عندما ولدت الأوبرا على أرض إيطالية، أشعل ذلك الغيرة في قلوب جارتيها الفرنسية والألمانية، واللتين سعيتا آنذاك إلى بناء دور أوبرا مميزة معمارياً لتكون جاذبة للجمهور الذي كان يقصد «فينسيا» للاستمتاع بفنون الأوبرا، الأمر الذي أشعل آنذاك فتيل الحراك الفني في أوروبا.
وها هي دبي تشهد اليوم ولادة أول أوبرا إماراتية، لتشعل بذلك نوراً في مشهدها الفني، متوسدة في ذلك خبرة الملحن الإماراتي محمد فيروز، الذي اشتهر بأعمال فنية كان لها وقع السحر في القلوب، كما في أغنية «صميدة» وموسيقى الملحمة الأوبرالية «الأمير الجديد».
والحقيقة أن فن الأوبرا له وقع خاص، يعشقه أولئك الذين يجدون الشغف في الموسيقى، يشعرون بأنه يأخذهم في كواليس الحكايات، ليعيشوا بعضاً من خيالاتها وسحرها اللافت، يتفاعلون معها ويشعرون لوهلة بأنهم يرتدون ثياب شخصيات الحكاية، يتأثرون بمشاعرها، ويتوغلون في أحزانها، ويعيشون فرحها، ذلك هو فن الأوبرا الذي لا يزال حياً منذ تلك اللحظة التي شهدت ولادته في إيطاليا عام 1600 ميلادية، ولا يزال حتى اللحظة متمسكاً بتقاليده الخاصة وبحركاته على الخشبة، وبألحان لازمتها صفة الخلود.
«هو يا مال»
ودبي لم تكن بعيدة عن عوالم الأوبرا، فعلى أرضها تأسست للأوبرا دار، استلهمت من أشرعة السفن القديمة تصاميمها، حيث كان النهام يدق بقدميه مرة واثنتين وثلاث مرات على أرض السفينة الخشبية، ليسمع صدى صوته في الفضاء، قبل أن تهلل ألسنة البحارة والغواصة معاً بنهمة «هو يا مال». سقف دبي أوبرا تزينت باللؤلؤ والأحجار الكريمة وجاورت أعلى برج في العالم. المسافة بين دبي أوبرا ومعرض «إكسبو 2020 دبي» لا تقاس بالكيلومترات، وإنما بمقدار اهتمام المدينة نفسها بالفن والثقافة والأوبرا، فكما ولدت دبي أوبرا على أرض «دبي داون تاون»، كان مقدراً أن تشهد ساحات «إكسبو 2020 دبي» ميلاد أول أوبرا إماراتية، حملت اسم «أوبرا الوصل».
ظلال إكسبو
وتحت ظلال «إكسبو 2020 دبي»، التقت موهبة الإماراتي محمد فيروز مع إبداعات مها قرقاش، ليصيغا معاً تفاصيل «نشيد الوصل»، ذاك الذي يجمع تحت ظلاله مجموعة من طلاب المدارس، يرافقون موسيقيي أوركسترا محترفين، يؤدون معاً ولمدة 30 دقيقة مقتطفات من أوبرا الوصل على مسرح اليوبيل في «إكسبو 2020 دبي»، فيما سيتم تحرير «نشيد الوصل» من حدود أرض المعرض، ليتم تقديمه على خشبة دبي أوبرا وغيرها من الأماكن في أرجاء دبي، بهدف تعريف الشباب الإماراتي بعالم الأوبرا، وبما يحمله من روعة خاصة.
«الوصل» في اللغة، هو ضد الهجران، فيه وصل الحبيب، والوصل على أرض الواقع هو اسم دبي القديم، التي وصلت بين ثقافات الدنيا على أرضها، لكن «أوبرا الوصل» تختلف قليلاً، فهي رحلة غنائية ساحرة، أطلت على الوجود لتروي حكاية عمرها ألف سنة من الثقافة والحب، ولتتحول مع افتتاح معرض «إكسبو 2020 دبي» إلى محطة ثقافية بارزة في البلاد، كونها تضم بين ثناياها مواهب إماراتية وأخرى عالمية، وتتعاون مع «أوبرا ويلز الوطنية» ليجتمع تحت ظلالها أكثر من 100 فنان وموسيقي، يقف خلفهم فريق إنتاج يضم 70 مهنياً، وكل ذلك بهدف الاحتفاء بأفضل مواهب الأوبرا العالمية.
وعبر أوبرا الوصل، اختار معرض «إكسبو 2020 دبي» له سلماً موسيقياً مختلفاً، سلماً تضج حركاته بالحياة، ليؤكد من خلالها ما دأب شكسبير على ترديده قديماً، بأن «الموسيقى تستطيع أن تحيل آلامنا سعادة، كما تستطيع أن تحيل سعادتنا آلاماً»، ولذلك فقد استعد «إكسبو 2020 دبي» لأن يقدم لجمهوره فرجة بصرية نوعية، تفرد إيقاعاتها على الخشبة، تسعد بها الكبار والصغار على حد سواء، تعزز بها حواسهم، ويعبر من خلالها عن تعدد الألسنة التي تلهج في ساحات المعرض الدولي.
نبض الترفيه
نبض الترفيه في «إكسبو 2020 دبي» واسع نطاقه، شاملاً معه الأوبرا، والتي لأجلها كان المعرض قد أطلق برنامجاً تعليمياً خاصاً لطلبة المدارس ومعلميهم على مستوى الإمارات سيكفل تعريف الأطفال بفنون الدراما والسرد القصصي والإنتاج المسرحي، الأمر الذي سيجعل الأوبرا ملهمة لأجيال المستقبل، والذين مع افتتاح المعرض، سيطلقون العنان لأصواتهم ليرددوا جميعاً «نشيد الوصل»، الذي سيقام على أضخم مسرح في موقع «إكسبو 2020 دبي»، ضمن كورال موسيقي، يؤدي مقاطع من «أوبرا الوصل» بمصاحبة أوركسترا محترفة.
عبر «أوبرا الوصل» يروي «إكسبو 2020 دبي»، باللغتين العربية والإنجليزية، حكاية إماراتية، تحتفي بالتراث الثقافي المتنوع للدولة، وما حققته من إنجازات وما تتطلع إليه من طموحات في المستقبل.



