آلة صينية قديمة، جذورها تمتد آلاف السنوات، ولها 21 وتراً مثبتاً على قناطر فوق جسم رنان مجوف طويل، تلك الأوتار تشتد تارة وتهتز بحسب قوة الريشة التي تداعبها، لتقدم لنا إيقاعاً لافتاً يذكرنا بكل أولئك الذين مروا على سور الصين العظيم، وآثروا أن يقطعوا طريق الحرير ليحطوا رحالهم في دبي، التي فتحت لهم صدرها واسعاً، لتظللهم بغيمة التسامح.

الوهلة الأولى بمجرد أن تلقط أذنك إيقاع نغماتها تظن أنها آلة «قانون» عربية، ولكنها في الواقع ليست بقانون، وإنما آلة «جوزهينغ».

للموسيقى الصينية وقع خاص، وتمتاز بكونها أكثر هدوءاً وجدية، تدركها بمجرد أن تستمع إليها، وتشعر بفارق المسافة التي تفصلها عن نظيرتها الغربية وحتى العربية أيضاً، ويقال إن الصينيين قد ربطوا قواعد موسيقاهم بالدين والتهذيب، وجعلوا لها سلماً «ناقص النغمات لا تعرف في تراكيبه إلا المسافات الصوتية الزائدة»، ورغم ذلك استطاع أن يتفرد هذا السلم بإيقاعات لها قدرة خاصة على تملك القلب والجوارح.

تلك القدرة وجدت لها متسعاً في متاع أولئك القادمين من الصين للمشاركة في معرض «إكسبو 2020 دبي»، وهم الذين نذروا أنفسهم سفراء لبلاد التنين، ليقدموا أمام العالمين ثقافة بلاد يمتد عمرها آلاف السنين، شهدت نشوء حضارات مختلفة، نجحت اليوم في أن تكون في صدارة العالم المتقدم. ولا تختلف آلة «جوزهينغ» كثيراً عن القانون العربي، فكلاهما له أوتار على ظهره، تجذبها الأصابع تارة وتدفعها تارة، لتغير فيها حدة الصوت وقوة الاهتزاز، ولكن الفارق بينهما أن الأولى صينية المنشأ بينما الثانية عربية الوتر.

في أروقة المعرض الدولي، حجزت آلة «جوزهينغ» مكاناً لها، لتقدم على الملأ عروضاً مختلفة في أيام عديدة، كل عرض منها يمتد على مسافة زمنية تقدر بنحو 30 دقيقة، فيها ستتلمس ملامح الحضارة الصينية، وستعيش رحلة مليئة بالأمل والجمال، ترتقي معها درجات سلم موسيقي كبير خماسي الدرجات، وهو المعتمد في آلة «جوزهينغ» التي يعشقها الصينيون، وأبناء الموسيقى على اختلاف ألسنتهم ومنابتهم.

وأنت تتسلق درجات السلم الموسيقي الخاص بآلة «جوزهينغ»، ستكتشف آثار الموسيقى الصينية التقليدية، تلك التي تمتلك إرثاً غنياً، ورغم اكتسابها في كل مرة وجهاً جديداً، إلا أنها تظل تحن إلى أصولها وإلى «لينغ لون» ذلك المؤسس الأسطوري للموسيقى، بحسب ما تشير الأساطير الصينية، والذي يقال إنه طوع أعواد الخيزران بطريقة يمكن ضبطها لتقلد أصوات الطيور.

في أحضان «إكسبو 2020 دبي» ستتاح أمامك فرصة واسعة حدودها، لأن تكتشف جماليات المشهد الموسيقي الصيني، ولأن تتعرف إلى رقصاته ولا سيما تلك التي تسمى «رقصة التنين»، ومعها ستكتشف حدود الصين تلك العريقة التي نبعت منها حضارات كثيرة، وارتبطت بالمنطقة العربية بعلاقات وطيدة، لا تزال الدماء تسري في عروقها حتى اللحظة.