جسر الإنكا.. تواصل حضاري مستدام

ت + ت - الحجم الطبيعي

 


» جسر الإنكا في جناح البيرو بـ«إكسبو 2020 دبي» | تصوير: سالم خميس

حباله جدلت على مهل، وهي نتاج عمل ألف رجل وامرأة، يقال إن له من العمر 500 عام ونيفاً، ولا يزال أصيلاً في ذاكرة أهل البيرو، إنه جسر كيشواتشاكا البيروفي الشهير، الذي لا يزال حياً حتى اللحظة، في كل عام تتم إعادة بنائه مجدداً ليشكل جسر تواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل أيضاً، وها هو الجسر قد مد في دبي، ليشكل مدخلاً نحو عالم البيرو، التي اتخذت منه «جسراً نحو الاستدامة والتواصل مع العالم»، ليكون دليلاً على التنقل وما شهده من تطور لافت عبر سنوات العمر.


في كل خطوة تقطعها على جسر كيشواتشاكا الذي تم غزله من الحبال، ستشعر بتعب أولئك الذين غزلوه أول مرة، وستتلمس عرق الناس الذين حافظوا على إرثهم وأعادوا بناءه مرات عديدة، ليحفظوا تراثهم، وليكون الجسر بمثابة حلقة الوصل الأزلية بين ماضٍ سحيق ومستقبل زاهر، مطرز بابتسامات أطفال البيرو، الذين يلقون عليك تحية السلام وأنت تدور بين جنبات الجناح الواقع في منطقة التنقل.


حضارة


محاكاة جسر كيشواتشاكا الذي ينتمي إلى حضارة الإنكا بدت فكرة مبتكرة، كونه يعد عملاً جماعياً حظي باعتراف منظمة اليونسكو، التي أضافته على قائمة التراث الإنساني، وفيه تم استخدام تقنيات نسج تقليدية بسيطة، تعيد إلى الذاكرة ما كان الأولون يستخدمونه في عملية بناء الجسور، التي كان يتم الاستناد فيها إلى حبال العشب المعروفة باسم «الكيسوا» التي تمدد على الأرض ويتم تضفيرها لتشكل معاً حبالاً سميكة، يمسك بها العابرون من كلا جانبي نهر إبروماك.


مرور الزمن على حضارة الإنكا القديمة واندثارها، لم يغب عن كتب التاريخ التي ذكرت أن الإمبراطورية قد ترابطت بشبكة طرق هائلة، امتدت على مسافة تبلغ نحو 40 ألف كيلومتر، جعلت الاتصال بين أطراف الإمبراطورية سهلاً، بالنظر إلى الفترة التاريخية التي وجدت فيها هذه الإمبراطورية وازدهرت.


تذكار


حضارة الإنكا غابت عن الوجود، ولكن إرثها ظل قائماً بيننا، فيما أصبح جسر كيشواتشاكا آخر نصب تذكاري قائم على الأرض، ويتصل بحضارة الإنكا، حيث يتم سنوياً وتحديداً في شهر يونيو إعادة بنائه مجدداً بنفس التقنيات التي كانت مستخدمة سابقاً، ليتحول هذا الفعل إلى احتفالية تعيد التأكيد وبناء الروابط الاجتماعية بين مجتمعات هوينشيري وتشوبيباندا وتشوتشيهوا وكولانا كيوو في كوسكو، وهي المدينة، التي كانت ذات يوم عاصمة لإمبراطورية الإنكا.


جسر


ورغم قصر المسافة التي يمتد فيها الجسر الذي يشكل مدخلاً لجناح البيرو، إلا أنه كفيل بأن يمنحك الفرصة لأن تعيش تجربة المرور على الجسر الحقيقي، حيث ستشعر بأن خطواتك متحركة، بطريقة تحاكي الواقع، ليشكل الجسر مدخلك نحو البيرو، التي تكتشف من خلال جناحها تضاريساً وعرة تشكل موطناً لعجائب الطبيعة وأراض خصبة، فيما تمر على شجرة الحياة التي يحتفي بها شعب البيرو ضمن طقوس مختلفة ألوانها وايقاعاتها، لتبرز بعضاً من ملامح ثقافة الشعب البيروفي، وما يمتلكه من إلهام حقيقي.


قبل أن تقودك خطواتك نحو المخرج، ستلفت أنظارك تلك الشاشات التي تعرض أمامك جانباً من الفن البيروفي، ذلك الغارق في التاريخ مسافة 5000 عام، ليتخذ من القلب وروح الأرض مكاناً له، ليعبر في الوقت نفسه عن «البيرو الخالدة» التي تمنحك السلام وتتوجك بابتسامة ارتسمت على وجوه أطفالها.

طباعة Email