جماليات عالية ورمزية عميقة، تتجسد في تفاصيل جناح دولة الإمارات العربية المتحدة، وعلى وجه التحديد في هيكل البناء الخارجي الذي جاء على هيئة صقر يستعد للتحليق فارداً جناحيه على أفق الريادة والشموخ وقيم الانفتاح على العالم، ليذكر بحكايات مستمدة من عمق التراث الإماراتي، وبمدى اهتمام القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بالصقور كتقليد أصيل يرتبط برحلات «القنص»، كما يجتمع هذا مع حكايات أخرى مستوحاة من الحاضر، حيث الصقر شعار لدولة الإمارات التي كتبت قصص نجاحها أسطورة فقرأها العالم كله.
ويمتد هذا الجناح الأيقونة على مساحة 15000 متر مربع موزعة على 4 طوابق، وبين أروقته تنبض أفكار إبداعية عدة من بينها الفكرة الأساسية للجناح بأن الإمارات «موطن الحلم والإنجاز»، ولهذا يحتفي بعدد من أصحاب الإنجازات من العرب والأجانب الذين اتخذوا من الإمارات مكاناً لعيشهم، واستطاعوا فيها أن يحققوا أحلامهم على اختلافها، ويؤثروا بالتالي على المجتمع المحيط ويساهموا مع الإماراتيين في كتابة قصة نجاح الدولة في المجالات كافة.
أرض الحلم
يعتبر جناح الإمارات منبراً حقيقياً للتواصل والتفاعل مع العالم، وهو ما يجسد شعار إكسبو 2020 دبي في «تواصل العقول وصنع المستقبل»، فدولة الإمارات التي كانت وما زالت مستقراً لأكثر من 200 جنسية من مختلف دول العالم، وعلى اختلافهم يعيش الجميع بأمن وسلام في وطن التعايش الإيجابي، وهذا ما يمكن للزائر أن يكتشفه في أروقة الجناح الوطني، حيث يحتفي بمؤثرين عرب وأجانب أبدعوا واستطاعوا ترجمة أحلامهم إلى واقع في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي قدمت لهم الفرص فقدموا لها الإنجازات، من بينهم الدكتورة مارغريت مولير مدير مستشفى الصقور، الذي افتتح 3 أكتوبر من العام 1999 في منطقة سويحان في أبوظبي، وغيرها الكثير من الحالمين الذين سطروا قصص نجاحهم بحروف مكتوبة من ذهب، بعد أن وجدوا الإمكانيات اللازمة لتحرير ما يفكرون به، فتحولت هذه الأفكار العظيمة إلى إنجاز على أرض الواقع، وهذه الإنجازات كانت سبباً في فخر الإمارات بهم كما يفتخرون هم بها وبما حققوه، فالشخصي في إنتاجهم هو عمل يعود بالفائدة على الجميع.
وجناح الإمارات الذي حرص في إضاءته على استخدام «الطاقة النظيفة» لتسطع بصحة على العالم، سيقدم للزائر فرصة التعرف على تاريخ وتراث الإمارات من البدايات وحتى الآن وفي كل تاريخ من هذه التواريخ هناك نقلة نوعية وأساس لرفعة ومجد تحصد الإمارات نتائجها وهي تنظر إلى المستقبل.
بينما تضفي الأعمال الفنية التي تعود لحوالي 60 فناناً تشكيلياً الثراء للمكان، بحيث يمكن لأعمالهم الموزعة في أروقة الجناح محاكاة المشاهد وإثارة أحاسيسه الجمالية والتعرف على ملامح الحركة التشكيلية في الدولة، التي مرت بمراحل عدة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من غنى وثراء بالأساليب والأفكار، إلى جانب أن الإمارات أصبحت حاضنة لمنجزات العالم الفنية من خلال العديد من الفعاليات الموسمية التي تقام على مدار العام.
الاحتفاء بالخمسين
إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، عام 2021 في الإمارات «عام الخمسين»، الذي يتزامن فيه «إكسبو 2020 دبي» مع احتفالات الدولة بمرور 50 سنة على اتحادها، الذي أدى إلى نهضتها وبالتالي إبهار العالم بنموها السريع وإنجازاتها المدهشة، وتبوؤ مراكز الصدارة في العديد من المؤشرات التنافسية العالمية. ومن هنا، فإن من أبرز الأنشطة التي سينظمها الجناح الإماراتي سيكون الاحتفاء بهذه المناسبة الوطنية الغالية.
ويسلط الجناح الضوء على التاريخ المفصلي للدولة وسيعرض في فعالياته المتنوعة حصاد تجربة نصف قرن من التنمية في المجالات كافة، كما يضيء على الرؤى الطموحة للخمسين عاماً المقبلة، فالإمارات إلى جانب تقديرها للماضي تعتبر بكل جدارة دولة المستقبل، وبناءً على هذا الأساس تواصل مسيرة الإنجاز والتميز والعطاء والشراكة الإيجابية مع دول العالم والمساهمة في الحضارة الإنسانية، ومن خلال هذه الفعاليات سيشهد العالم المتجسد بمشاركات أكثر من 190 دولة في إكسبو 2020 دبي، هذه الاحتفالات التي ستقدم صورة ستبقى عالقة في الأذهان عن دولة الإمارات وتطورها وريادتها في مختلف المجالات، من اقتصاد وثقافة وعلوم وإنجازات، تجعلها تتطلع نحو المستقبل بكل ثقة، وتسير باتجاهه مدفوعة برؤية القيادة الحكيمة للدولة، إلى جانب الحكمة المستمدة من القادة المؤسسين الذين حولوا الحلم إلى واقع ملموس، وساروا وفق نهج يقوم على التعاون والاحترام المتبادل مع سائر دول العالم وشعوبها.
ولهذا تحصد الإمارات نتائجه التي ذكرتها معالي ريم بنت إبراهيم الهاشمي وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي المدير العام لـ «إكسبو 2020 دبي»، عندما صرحت أخيراً في وسائل الإعلام قائلة: تحتل الإمارات المركز الأول عالمياً في 121 مؤشراً، والمركز الأول عربياً في 479 مؤشراً، كما تبوأت مكانها بين أفضل خمس دول في العالم في 189 مؤشراً.
كل ما تم ذكره يدعو للفخر، فدولة الإمارات مبنية على القيم والمبادئ السامية التي تكرس للتواصل الإنساني، ونشر ثقافة التسامح والسلام، وتوفير بيئة مميزة وملهمة تُنمّي الإبداع والابتكار والريادة في كل فكر يخدم الإنسان، ولهذا أصبحت مقصداً للجميع، وهذا ما يعيدنا إلى فكرة «الحالمون» الذي يحتفي الجناح بهم، ويؤكد أن النهضة لا تتجزأ، وكل تفصيل في عملية التقدم يرتبط بآخر.
تحفة معمارية
جناح الإمارات الذي يعد مفخرة جديدة من المعالم والأبنية التي تتميز بها دولة الإمارات العربية المتحدة كان قد تم اعتماد تصمميه العائد للمهندس المعماري «سانتياغو كالاترافا»، وذلك عقب مسابقة تصميم استمرت سبعة أشهر، وشهدت مشاركة 9 شركات معمارية عالمية قدّمت 11 مفهوماً مختلفاً للتصميم المعماري لجناح الدولة، وتم تقييم جميع التصاميم بناءً على معايير محددة تشمل مدى نجاح هذه التصاميم في تمثيل الشعار الرئيسي لمعرض إكسبو 2020 دبي وهو «تواصل العقول وصنع المستقبل»، إلى جانب الاهتمام بقدرة التصميم على التعبير عن التراث الإماراتي الأصيل وتحقيق التوازن بين ماضي الدولة ومستقبلها.
ويعد العنصر الأكثر إثارة للإعجاب في الجناح هو هيكل السقف الذي يعرض نظاماً هجيناً يتراوح ما بين الهيكل وإطار البوابة، ويتألف من 28 جناحاً، يمكن فتحها في غضون 3 دقائق، مع إتمام مجموعة من الحركات التي تتراوح بين 110 و125 درجة، ويتم تشغيل دوران الأجنحة بعدد إجمالي يبلغ 46 مشغلاً هيدروليكياً متخصصاً ومتزامناً، تعمل كمكابس، وعندما يتم تنشيط هذه المكابس، يتم دفع الزيت الهيدروليكي عبر المشغلات، بشكل يساهم في تمديد المكابس، ويفتح الأجنحة إلى طاقتها الكاملة.
وقد التزم المصمم بتضمين الممارسات الرائدة للاستدامة البيئية في صلب عملية التصميم وبهذا يعتمد الجناح الوطني على أعلى المعايير التي تعزز الكفاءة من حيث الطاقة كما يضم مجموعة من عناصر التصميم المستدام وخصائصه، بما يضمن دوام الهيكلية وصمودها في وجه الزمن.
وقد تم دمج عناصر مستدامة مثل الألواح الكهروضوئية التي تم إنتاجها في دولة الإمارات العربية المتحدة في هيكل السقف لإضفاء الحيوية على المبنى بأكمله، مع فتح الأجنحة، وبالإضافة إلى مفهوم الجماليات.
وتُعتبر القاعة بمثابة صالة مركزية تحمل مساحة وظيفية، بسعة تصل إلى 200 زائر، وهناك مناطق تزهو بمناظر طبيعية وتعكس أهميتها الثقافية بالنسبة إلى دولة الإمارات وتحيط المناطق التي تجسد المناظر الطبيعية في الجناح، وذلك من خلال 5600 غرسة من 12 فصيلة مختلفة، منها 2350 نبتة ذات أهمية ثقافية بالنسبة للدولة.
ويستقبل الجناح زواره من 10 صباحاً إلى 22 ليلاً، ليستكشفوا جمالية العمارة، ويتفاعلوا مع ما يقام من أنشطة متنوعة.
تصميم متفرد
صمم الجناح الوطني سانتياغو كالاترافا المهندس المعماري والنحات الإسباني، المعروف عالمياً بمشاريعه ذات الطابع المستقبلي مثل محطات السكك الحديدية والجسور، والتي لها دائماً حلول هيكلية فريدة، مكتبه الرئيسي يقع في زيورخ بسويسرا، المكاتب الأخرى تقع في باريس ونيويورك وأماكن أخرى حول العالم، من أشهر مشاريعه مدينة الفنون والعلوم في بلنسية وجسر ألاميو في إشبيلية ومجمع أثينا الأولمبي الرياضي ودار الأوبرا في جزر الكناري، وغير ذلك الكثير من المشاريع التي أهلته للحصول على الكثير من الجوائز منها مؤسسة لندن الهيكلية للمهندسين - ميدالية ذهبية، وجائزة البلدية للتصميم الحضري من تورونتو.

