كشف قطاع الفضاء خلال السنوات القليلة الماضية عن فرص أعمال كبيرة للشركات الناشئة والأفراد ومكاسب ضخمة، نتجت عن التطور المتسارع في هذا القطاع الذي تتنوع احتياجاته ومدخلاته على مختلف المناحي، فيما يأتي في مقدمتها تطوير التطبيقات والتكنولوجيات الحديثة، التي أصبحت تعتمد عليها الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية في تقديم معلومات وبيانات متخصصة، وصولاً إلى الخدمات اللوجستية التي يجب توفيرها لمحطة الفضاء الدولية، مثل الغذاء والأدوات والأغراض الأخرى التي يجب أن تتناسب مع طبيعة الفضاء وانعدام الجاذبية، حيث يعد ذلك كله فرصة للمهتمين والمستثمرين الناشئين لتحقيق مكاسب ضخمة مع تسارع نمو هذا القطاع، فيما تواجههم بعض التحديات التي قد تمثل إشكاليات تقوض جهودهم نحو استكشاف فرص جديدة لهم، وانطلاقاً من ذلك تواصلت «البيان» مع بعض المتخصصين العالميين للاطلاع على آرائهم فيما يخص هذا الشأن.

نمو كبير

وأوضح رائد الفضاء الروسي أندريه بوريسينكو، أن قطاع الفضاء يشهد نمواً كبيراً خلال السنوات المقبلة يستلزم معه مواكبة احتياجاته، خصوصاً أن هذا القطاع يعتمد بشكل وثيق مع تطور التكنولوجيا وخصوصاً فيما يتعلق بطرق الاتصال وتحسينها، وهو الأمر الذي نرى فيه تقدماً كبيراً عالمياً، وتقوم به شركات كبيرة وأخرى ناشئة، استطاعت أن توفر تقنيات جديدة وحديثة للعديد من مهمات ومشروعات فضائية، وهو ما ينتج عنه استثمار ناجح وكبير لهم يُحقق مكاسب ضخمة.

ورأى بوريسينكو أن قطاع الفضاء يعتمد في استدامته واستمراريته على تعزيز الشراكات، ولذلك فإن برأيه يجب أن تكون هناك رعاية من الشركات العالمية الكبيرة لأصحاب الشركات الناشئة التي بدأت لتوها العمل في هذا القطاع، وأن التبني والرعاية لهم يجب أن تتعزز بشكل كبير، خصوصاً أن الفرص الاستثمارية موجودة ومتاحة، فيما لفت رائد الفضاء الروسي إلى أنه ليس بالضرورة أن توجه الشركات الناشئة استثماراتها لتصنيع تقنيات متطورة مثل المركبات الفضائية، نظراً للتكلفة العالية والضخمة التي تتطلبها مثل هذه المشروعات، مؤكداً أن تكلفة المشروعات الفضائية ضخمة جداً وهو ما يعد أكثر التحديات التي تشكل صعوبة لبعض المطورين في هذا الشأن.

تحدٍ مالي

وذكر أندريه بوريسينكو، أنه يفضل للشركات الناشئة تحديداً استثمار أموالها في اللوجستيات التي يحتاجها قطاع الفضاء مثل المأكولات والمشروبات الخاصة والتي تتطلب أن تكون بشكل معين يناسب انعدام الجاذبية، ومواصفات خاصة تسمح باستخدامها لفترات طويلة، مشيراً إلى أن الاستثمار في الرحلات السياحية الفضائية، تعتبر أحد أهم القطاعات التي بدأت تشهد إقبالاً ونمواً كبيراً من البعض، وأنه من الممكن أن تكون هذه الرحلات بحدود الغلاف الجوي للأرض، أي في الطبقات القريبة منه، والتي تتيح للكثيرين من أصحاب هذه المشروعات استثمار أموالهم فيها، خصوصاً أنها لا تحمل مخاطر كثيرة مقارنة بالرحلات التي تتجاوز الغلاف الجوي للكرة الأرضية وتسبح في مناطق أعمق من انعدام الجاذبية الأرضية.

من جانبها، أكدت يامازاكي ناوكو رائدة الفضاء سفيرة جناح اليابان في «إكسبو 2020 دبي»، أن التحديات العالمية الرئيسية التي تواجه قطاع الفضاء، تشمل ضغوط الميزانية، وتطوير البنية التحتية، والمنافسة، والنهوض برؤية وطنية قوية لرحلات الفضاء البشرية، موضحة أنه يمكن لبرامج الفضاء أن تخدم البشرية، خصوصاً فيما يتعلق بتحديات المناخ والغذاء والماء واستدامة موارد الكوكب، حيث ستوفر الدول التي تقود العالم معرفة جديدة بمشاريعها المتخصصة، فيما يعتبر استكشاف الكون والنظام الشمسي وبناء التكنولوجيا التي تتيح القيام بذلك، من أهم المصادر لبناء منظومة متكاملة من المعارف.

فرص جديدة

وبينت يامازاكي ناوكو، أنه في حين أن استكشاف الفضاء اليوم لا يزال يمثل مبادرة رئيسية في اليابان، وجزءاً من أجندة الحكومة، فإن توفير الفرص للشركات الخاصة لاستكشاف الفضاء وإطلاق الأقمار الصناعية قد أدى إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على القطاع وخلق فرصاً جديدة لتمكين الشركات الكبيرة والشركات الصغيرة والمتوسطة من المشاركة في سلسلة القيمة. تعمل الشركات الناشئة المبتكرة كما هو الحال في القطاعات الأخرى أيضاً على رفد القطاع ببرامج فضائية فعالة من حيث التكلفة، مع تصاميم جديدة تعتمد على مكونات ومواد حديثة بهدف توفير تجارب جديدة للبشر.

شركات ناشئة

ورأت يامازاكي ناوكو، أن التحديات في هذا القطاع تكمن في التكلفة المالية الباهظة لكافة المشروعات الفضائية، فيما يسعى الكثيرون للعمل على تقليل التكلفة هذه مثل شركة «سبيس إكس» التي تعمل وفق هذا النهج لتقليل أسعار الرحلات السياحية، وإعادة استخدام أجزاء الصواريخ التي تنفصل عند الإطلاق لكي يتم استخدامها مرة أخرى ومن ثم تقليل تكلفة الإطلاق.

ولفت إلى أهمية التركيز على التعليم خصوصاً فيما يتعلق بتقنيات الفضاء والتي تستطيع الشركات الناشئة العمل عليها خصوصاً ما يتعلق منها بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، لافتاً إلى أنه وتحت شعار الابتكار، تقدم سويسرا في جناحها «كليرسبيس»، وهي شركة ناشئة بدأت بمدرسة لوزان الاتحادية للفنون التطبيقية، واختارتها وكالة الفضاء الأوروبية كي تقود تحالفاً من الشركات لتطوير تقنيات لالتقاط الأنقاض المُتراكمة من الفضاء وإخراجها من مداراتها، لتعزيز مفهوم الاستدامة في الفضاء، فيما تُعد «كليرسبيس» المشروع الأول من نوعه في العالم وستطلق أول مهامها النشطة للتخلص من الأنقاض الفضائية في عام 2025.

تطوير تكنولوجيا

في حين، أفادت عالمة الفيزياء الفلكية سيمونيتا دي بيبو، مدير مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي، بأنهم يدعمون الكثير من الأنشطة لمساعدة البلدان النامية والناشئة على الاستفادة من استخدام الفضاء من أجل التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة في بلدانهم، لافتة إلى أن الحكومات استثمرت الأموال في تطوير تكنولوجيا الفضاء، بدءاً من الأقمار الصناعية للاتصالات إلى الأقمار الصناعية المترية ثم أقمار رصد الأرض، ومع تطور التقنيات، أصبحت الفوائد في استخدام هذه الأقمار الصناعية تجارية لذلك نشهد ثمار الأنشطة التجارية، فيما هناك فرص كبيرة للشركات الناشئة لاقتناص الفرص المتواجدة في هذا الشأن.

وبينت أن القطاع الخاص بدأ الاستثمار في المدار الأرضي المنخفض وهو ما نطلق عليه «سياحة الفضاء»، متوقعة أن تكون هذه بداية حقبة جديدة، خصوصاً أنه لم يكن هناك سوى دولتين أو ثلاث دول تعمل في هذا النوع من الأعمال، ولكن بعد ذلك تمكنت دول قليلة أخرى من تطوير البنى التحتية في المدار الأرضي المنخفض.

تطور إيجابي

وذكرت شلي برونزويك الرئيس التنفيذي للعمليات بمؤسسة الفضاء الأمريكية، أن فرص الاستفادة من التقنيات الفضائية لتطوير أعمال وإنشاء شركات جديدة ناشئة، كبيرة وضخمة جداً، لافتة إلى أنظمة تحديد المواقع والخرائط في جميع التطبيقات التي يستخدمها العالم حالياً والتي تتطلب تكنولوجيا الفضاء، مثل «أوبر وكريم»، مؤكدة أنه لم تكن لتوجد أي من هذه الشركات من دون تكنولوجيا الفضاء، فيما الشركات الخاصة أمامها فرص ضخمة للنمو مثل شركة (سبيس إكس) الأمريكية ما يعد تطوراً إيجابياً، خصوصاً أنه من المتوقع أن ينمو اقتصاد الفضاء لأكثر من 1 تريليون دولار بحلول 2030 ولأكثر من 3 تريليونات دولار بحلول عام 2040، وهو ما يوجد المزيد من فرص العمل ويضمن تكنولوجيا تفيد البشرية بشكل أكبر، معتبرة أن ذلك فرصة رائعة سمح لأصحاب المشاريع بإنشاء مصادر وحلول جديدة لأعمالها.

دعم مهم

كما أكد مصطفى الهاشمي مؤسس شركة أنظمة الملاحة الذكية في الإمارات، أنه من المهم جداً دعم رواد أعمال المشروعات الذين يعملون في تكنولوجيات وتطبيقات الأقمار الصناعية وتوفير التشريعات التي تحميهم، ومساعدتهم على التواصل مع الشركات العالمية الكبرى التي تحتاج لمثل هكذا النوعية من المعلومات التي يتم توفيرها من أقمار التصوير والاستشعار عن بعد، مؤكداً في الوقت نفسه ضرورة مساعدة رواد الأعمال للتواصل مع الشركات العالمية الكبرى التي تحتاج لمثل هكذا النوعية من المعلومات.

وأضاف أن التكنولوجيا المتقدمة أصبحت عماد صناعة الأقمار الصناعية من أجهزة اتصال متطورة وكاميرات تصوير دقيقة وغيرها من الصناعات الداعمة وتعتمد عليها مشروعات الأقمار الصناعية، لافتاً إلى أن رواد الأعمال كثيرون منهم يعمل في مثل هكذا المشروعات، وهو الأمر الذي يحمل آفاقاً كبيرة من النجاح لتمكين أعمالهم مستقبلاً، خصوصاً مع زيادة المشروعات في قطاع الفضاء، وتوسع الإمارات في العديد منها ما يوفر أرضاً خصبة لهم.