من داخل شارع ضيق مقابل متحف رأس الخيمة مباشره وبجانبه مدرسة القاسمية للتعليم الأساسي ح1 قررت أن أبحث عن حكايتي ضمن سلسلة زيارة مكان. وما أن وطأت قدمي الأرض حتى وجدت أمامي مفوضية مرشدات رأس الخيمة، ومعالم المنطقة قد اندثرت رغم بقايا بعض منازلها.

ومشيت بين السكيك والأحياء القديمة والعبرة ترافقني وإن كانت السعادة تتجسد في كل ركن وزاوية اناظرها وكأني اسمع ضحكات الأطفال ونداء الأمهات و"سوالف" أحاديث الرجال و" الشواب "، وأبحث لها عن من يروي حكايتها. وبين أحد الممرات وجدت ضالتي عندما التقيت بـ " محمد البادي " واقفا بجانب سيارته أمام منزل عائلته القديم، حدثني خلالها كونه من أحد سكان هذه المنطقة عن أشياء مضت لكنها بقيت راسخة في صفحة الخاطر رسوخ الصخرة في الأرض الصلبة يثبتها حفظ الصغر منذ كان في سن السابعة مع نهاية مطلع السبيعنات، يذكرني بمغامراته وأحاديث الوالد والوالدة، وجيرانه كان يرددها في المناسبات الخاصة أو في غير مناسبة شوقاً للماضي الجميل.



في وقت أواصل فيه الكتابة عن الفريج ذائع الصيت، متحرقة للتعرف على كل زاوية من زواياه، بدأنا بهذه الكلمات جولتنا: " ما من مواطن كبيرا كان أو صغيرا الا وسمع فريج ( سدروه ) العريق الذي جسد لتاريخ رأس الخيمة قبل عقود من الزمن، حيث إن رأس الخيمة في نشأتها ابتدأت من هذه المنطقة، وبدأ التوسع العمراني إلى ناحيتي الشرق والغرب بعد أن ازدادت الهجرات وزاد عدد السكان. كان ذلك في منتصف القرن التاسع عشر تقريبا.

ويعد " فريج سدروه " – على حد وصف الراوي - رئة الإمارة لقربه من البحر ومن السوق ومن جميع أنماط الحراك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي، وخرج من دواعيسه الكثير من أعلام الإمارة المرموقين الذين لعبوا دورا كبيرا في نشأتها قديما. وعلى رغم مرور الأيام وتواتر الزمن وفقدانه الصباحات الجميلة التي كانت تجمع بين جنباته كل فئات المجتمع من أسرة حاكمة وتجار ومثقفين وزوار وسياح والعوام من أهل رأس الخيمة، ولا تزال الشواهد على التلاحم التليد بين أطياف المجتمع.

وكنا كلما توغلنا أكثر في محيطها باتجاه منازل لعدد من النخب والشخصيات المعروفة آنذاك من أهمها حصن الشيخ صقر بن محمد القاسمي – رحمه الله- حاكم رأس الخيمة سابقا- ( متحف رأس الخيمة )، وبيوت ومسقف الأسرة الحاكمة أمثال الشيخ سالم بن محمد القاسمي والشيخ حمد بن محمد القاسمي والشيخ عبدالله بن إبراهيم القاسمي والشيخ مايد بن ناصر القاسمي والشيخ محمد بن ناصر القاسمي، و منزل المطوعة " موزانة " التي كانت تحفظ البنين والبنات القرآن الكريم وعلوم الدين، ومنزل أقدم مؤذن في الفريج ( خلف الحف)، ومنزلا الإمامين والخطيبين " سلطان بن نبهان " والسيد الفاضل " أحمد بن فضل" ومنزل المرحوم سالم بن يعقوب أحد أبرز البحارة في علوم ودروب البحر، وفي استخدام البوصلة لتحديد الاتجاهات.

وكذلك المطوعان اللذان أصبحا أول معلمين مواطنين نظاميين في مدرسة القاسمية وهما ( سلطان السويدي وعيسى النعيمي ) ومنزل الشاعر جمعة الفيروز ومنزل القابلة الراهبة ( أم دانيال ) التي كانت تقدم حلويات " اصبيعات " للنساء الوالدات ولطلابها في المناسبات والأعياد، وغيرها من الأسر الكريمة والكبيرة التي كان لها شأن في شهرة الإمارة في الداخل والخارج. حيث استوقفتني عبارة زينت مدخل منزل سيدة تدعى ناعمة بنت أحمد " يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا نحن الضيوف وأنت رب المنزلي ".

وعندما تعمقنا أكثر شعرت بأن روح الأمس لا تزال تتجسد حية لليوم من بقايا بعض من لا يزال يسكنه. حيث يأخذك الشوق إلى الماضي العريق في بقعة لها كينونتها الخاصة عبر مسجده ( عمر بن الخطاب ) ويعد أول المساجد المقامة بالمنطقة قريب من الحصن القديم، الذي يعبق بنداء الحق، وبتراث عريق وقيم أصيلة متجسدة في " المصلى " و " المضيف " (  موقع الحديقة حاليا ) الذي يستقبل فيه الضيوف وتقام فيه مختلف المناسبات، وإلى أقدم تلك المعالم " المستشفى الكويتي و " بقالة " توارثت عائلة هندية إدارتها ولا تزال وكذلك في إنشاء أول ناد ثقافي برأس الخيمة عام 1958 في منزل إبراهيم جابر ورصف أول شارع قار بين الفرجان على مستوى رأس الخيمة أوائل السبيعنات، إضافة إلى وجود أبرز محطات نقل البترول " شل " و " بيبي " لتعود من جديد إلى روح العصر، تستحوذ على أحاسيسك معاني الأصالة والمعاصرة في آن واحد.

وأثناء تجوالنا في معالم وشواهد كل من عاش فيه يؤكد " البادي " بأنه " الفريج " المكون من بيوت طينية متراصة تحدها سكك ضيقة وممرات وكانت معظم البيوت سقوفها من " المدر " الخير مثال للبيئة المحلية الأصيلة بما احتوته من مظاهر اجتماعية ومعيشية كانت سائدة في وقت من الأوقات، هذا إضافة لكونه حافظا لعادات وتقاليد وتراث أهل المنطقة، وراوياً لتاريخ رأس الخيمة القديم. حيث في فريج " سدروه " تداخلت عوائل رأس الخيمة بالمحبة والتربية وتعايشوا في كنف الجيرة والعشرة، فأصبحوا بيتا واحدا وعائلة واحدة وأخوة ” بالرضاع”.



وأضاف بأن: " هذا الفريج الذي اشتق شهرته من شجرة سدرة قديمة كانت تتوسط الحي ويستظل بظلها العابرون، وإن أكد معاصروه كثرة أشجار السدر التي زينت الفريج بظلالها، حيث لم يكن هناك بيت إلا وتحتضنه سدرة، فهو ليس مجرد فريج قديم مثل أحياء رأس الخيمة التي تحيط به، بل هو مزيج مختلف من التاريخ الذي يمثل الذاكرة لمراحل وأحداث مرت وتركت بصمته هناك. هذا الفريج القديم الذي كان يعج بالحركة والنشاط، وتنبعث من أرجائه رائحة التاريخ، وعبق التراث، ونكهة الحياة بعفويتها وبساطتها. حمل كل أبنائه وبناته ذكريات جميلة عن الحياة في ذلك الوقت، فقد كان الفريج بيتا واحدا لكل أهالي الفريج، ولم يكن هناك بيت إلا وبابه مفتوح لاستقبالهم وأسرهم، حيث لا فوارق بين فقير أو غني، كلهم كانوا يعيشون سويا كأنهم في بيت واحد وأسرة واحدة.

وكم كان هذا " الفريج " في الماضي القريب محلا سكنيا لعدد من أبناء الخليج  أهمها  الأسر السعودية الذين كانوا يؤدون الدروس المدرسية في المعهد الإسلامي والمدرسة القاسمية وصديق، وكم مثل من تواصل بين مختلف الفئات لتبقى مدرستا القاسمية وصديق أكبر شاهد يتحدى الزمن، ويقف في وجه رياح التغيير، رافضاً إلا أن يكونا رمزين تعليميين صادحين منذ إنشائهما في عام ( 1955). ويقدم على مر التاريخ، شهاداته على النخب المعطاءة التي مثلتها الأسرة الحاكمة التي كان ومازال، لها شرف دعم شتى مجالات الحياة وتطويرها.



ويستذكر محمد البادي الأكلات التقليدية المعروفة تتنقل من بيت إلى آخر ومن أسرة إلى أخرى خصوصا في شهر رمضان المبارك، كما أنه إذا مرض أحد أهل الفريج فإن الجميع يتطوع للعمل على علاجه ورعايته وتدبير ما يحتاج إليه، وهو الحال أيضا بالنسبة للعوائل المتعففة التي كان أهالي الفريج يقومون بدعمها من دون علم أحد، مضيفا أنها ذكريات الزمن الجميل التي توارثها أبناء وبنات فريج الفاضل وحملوا مسؤوليتها حتى أن أكثرهم ما زال على تواصل على الرغم من توليهم مناصب حكومية مهمة قد تشغلهم عن زيارة فريجهم القديم، لافتا إلى أن كلماته وذكرياته لن توفي شخصيات هذا الفريج  جزءا من حقه الغني والغزير بالقصص والمواقف.

ومع تلك الذكريات الحنونة المليئة بالمغامرات والاستفسارات لتحقيق استفهام الذات الصغيرة عن ما وراء المجهول، التي غمرتني كضيفة مقيمة، حينها تجد ما أصبح عليه الفريج كالرجل المسن الهرِم التي تغيرت ملامحه وكأنه يبحث عن روحٍ تُحييهْ كما كان، ولا أقسى من مرورك على أماكن أصحابها ماتوا، وأصحابها كبروا وانتقلوا لبيوت ومناطق وفرجان جديدة. ولم يعد الفريج العتيد يجمعهم بل أصبحت الإجازات والفرص هي نبض اللقاء، و لم يعد يجمعهم على مدار اليوم إلا تلك الحسنة في التقنية الافتراضية “ الواتسآب” في قروب قد يكون أطلق عليه " فريج سدروه ".

والجدير ذكره، يمتد " فريج سدروه من موقع مديرية شرطة رأس الخيمة القديمة مركز شرطة رأس الخيمة حاليا حتى نهاية شارع السوق الكويتي يحدها غربا فريج " المحارة " و " الميان " امتداداً وتوسعاً لفريج آل علي الحي الأقدم منه، ومن ناحية الشرق يحدها فريج " دهان " ويحدها جنوبا البحر.