يضع جناح سنغافورة في «إكسبو 2020 دبي» العمارة الخضراء على رأس سلم أولوياته، وذلك لمساعدة الزوّار على تقدير مزايا وإمكانات دمج الطبيعة في بيئاتنا الحضريّة، فمن خلال عرضه للمساحات الخضراء والحلول الرقميّة والفن كوحدة كاملة، يجسّد الجناح رؤية سنغافورة في أن تصبح مدينة وسط الطبيعة، كما يعكس روح التنمية المستدامة من خلال حلول حضريّة مبتكرة ومؤثرة.

وتُعدّ الاستعدادات لجناح سنغافورة في مرحلتها النهائيّة، حيث تمّ الانتهاء من أعمال تنسيق الحدائق ويتمّ حاليّاً وضع اللمسات الأخيرة على المعارض الرقميّة قبل افتتاحها في 1 أكتوبر 2021، كما سيتم أيضاً تقديم محطات مختلفة من التجربة الفريدة لجناح سنغافورة على الإنترنت والمنصات الإلكترونيّة، نظراً لقيود السفر الحاليّة وإجراءات السلامة.

أجندات ملائمة

وقالت ياب لاي بي، نائب المفوّض العام لجناح سنغافورة، مدير مجموعة الهندسة المعماريّة والتصميم الحضري في هيئة إعادة التطوير الحضري: «يُظهر جناح سنغافورة إمكانية تطوير أجندات ملائمة لدمج الطبيعة والهندسة المعماريّة والتكنولوجيا، من خلال تصميمات واستراتيجيات رقميّة مختلفة. ونود دعوة الزوّار الكرام للتفكير مليّاً في علاقتهم بالطبيعة.

وذلك من خلال رحلة استكشافهم للمنظومة الرقميّة الخضراء للجناح وعرضه لنظام متكامل لإدارة المساحات الخضراء وأنظمة المياه والطاقة. ومن خلال القيام بهذا، سيتمكّن الزوّار من تقدير أهميّة التخطيط وحجم التحديات لبناء جناح سنغافورة، والطرق التي تمكننا من التعايش مع بيئتنا الطبيعيّة والمبنيّة دون إلحاق الضرر بكليهما، حيث يتم الاعتناء بكل من الناس والبيئة على حد سواء».

نباتات متنوعة

ويعرض جناح سنغافورة، الذي يعتبر أحد أكثر الأجنحة خضرة في معرض «إكسبو»، أكثر من 170 نوعاً من النباتات ضمن طبقات مختلفة من المساحات الخضراء في أماكن مختلفة من الجناح، بدءاً من الحدائق المعلّقة، إلى الجدران الرأسيّة، التي تتميّز بنباتات ذات قيمة عرقية نباتية، ستحيط المساحات الخضراء الجذّابة وثلاثيّة الأبعاد بالزوّار، كما ستوفر أيضاً فترة راحة رائعة بعيداً عن ضوضاء المعرض.

يُذكر أن فن النحت الحركي لبذور «ديبتيروكارب» - وهي أشجار طويلة توجد خصوصاً في غابات جنوب شرق آسيا -، سوف تلفت انتباه الزوّار لحظة دخولهم الغابات المطريّة المخروطيّة، إذ إنها مستوحاة من حركة الغزل، التي تشبه حركة «الهليكوبتر»، لبذور الأشجار المجنّحة من عائلة «ديبتيروكارب». إذ تُشكّل هذه الأشجار العملاقة أهميّة بيئيّة كبيرة ما بين 50 إلى 80% من غابات جنوب شرق آسيا.

وتتم عمليّة إدارة وتصميم المناظر الطبيعيّة والعناصر الرقميّة والفنيّة من قبل الشركة السنغافوريّة لهندسة المناظر الطبيعيّة «سالاد دريسينغ»، حيث ترتبط بشراكة وثيقة مع شركة «دبليو أو إتش إيه» المعماريّة، المصمّمة للجناح، ومقرها سنغافورة.

استراتيجية زراعية

وتتميّز استراتيجية الزراعة المتّبعة للجناح بنباتات من موائل فريدة متنوّعة من التراث الطبيعي لسنغافورة، بما في ذلك الأصناف الموجودة في الغابات الاستوائية المطيرة، وجداول المياه العذبة للغابات، وموائل المنغروف، التي تعتبر من الرموز الأساسيّة للبيئة الطبيعيّة في سنغافورة. ويتم وضع النباتات بشكل انتقائي في مناطق مختلفة داخل جناح سنغافورة، لإنشاء مساحة خضراء متعدّدة الطبقات.

تحدّي الصحراء

ونظراً للتحدّي المتمثل في زراعة هذه النباتات في بيئة دبي الصحراويّة، تم وضع النباتات في مواقع استراتيجيّة داخل أماكن مختلفة في الجناح بناء على احتياجات النمو الخاصّة بها، فعلى سبيل المثال، تمّت حماية محيط الجناح بأنواع الأشجار والنخيل التي تنمو جيداً في مناخ دبي، ما يحاكي طبقات الغابة الطبيعيّة لتشكيل طبقة مظللة جيداً لحماية الداخل.

فالنباتات المحبة للشمس مثل «الزهرة الوطنية لجمهوريّة سنغافورة»، «فاندا ميس يواكيم»، سوف تستقبل الزوّار في الجزء الأمامي من الجناح، حيث تتلقّى أشعة الشمس المباشرة. وكجزء من الجهود المبذولة للحفاظ على المياه، سيتم أيضاً تأمين المياه الصالحة للشرب - التي يُعمل على إنتاجها من خلال تحلية المياه بالطاقة الشمسيّة.

- والتي ستغذّي بدورها أنظمة الري بالتنقيط لتقليل هدر المياه. بالإضافة إلى ذلك، تُستخدم فضلات الأوراق أيضاً لتحل محل الغطاء الأرضي المستهلِك للمياه، من أجل الاحتفاظ بالمياه في التربة لأطول فترة ممكنة. كما تساعد المساحات الخضراء جنباً إلى جنب مع عمليات الترطيب بالرذاذ على زيادة الرطوبة وتأمين أجواء منعشة داخل الجناح.

وتشير عبارة طبقات الغابات إلى طبقات الغطاء النباتي داخل الغابة، والتي يتم تحديدها حسب الأنواع أو العمر أو حجم النباتات، والري بالتنقيط هو نوع من أنظمة الري الصغيرة التي تسمح للماء بالتنقيط ببطء من خلال القطارات على التربة، حيث تنمو جذور النباتات. يمكن أن يكون هذا النظام أكثر كفاءة من أنظمة الري الأخرى، ويوفر مستوى رطوبة مرتفعاً للغاية في التربة، بحيث تنمو فيها النباتات بشكل أفضل.

وتتيح هذه الاستراتيجيات إنشاء مناخات محليّة ملائمة داخل منطقتي «الغابات المخروطيّة المطريّة» و«مخروط الزهرة»، للحفاظ على نباتات الغابات المطيرة. كما يوضّح نمو العديد من الأصناف النباتيّة على الرغم من طبيعة الأرض القاسية والظروف المناخيّة الصعبة نوعاً ما، إمكانية ازدهار هذه التوليفة من المناظر الطبيعيّة الخصبة في بيئات مختلفة حول العالم في حال استخدام الموارد المتجدّدة.

وتوجد أربعة مَرابٍ مقابل جدار يضم أكثر من 50 نوعاً أصيلاً من الأوركيد في مخروط الزهرة، حيث تبرز ألوانها الزاهية من خلال التمازج الإبداعي للضوء والألوان.

مناظر طبيعيّة

إن الاهتمام بأنواع النباتات داخل الجناح ليس بالأمر السهل، خصوصاً تلك الموجودة على الجدران الخضراء المقوّسة للأجسام المخروطيّة والأقماع داخل الجناح، ولمواجهة هذا التحدي، ستعاين ثلاثة نماذج من روبوتات التسلّق الجدران الخضراء حول مخروط الزهرة لفحص صحّة النباتات، بالإضافة لجمع البيانات البيئيّة لمراقبة أداء أنظمة الجناح.

يُذكر أ، هذه «الروبوتات» المقبّبة هي نتيجة تعاون مع شركة «أوقيانوسيا للروبوتات»، الناشئة، ومقرها سنغافورة، وهي من بين أولى «الروبوتات» في العالم، التي تم نشرها لغرض صيانة المناظر الطبيعيّة على الجدران الخضراء الرأسيّة المقوّسة.

كما تقدّم هذه النماذج الأوليّة «للروبوتات» حلاً مثاليّاً خصوصاً بالنسبة لسنغافورة، حيث تعد المساحات الخضراء العموديّة والشاهقة العلو مشهداً شائعاً بشكل متزايد في البيئة المبنيّة في سنغافورة، نتيجة لسياسات التخضير الحضري في البلاد، التي تشجّع أصحاب المباني على إدماج المزيد من المساحات الخضراء في المباني. كما يوفّر هذا النوع من الروبوتات نقطة انطلاق لتقنيات مماثلة يتم تطويرها في المستقبل، حيث تصبح مبادرات التخضير هذه أكثر شيوعاً في جميع أنحاء العالم.

كما أن كل الروبوتات مزوّدة بكاميرات وأجهزة استشعار عن بعد، ويتم تدريبها من خلال التعلم الآلي لتقييم الحالة الصحيّة الفرديّة للنباتات. وأثناء تحركها على طول الجدران الخضراء، يمكن للروبوتات التعرّف على النباتات التي تعاني من حالة صحيّة سيّئة والتي يجب استبدالها، بالإضافة إلى جمع البيانات حول معايير الري وتطوير إعدادات الإضاءة، لمساعدة النباتات على النمو بشكل أفضل.

ويمتد هذا التطبيق الإبداعي للتكنولوجيا ليشمل أيضاً الابتكارات الحاليّة، التي يستخدمها مجلس المنتزهات الوطنيّة (NParks) في سنغافورة، مثل استخدام الطائرات الآلية الصغيرة لفحص الأشجار والكاميرات فوق البنفسجيّة.

لعبة تفاعليّة

والزوّار مدعوون للمشاركة في لعبة الهاتف المحمول التفاعليّة، التي تعمل على تحليل البيانات التي تم جمعها من الجناح.

وتعد لوحة الزراعة المُعدّة بشكل خاص والتطبيقات التكنولوجيّة المبتكرة المستخدمة في إدارة المياه والطاقة، استراتيجيات تصميم تمكّن جناح سنغافورة من تحقيق هدف الوصول إلى استخدام طاقة خضراء خالية من الانبعاثات الضّارة بنسبة مئة في المئة، كما أنّ الزوّار مدعوون للمشاركة في عمل فنّي إنشائي في الغاليريا، والذي يتيح لهم تصوّر أداء النظام البيئي المتكامل للجناح وكيفيّة تأثيره على البيئة.

وإن هذا العمل الفنّي التوليدي هو نتيجة لعبة تفاعليّة على الأجهزة المحمولة، حيث تستخدم بيانات الجناح التي تم جمعها من خلال روبوتات التسلق وأجهزة الاستشعار. ويقوم اللاعبون «بجمع ضوء الشمس» بواسطة الألواح الشمسيّة لتشغيل عمليّة تحلية المياه، التي ستنتج مياهاً صالحة للشرب من أجل «ري» الشتلات الافتراضية.

والتي تنمو بعد ذلك، لتصبح أشجاراً تعمل على إزالة الملوثات من الهواء. كما أن لوحة اللعب فريدة لكل لاعب، حيث يتم تحديدها من خلال بيانات الوقت الفعلي للجناح. ومن خلال هذه اللعبة، يمكن للزوّار معرفة المزيد عن استراتيجيات الجناح المستدامة. ويُعد هذا التفاعل المرح بمثابة تذكير للزوّار بكيفيّة مساهمة أفعالهم الفرديّة على التأثير الجماعي، أو ما تتسبّب به المجتمعات التي لا تراعي شروط الاستدامة البيئيّة.

وسيسهم المشاركون في لعبة الهاتف المحمول في تكوين فني من النباتات والحيوانات المتحركة، المصنوعة من الأشكال التوضيحيّة المرسومة باليد.