والاقتصاد الاجتماعي مبادرة منتجات الصناعة التقليدية بعدد من مراكز التسوق بالمغرب، بشراكة مع مجموعة أراضي كابيتال ومؤسسة دار الصانع ومكتب تنمية التعاون في طنجة، والتي تهدف إلى توفير منصات تجارية للحرفيين لتحسين دخلهم للتخفيف من تداعيات الجائحة.

آفاق

وفيما يتعلق بمفهوم مكتب تنمية التعاون بصفته مؤسسة عمومية تدعم قطاع الصناعات الحرفية، قال يوسف حسني مدير مكتب تنمية التعاون: إن تنمية التعاون مؤسسة عريقة في القدم، عرفت النور سنة 1962، وهي تعتبر أداة لتحقيق التنمية المستدامة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، حيث فتح الأسلوب التعاوني آفاقاً جديدة لإحداث مشاريع اقتصادية واجتماعية، تسهم بصورة فعالة في محاربة البطالة والفقر وإدماج صغار المنتجين في السوق، كونها تعتمد على المهارات واليد العاملة والعنصر البشري أكثر من الرأسمال وتتوزع حالياً التعاونيات المنتجة في عدة مجالات وقطاعات واعدة.

وأضاف يوسف: إن القطاع التعاوني اليوم يعيش مرحلة متميزة في تاريخ الحركة التعاونية المغربية، وتجدر الإشارة إلى أن عدد التعاونيات تجاوز 27200 تعاونية بنهاية 2019، كما بلغ عدد الأعضاء أكثر من 653000 متعاون ومتعاونة، أي ما يماثل عدد الموظفين المدنيين بالوظيفة الحكومية، في حين تمثل النساء 35 % من بين العدد الإجمالي للأعضاء أي ما يفوق 197000 امرأة، حيث تم إدماج المرأة في سوق العمل ولا سيما في البيئة القروية وتحسين ظروفها الاجتماعية والاقتصادية.

تراث ثقافي

في حين تحدث المصمم والمهندس العالمي المغربي هشام لحلو عن أهمية ربط الصناعات التقليدية برؤى معاصرة تدعم استمراريتها وقوتها كونها أحد أنماط التراث الثقافي غير المادي المغربي المرتبط بقطاع الصناعة التقليدية والمتعدد الروافد فهو يشمل التقاليد وأشكال التعبير الحية الموروثة عن أسلافنا التي تداولتها الأجيال وصولاً إلينا، وكذلك المعارف والمهارات الغنية التي تنقل عبره من جيل إلى آخر، إضافة إلى القيمة الاجتماعية والاقتصادية التي ينطوي عليها مع تعاقب العصور، فالتنمية المستدامة اليوم ليست فقط هي المحافظة على المناخ والبيئة، بل أيضاً تتجلى في المحافظة على المعمار والكنوز التي تزخر بها المملكة الذي تعيش بفضله الكثير من الأسر.

مصدر إلهام

وأضاف هشام، الذي يعد المصمم الرسمي لمحطات «البراق»، أول قطار فائق السرعة بأفريقيا، أنه يعمل عن قرب مع الصناع التقليديين المغاربة الذين يحملون أفكاراً تستمد جذورها من الثقافة والتاريخ المغربيين، لأن شغله الشاغل هو تمثيل الحضارة المغربية الغنية في ابتكاراته الفنية التي يشارك بها في أكبر التظاهرات العالمية المختصة، في مجال التصميم والهندسة، لذلك فقد اختار الاستقرار في المغرب، لشعوره بالفخر والقدرة على العطاء الذي يوازي هذا الإرث العظيم كونه هو مصدر إلهامه الأول.