نعتقد أن الأسواق ستعيش مع بداية عام 2011 على أمل أن يساعدنا زخم النمو الاقتصادي العالمي في الربع الرابع من العام الماضي في التغلب على جميع المشكلات خلال العام الجديد. وكنا لنأمل أن تحل مشاكل العالم مع نهاية عام 2010، غير أن العديد من القضايا بقيت عالقة مع انتقالنا إلى عام 2011، عدا عن انضمام المزيد من المشكلات إلى قائمة القضايا الهيكلية والدورية التي تواجه الأسواق المالية. ومع مضي العام الجديد قدماً، نرى أن الأسواق ستستمر في مواجهة القضايا الهيكلية في العالم من ارتفاع الديون الاستهلاكية في الغرب، وتضخم أسعار السلع، إلى حالة الفوضى السياسية في أوروبا، واستمرار ضعف القطاع المالي في أوروبا والولايات المتحدة. وقد تشهد نهاية عام 2011 بقاء العديد من القضايا العالقة، غير أن ذلك لن يعيق المستثمرين عن جني بعض المكاسب المتواضعة في مجال الأسهم والسلع على وجه الخصوص.

كانت البيانات الاقتصادية الأمريكية القوية في الربع الأخير من عام 2010 مؤشراً لبداية متفائلة  للأسواق المالية مطلع عام 2011. وأظهر العديد من المؤشرات الاقتصادية الأمريكية الخاصة بالصناعات التحويلية حيوية لم يشهدها هذا القطاع منذ عدة سنوات. وجاء تحسن النمو الاقتصادي في أجزاء كثيرة من العالم خلال الربع الرابع من العام الماضي ليعزز المشهد الاقتصادي على المدى القريب. وحتى في أوروبا، لاقى ضعف اليورو مع نهاية السنة الماضية دعماً في الوقت المناسب حيث سجلت دول وسط أوروبا المتمثلة بألمانيا وفرنسا ارتفاعاً في مؤشرات الثقة الصناعية ونمواً قوياً في أرباح الشركات.

ويتطلب النجاح القوي في الأسواق المالية خلال عام 2011 ارتفاع ثقة المستثمرين في استدامة الانتعاش الاقتصادي العالمي. ولا يزال تحقيق نمو كبير في الولايات المتحدة خلال النصف الثاني من عام 2011 موضع شك كبير لدى المحللين؛ فالمشكلات الهيكلية في دول الغرب القديم لم تجد بعد الحلول المناسبة. ولا تزال سوق الإسكان الأمريكية غارقة في المشكلات مع الافتقار العام للثقة بالاستثمار في مجال الاسكان، ونقص الأموال المتاحة في سوق الرهن، وارتفاع معدلات الرهن العقاري. ويعد نقص فرص العمل ومستويات البطالة المرتفعة في الولايات المتحدة جزءاً من مشكلة سوق الإسكان؛ إذ يؤدي تراجع معدلات التوظيف إلى تضاؤل عدد الناس المستعدين لشراء منازل جديدة أو تحسين منازلهم القائمة. وما لم يتحسن الطلب على الملكيات العقارية، ستبقى أسعار المنازل منخفضة وقريبة من مستوياتها المتدنية الحالية. وشهدت نهاية العام الماضي أخباراً طيبة في سوق العمل مع انخفاض مطالبات البطالة الأولية إلى أدنى مستوياتها منذ يوليو 2008.

ولا يزال مصير الاتحاد الأوروبي كمنطقة اقتصادية متماسكة إحدى القضايا العالقة المهمة لعام 2011. وقد كسبت منطقة اليورو الوقت بسلسلة من الإجراءات قصيرة المدى لتعزيز البلدان المفردة كاليونان وايرلندا. ومع ذلك ستواجه منطقة اليورو تحديا كبيرا في النصف الأول من العام الحالي عندما ستقدم ما يزيد على 500 مليار يورو لإعادة تمويل الدين الحكومي. وإذا كان الاتحاد الأوروبي يمثل منطقة اقتصادية متكاملة حقاً، فمن شأن نقل الأموال عبر الحدود أن يوفر مساعدة كبيرة للبلدان التي عانت انهياراً اقتصادياً. ويترتب على هذه البلدان في الحالة الراهنة أن تدافع عن نفسها معتمدة فقط على دعم الضمانات الميسرة ذات المهلة الزمنية المحدودة. ونشأت هوة سياسية كبيرة بين ألمانيا وعدد من البلدان الأخرى حين أحجمت ألمانيا عن الالتزام التام بتلك البلدان في محنتها. وقد تأبى أسبانيا أن تكون مجدداً موضع تجارب الاتحاد الأوروبي في منطقة اليورو. ويقدر بنك "بي إن بي" أن يصل عجز التمويل في إسبانيا على مدى العامين القادمين إلى 340 مليار يورو. وربما يستطيع صندوق النقد الدولي ومنطقة اليورو أثناء الأزمة تقديم تمويل جيد على مدى العامين المقبلين، ولكن لقاء اضطراب سياسي كبير في أوروبا، وقيمة أعلى لأسعار الفائدة طويلة الأجل في المنطقة.
  
ولا بد للاقتصاد العالمي القوي أن يترافق بقطاع مالي قوي. ولكن دخولنا عام 2011 ترافق مع استمرار الشكوك حيال قوة القطاعات المالية في الولايات المتحدة وأوروبا. وإذا ما ألقى المرء نظرة فاحصة على عام 2010، فسيجد أن العديد من البنوك الأمريكية الرئيسية سجلت أداءً ضعيفاً متأثرةً باستمرار العديد من القضايا العالقة مثل سجلات الرهن العقاري، ومتطلبات رأس المال وفقاً لمبادرة "بازل 3"، والموقف العام المناهض للبنوك من قبل المشرعين. كما تحتاج البنوك الأوروبية لإعادة تمويل نحو 400 مليار يورو من الديون في النصف الأول من عام 2011. وحذر كل من "البنك المركزي الأوروبي" و"بنك انجلترا" من أن البنوك ستخوض منافسات حادة للحصول على الأموال أوائل عام 2011.

ونتوقع لأسعار السلع الأساسية أن تواصل ارتفاعها عام 2011. ففي سوق النفط، واصل الطلب العالمي تسارعه خلال عام 2010 في ظل تحسن أداء الأسواق الناشئة القوية على نحو متزايد بفعل الطلب القوي للأسواق المتقدمة الناجم عن تزايد قوة الاقتصاد الأميركي. وارتفع الطلب الكلي إلى نحو مليون برميل يومياً، في حين ارتفع العرض الكلي بمقدار متواضع بلغ 250 ألف برميل يومياً مقارنة مع العام الماضي. ولعب الطقس دوراً سلبياً في قطاع الزراعة لعام 2010 متسبباً بارتفاع الأسعار بفعل انخفاض المخزونات. وقاد الذعر من ارتفاع الأسعار عام 2010 العديد من الشركات والدول لزيادة مخزونها الاستراتيجي من المنتجات الزراعية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تقلبات أكبر من تلك التي ظهرت عام 2010. أما في مجال المعادن الصناعية، فلا يزال يتم تأمين الإمدادات الكافية للأسواق في ظل ارتفاع الطلب العالمي. ومن المتوقع أن يشهد عام 2011 نمواً في العرض للألمنيوم والنيكل والزنك والرصاص قد يفوق نمو الطلب.

ويمكن أن يشكل ارتفاع أسعار السلع الأساسية تحدياً كبيراً للمصارف المركزية في عام 2011. ففي أجزاء كثيرة من العالم، تتجاوز معدلات التضخم الحالي أهداف هذه المصارف متسببةً بمعضلة حقيقية لصانعي السياسات؛ ففي حال لم تفعل المصارف المركزية شيئاً، سيتم اتهامها بالضعف في مواجهة مخاطر التضخم المتزايدة باستمرار؛ وفي حال رفعت أسعار الفائدة، فقد تخاطر بفرض تشديد مبكر وقتل فرص النمو الناشئة.

ومع دخولنا عام 2011، لا يزال موقفنا إيجابياً حيال الأسهم والسلع. ونلتزم في أسواق الأسهم موقفاً حيادياً بين الأسواق الناشئة والأسواق المتقدمة؛ فقد يكون للأسواق المتقدمة اليد العليا في البداية مع النمو القوي لأرباح الشركات في الربع الأخير من العام الماضي، ولا تزال التقييمات المنخفضة تشكل مصدر دعم مهم في هذا المجال. أما الأسواق الناشئة فلديها آفاق قوية للنمو على المدى الطويل، إلا أنها تواجه مخاطر التضخم التي من شأنها أن تتطلب مواصلة تقييد السياسة النقدية لعام 2011. وكما ذكرنا سابقاً، حققت أسواق السلع عائدات جيدة على المدى القريب لاسيما في القطاعات الثانوية للطاقة والمنتجات الزراعية.

وستشهد أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ارتفاعاً كبيراً في حال تحسن أداء الأسواق المالية العالمية على نحو أكثر استدامة؛ غير أن التقييمات لا تزال منخفضة، وقد تم تجاهل هذه الأسواق عموماً من قبل المستثمرين الدوليين. وسيتأتى التحدي الرئيسي من إعادة التمويل الجارية للشركات. وطالما أن السيولة العالمية لا تزال متاحة، فلا بد أن تكون التوقعات إيجابية. وإذا واجهت أسواق السندات العالمية مشكلة أكثر أهمية مع تصاعد العائدات، عندها يمكن أن تصبح هذه العائدات أكثر تواضعاً.

وتمثل سندات الأسواق المتقدمة الأصول الأكثر عرضة للتحديات حالياً. وقد شهدت هذه السندات ارتفاعاً في العائدات بفعل معدلات النمو والتضخم القوية إلى جانب الموجة الحالية من إعادة التمويل. ورغم أن ارتفاع عائدات السندات يشكل انعكاساً إيجابياً لاقتصاد عالمي أكثر قوة، غير أن المصارف المركزية ستأخذ بحسبانها أن ارتفاع هذه العائدات بشكل كبير قد يثير شكوكاً قوية إزاء آفاق النمو العالمي. وستعمل المصارف المركزية على الأرجح على استخدام التسهيلات الكمية لكبح عمليات البيع الكبيرة للسندات.