رواندا ذلك البلد الصغير بذاكرة قوية في قلب أفريقيا الاستوائية، جمالها الفتان في موسم ممطر ما زال يحتفظ بمسحة حزن دفين بسبب ما خلّفته حرب إبادة عرقية حصدت أرواح ما يقرب من مليون ونصف المليون شخص من التوتسي ومَن تعاطف معهم من الهوتو المعتدلين.

عندما تزور جناح «بلد الألف تلة» كما تعني كلمة «رواندا» باللغة المحلية، ذلك البلد الأفريقي الحبيس الذي لا يطل على أي بحر، لن تتوقف عن التساؤل عن الكيفية التي تحققت بها تلك المعجزة.

وكيف تجاوزت هذه الدولة أهوال الحرب الأهلية والإبادة الجماعية وإرثها في مدة قصيرة، مع كل تلك المعوقات. الأسى لن ينسى بسهولة، ولن تمحى آثاره الوحشية وندوبه العالقة بالروح إلا بفيض من النور يشع لينير ظلمات القتل والدمار والحزن التي خلّفتها الحروب والإبادة الجماعية.

العلم والمعرفة

هذا النور يجده المتعطشون في صفوف العلم والمعرفة التي تهدم أبواق الجهل والفرقة والوحشية والدمار، بالإضافة إلى تمكين الشباب من أجل النهوض بجيل جديد واعٍ وقادر على تجاوز جراحه، مبصراً لحق العلم والمعرفة، يمتلك كل المقومات لبناء مجتمع إنساني جديد على أنقاض كل هذا الدمار الذي حل برواندا منذ 24 عاماً.

تغيير الوضع هناك كان بحاجة إلى معجزة وهو ما حصل بالفعل، فقد بدأ العمل أولاً على المصالحة بين أبناء الشعب الواحد، واعتماد الحكومة سياسة «الاتحاد والمصالحة»، المستندة إلى نظام قضائي تقليدي يعرف باسم «غاكاكا»، أمكن بموجبه التعامل مع مئات الآلاف من الأشخاص المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية، وتحقيق التسامح بين الناس واستئناف العيش المشترك.

نهضة اقتصادية

المعجزة التي أدت إلى نهضة رواندا الاقتصادية تزامنت مع نهضة اجتماعية شملت جميع نواحي الحياة، فعلى سبيل المثال، حازت العاصمة كيغالي لقب أنظف عاصمة أفريقية، كما أن رواندا تعد واحدة من أكثر 10 وجهات سياحية أماناً في العالم.

لم تكن رواندا التي عانت من الحرب الأهلية لمدة 100 يوم متتالية، في ذلك الوقت بحاجة إلى إعادة بناء الدولة، أكثر من إعادة بناء الأطفال، نفسياً وفكرياً وعلمياً، كان لابد أن تعود المدارس لتفتح أبوابها مرة أخرى، لذا حرصت على تطوير منظومة التعليم مواكبة لتوجهاتها الرامية إلى بناء العقل المفكر المحاط بالرحمة وحب البشرية والرغبة في تطوير كل جوانب الحياة التي تتأثر بها.

والمشاركة المستمرة في تمهيد السبل حتى تسير باتجاه الرقي والحضارة التي تهدف إلى منفعة وجودنا على هذه الأرض، حتى أصبحت رواندا من أعلى الدول الأفريقية انتظاماً في التعليم؛ ففي المرحلة الابتدائية وحدها كانت نسبة الأطفال المنتظمين تساوي 97%، بنسبة متساوية للأولاد والبنات.

درس التسامح

التسامح هو الدرس المهم، الذي تحرص رواندا على تأكيده عبر جناحها في إكسبو 2020 دبي، وأن الثأر لن يقدم أي شيء للمجتمع، ولن يجدي نفعاً.

وإحدى السياسات التي تتبعها رواندا هي مشاركة المواطنين في صناعة الإنجاز، وهو ما يولّد لديهم الإحساس الدائم بالمسؤولية تجاه هذا الإنجاز ويدفعهم للمحافظة عليه، فعلى سبيل المثال كل مواطن رواندي يشعر أنه من صنع السلام في البلاد سواء عبر اعترافه شخصياً بالجرم الذي ارتكبه وخدمة مجتمعه تكفيراً عن هذا الجرم، أو بمسامحة الجاني إذا كان أحد الناجين أو ذوي الضحايا.

ويقوم الاقتصاد الرواندي بشكل رئيسي على زراعة البن والشاي وتصديرهما، حيث ظهرت بعد الإبادة التعاونيات الزراعية كحل لمشكلة إيجاد فرص عمل للناجين من الإبادة، فعملت بعض المنظمات الدولية على شراء قطع أراضٍ زراعية في مناطق مختلفة في البلاد وتقديمها لمجموعات السكان الأكثر فقراً في تلك المناطق.

والذين هم في الأغلب من الناجين من الإبادة أو النساء المعيلات اللاتي قتل أزواجهن أو سجنوا لمشاركتهم في جرائم الإبادة.

رواندا، بلد لا تتجاوز مساحته 27 ألف كيلومتر مربع ويقترب عدد سكانه من 12 مليون نسمة ما يجعله واحداً من أكثر الدول الأفريقية كثافة بالسكان -290 شخصاً للكيلو متر المربع، تحوّلت إلى واحدة من أهم الاقتصادات الناهضة في العالم بمتوسط معدل نمو 7.5 % من عام 2015 إلى عام 2017.

تقدم المرأة

ونصف سكان رواندا هم دون الـ 18 سنة، وفي السنوات القليلة الماضية، مر نظام التعليم في رواندا بفترة من النمو القوي، خصوصاً فيما يتعلق بتوفير التعليم، لكن لا تزال البلاد تواجه العديد من التحديات مثل الانتقال من اعتماد اللغة الفرنسية إلى الإنجليزية للصف الرابع وما فوق.

وقبل الإبادة كانت المرأة الرواندية مهمشة إلى حد كبير، فلا يحق لها الاقتراع ولا تستحق أي ميراث، أما بعد الإبادة فقد برزت مشكلة من نوع آخر.

حيث أصبح 70 % من سكان البلاد من النساء، على اعتبار أن معظم ضحايا المجازر كانوا من الرجال، إضافة إلى فرار الكثيرين خارج البلاد، ونسبة كبيرة من أولئك النساء كن من الأرامل أو المعيلات.

وأضحت النساء اليوم يشغلن أكثر من 60% من مقاعد البرلمان، بالإضافة إلى نحو ثلث مقاعد الحكومة، ومناصب عليا كثيرة في البلاد مثل رئيس المحكمة العليا ومفوض الشرطة.

النساء اليوم في روندا يتمتعن بكامل حقوقهن، وفي أغلب القرى الرواندية تحتل النساء مناصب قيادية في مجتمعاتهن المحلية، بل إن أغلب التعاونيات الزراعية التي تنتشر في أنحاء البلاد تتولى مسؤوليتها نساء.