ليلتان في العشر الأواخر من رمضان.. طوبى للفائز بهما

من حكمة الله أن جعل في الأزمنة مواسم لمضاعفة الأجور، ومنها شهر رمضان الذي تفتح فيه أبواب الجنة وتوصد فيه أبواب النار، وتصفد فيه مردة الشياطين، ومع ذلك يتفاوت رمضان في الفضل، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في العشر الأوائل فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف صلى الله عليه وسلم في العشر الأواسط، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف صلى الله عليه العشر الأواخر ولم يزل يعتكف فيها حتى لقي الله.

والعشر الأواخر من رمضان هي أفضل رمضان، ولياليها أفضل من أيامها لوجود ليلة القدر فيها، وتقابلها في العام العشر الأوائل من ذي الحجة، وأيامها تفضل لياليها لأن فيها يوم عرفة.

وهذه العشر بالخصوص لها مزية كبيرة وهي وجود ليلة القدر فيها وليلة العتق، أما ليلة العتق فهي الليلة الأخيرة من رمضان، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله تعالى يعتق الصائمين والصائمات في آخر ليلة من ليالي رمضان من النار، فقيل أليلة القدر هي؟ قال: لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره عند نهاية عمله.

أما بالنسبة إلى ليلة القدر فقد اختلف في سبب تسميتها بليلة القدر، فقيل سميت كذلك لعلو قدرها وتعظيمها، وقيل لتقدير الأمور فيها لقوله تعالى: "فيها يفرق كل أمر حكيم"، وهي ليلة خاصة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وفيها نزل القرآن الكريم عليه صلى الله عليه وسلم، وهي ليلة فضلها الله على ألف شهر، وليس في ذلك معنى الحصر للأفضلية، ومن وفق لقيامها فكأنما قام نحو 83 عاماً وثلاثة أشهر.

وليلة القدر تتنقل في أوتار العشر الأخيرة من رمضان، فتارة في ليلة الحادي والعشرين وأخرى في ليلة ثلاث وعشرين، وتارة ليلة خمس وعشرين، وربما كانت في سبع وعشرين أو تسع وعشرين، وذلك الإخفاء دافع للاجتهاد في ليالي العشر الأخيرة جميعها، طمعاً في إحراز الأجور الكبيرة، حيث يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، في الحديث الذي رواه أبو هريرة وأورده  الشيخان.

ويشرع في هذه الليلة الاجتهاد في كل الأعمال والطاعات، من إقامة للصلاة وقراءة للقرآن، وذكر وتسبيح واستغفار، وغير ذلك من صالح العمل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في هذه الليالي المباركة ما لا يجتهد في غيرها، فقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَجْتَهِدُ في العَشْرِ الأوَاخِرِ، ما لا يَجْتَهِدُ في غيرِهِ".

كما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأَحْيَا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أهْلَهُ". و"شد مئزره" كناية عن الاستعداد والاجتهاد في العبادة.

فعلى المسلم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، في الاجتهاد والطاعة في الأزمنة المباركة التي قام الدليل على فضلها، والتعرض لنفحات الله فيها، عل نفحة منه سبحانه تغشاه برحمة ومغفرة تزيل عنه كروب الدنيا وتنسيه همومها، وينال بها الرضا والرضوان والخلد في الجنان.

كلمات دالة:
  • العشر الأواخر من رمضان،
  • شهر رمضان ،
  • ليلة القدر
طباعة Email
تعليقات

تعليقات