«على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، بيت شعر نطق به الشاعر محمود درويش، قبل أن يغمض عينيه طويلاً، كلماته لم تمت، بقيت حية في وجدان شعبه، وفلسطين، تلك الكلمات خرجت من حدود الأرض المقدسة وسافرت طويلاً، طافت جنبات الأرض وحطت رحالها في دبي، حيث تزين بها جناح فلسطين في معرض «إكسبو 2020 دبي»، واتخذ منها شعاراً، ليزيد عليها بيتاً آخر من درويش: «كانت تُسمى فلسطين، صارت تُسمى فلسطين».
هي أرض البدايات وأم النهايات، في ربوعها نبت الزعتر وأزهر الليمون واللوز، وفاح برتقالها عبيراً. على مدخل الجناح زرعت زيتونة، رويت بعرق أولئك الذين حملوا الوطن في قلوبهم، وقد حملت حبات سمان تقطر زيتاً صافياً، الزيتونة جاورت أعمدة بوابات القدس، ما أن تطل منها حتى ترى جدارية وقد زينت بمعالم فلسطين، وما أن تطأ أرض الجناح حتى تشعر أنك تطوف بطرقات القدس، تدخل من بوابات قبة الصخرة والمسجد الأقصى المبارك وتعاين بوابة كنيسة القيامة الضخمة، لتمر من بعدها في طريق الآلام، لتصل منه إلى بيت لحم، حيث مهد السيد المسيح، عليه السلام، هناك تسمع أجراس كنيسة المهد، وتتلمس النجمة الفضية المزروعة في صخر المرمر، وقد توجت بجملة كتبت بحروف لاتينية «هنا ولد المسيح يسوع من مريم العذراء»، قبل أن تمضي إلى ردهة أخرى، ستمر في خليل الرحمن، وتزور الحرم الإبراهيمي الشريف، وتتذوق بعضاً من سكر حبات عنب حمراء بعضها وخضراء أخرى.
حضور
بين جنبات الجناح، حضرت فلسطين بكل جمالها، وتاريخ الأراضي المقدسة، ولم تغب عنه الثقافة الفلسطينية، التي تمثلت في امرأة ترتدي ثوباً قد طرّز بخيوط حمراء، تعود في أصلها إلى منطقة طولكرم، ستقدم لك تجربة الحواس، حيث تضوع في روائح زهرة الحنون، والميرامية الخضراء، فيما ستسكنك رائحة الزعتر والبرتقال اليافاوي والجوافة التي تأخذك ناحية قلقيلية، كما تتنسم رائحة الصابون النابلسي، حيث لا تزال حرفة قائمة بذاتها في أروقة البلدة القديمة بنابلس. إن تدخل فلسطين، فأنت على موعد مع التاريخ، ستتلمس قطعاً من حجارة قصر هشام الساكن في أريحا، وخشونة المفتاح الأسود المعلق في أجياد الجدات، وحجر أبيض اللون اقتلع من البحر الميت المعروف بملوحته العالية، كما تتلمس نعومة السيراميك المطرز بألوان خليلية.
في فلسطين «أمهات تقفن على خيط ناي»، يقدمن لك الحب على طبق تفوح منه «رائحة الخبز في الفجر»، تطل عليك إحداهن بلسان عربي يلهج بالدعاء، لتدعوك لأن تمد يدك لتناول «المسخن» فتغرق في الزيت الممزوج بـ «السماق» لتتلمس فيه نعومة خبز «الطابون»، لن تغيب عنك سيدة الأرض والبيت طويلاً، ستطل عليك بطبق «المقلوبة»، حينها ستتذكر فيلم المخرج رشيد مشهراوي «مقلوبة» التي أطلق العنان له عام 2000، ذلك الطبق متوارث بين الأجيال، وتعرفه كل بيوت فلسطين، حتى باتت عنواناً للكرم الفلسطيني، ما أن تنتهي من طبقك، لن تدعك سيدة البيت لأن تمضي، ستدعوك لتناول «الكنافة النابلسية»، ستزيد عليها الجبنة، وبعضاً من قطر غلي على نار هادئة، ستقدمها إليك مع فنجان قهوة أعد على مهل من قطرات الندى الصباحي.
ألوان
في فلسطين تطرز الألوان على القماش، فتزهر على صدور النساء اللواتي تعودن ارتداء أثواب فصلت من قماش أسود أو أزرق أو خمري، ما أن تراها حتى تدرك اسم المدينة التي تنحدر منها، فابنة رام الله تتباهى بـ «الرومي» المصنوع من الكتان، فيما تطل ابنة غزة بثوب اكتسى بلون أحمر، بينما ترتدي ابنة جنين ثوباً أبيض اللون مثل قلبها، وقد طرّز بألوان الأحمر والأخضر والذهبي. قبل أن تصل إلى عتبة الباب الأخير في الجناح، لا بد أن تعرج إلى بيت لحم، لتعاين منحوتات خشبية، صنعت من شجر الزيتون، بعضها استلهم من تاريخ المدينة وأخرى من تفاصيل الأراضي المقدسة.


