كشف الدكتور جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، في صندوق النقد الدولي، أن الدول المصدرة للنفط تمتعت بمستويات نمو مرتفعة خلال عام 2022 بلغت نسبتها 7.5 %، مقارنة بنظرائها في الدول الأخرى، حتى أن هذا كان أكبر من متوسط النمو خلال العقدين الماضيين، وذلك بفضل الإجراءات المتعددة التي تم إدخالها والإصلاحات التي تم تطبيقها في العديد من هذه الدول وبسبب قوة سوق النفط.

وقال جهاد أزعور في تصريحات خاصة لـ «البيان»: إننا نشهد تطوراً وتنوعاً كبيراً في اقتصادات الدول المصدرة للنفط، فميزان المدفوعات قد تحسن لديها بسبب ارتفاع أسعار النفط وزيادة الإنتاج والتعافي السريع في بعض الأنشطة مثل القطاع السياحي.

وأضاف: إن اقتصادات منطقة الشرق الأوسط بشكل عام تشهد حالة من عدم اليقين، حيث لم نتوقع على سبيل المثال أزمة أوكرانيا التي أثرت على اقتصادات المنطقة، لكنه توقع رغم ذلك أن يكون هذا العام مليئاً بالتحولات الإيجابية المحفوفة بالتحديات في الوقت ذاته.

وأردف: إن الأنشطة الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلت بمرونة كبيرة خلال الأشهر الأخيرة من عام 2022 أكثر مما هو متوقع وكان بالفعل عام التعافي، حيث تمكنا خلاله من أن نسرع هذا التعافي الذي انطلق في 2021 وتحقيق معدل نمو قوي بلغ 5.4 % مقارنة بالدول الأخرى من ضمنها الأسواق الناشئة، وهو نفس معدل التعافي الذي سجلناه خلال عام 2019.

سياسات 

وأوضح أن التعافي الذي تحقق خلال عام 2022 كان بفضل السياسات التي تم إدخالها للتصدي لجائحة «كوفيد 19» وقدرات بعض الاقتصادات على إعادة تحريك أنشطتها. وتابع: بالنسبة لعام 2023 نتوقع للنمو الاقتصادي في هذه المنطقة أن يتباطأ وسيكون عند حدود 3.2 %.

ولفت إلى أن الأسواق الناشئة في منطقة الشرق الأوسط حققت مستوى نمو جيداً عند 5.2 %، لكنه أوضح أن التحدي كان في الدول الضعيفة حيث سجلت مستوى نمو 0.8 % خلال 2022 وذلك بسبب انخفاض أداء الاقتصاد والتباطؤ وارتفاع أسعار الغذاء وتداعيات جائحة «كوفيد 19»، مع توقعات بأن يستمر تباطؤ معدلات النمو.

وأكد أن أولويات السياسة النقدية لدول الشرق الأوسط هذا العام هي أن تعتمد نهجاً متعدد الجوانب وأن تركز على الإصلاحات الآنية قصيرة الأمد، وأن تقوم بإصلاح نماذج سياسات البنوك المركزية، وأن تحافظ على ثقة الأسواق في البنوك المركزية لكي تكون متوافقة مع الاتجاهات العالمية، بحيث يمكن تغيير السياسات النقدية لتخفيف وطأة ضغط التضخم. كما يجب أن تركز على السياسات المالية على المستوى المتوسط وتقييم المخاطر المالية.

تضخم

وأكد جهاد أزعور أن التضخم يعد مشكلة عالمية ولا يخص منطقة الشرق الأوسط وحدها، حيث سجلت معدلاته ارتفاعاً للسنة الرابعة على التوالي، متوقعاً لهذه المعدلات أن تبدأ في الانخفاض خلال عام 2023، وهذا بدوره سوف يعتمد على تنفيذ السياسات النقدية، إضافة إلى تخفيف الضغوطات على بعض السلع الأساسية.

وأوضح أن التضخم هنا يعتمد على طبيعة اقتصادات هذه المنطقة، حيث تأثر بارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والتي أثرت بدورها على معدلات الاستقرار الاقتصادي والوضع الاجتماعي. ولكن من الجانب الآخر نجد أن كل الدول المستوردة واجهت مشكلة ارتفاع أسعار السلع، لذا كان عليها أن تتعامل مع ارتفاع العجز في الموازنة.

وتطرق جهاد أزعور إلى نقطة أخرى وهي التطور الحاصل في الأسواق المالية، وعلى وجه الخصوص في الأسواق الناشئة والدول ذات الدخل المتوسط، وقال: نجد أن ظروف التمويل بهذه الدول قد بقيت ضعيفة واتسعت الهوامش لديها.

وبين أن دول المنطقة لجأت بسبب كل هذه الصدمات إلى تبني عدد من السياسات، منها تجديد السياسات النقدية، حيث قامت بعض هذه الدول بتعديل معدلات أسعار الفائدة وقامت برفعها، وإن كانت قد تأخرت في هذه الخطوة، مما أبقى بعض هذه الأسعار في النطاق السالب.

وأضاف: لاستكمال السياسة النقدية وتقليص الضغوطات التضخمية على الدول ذات الدخل المتدني، نجد أن الحكومات فيها لجأت إلى مجموعة من الإجراءات ومنها تقديم الدعم المالي الحكومي والذي كان الأداة الأكثر استخداماً للاستجابة للتحديات العالمية. كما تم تبني عدد آخر من الإجراءات في السياسات المالية بهدف التخفيف من وطأة ارتفاع الأسعار.

عام التحول

وقال: إن دول المنطقة ترفع شعار التحول هذا العام، حيث تسعى إلى التحول من تسجيل معدلات تضخم مرتفعة إلى معدلات أقل في ظل استمرار ارتفاع أسعار السلع. كما أن التحول سوف يمتد إلى اعتماد استراتيجيات جديدة للتصدي لظاهرة التغير المناخي، وهذا بدوره سوف يقود السياسات الاقتصادية خلال هذا العام.

وتطرق إلى الأدوات الأخرى التي ستلجأ إليها دول المنطقة والتي ستشكل الاقتصاد خلال العام الجاري، ومنها سرعة تبني سياسات نوعية لكبح جماح التضخم، لكنه توقع أن يؤثر هذا الأمر على معدلات النمو، معرباً عن أمله أن يكون هذا الأثر أقل مما كنا نخشاه العام الماضي. ونبه إلى التطور الحاصل في أسعار السلع والأمن الغذائي والتي ستكون واضحة بشكل أكبر على الدول ذات الدخل المتدني.

كما نبه جهاد أزعور إلى موضوع الديون في الأسواق الناشئة، وقال: الدين موضوع مهم جداً لاقتصادات الدول الناشئة بسبب تأثير تغير السياسات النقدية في الاقتصادات المتقدمة وتأثيراتها على التدفقات الرأسمالية، وفي هذا الصدد شهدنا ارتفاعاً في مستويات الدين واتجاهاته.

وتوقع أن يستمر هذا الارتفاع في هذه المنطقة بحيث يمكن أن يصل إلى مستويات غير مستقرة، كما توقع أن تكون نسبة إطفاء الدين في عام 2023 أعلى مقارنة بنسبة إصدار الدين.

واختتم جهاد أزعور تصريحاته قائلاً: إن الارتفاع في أسعار السلع والنفط،إضافة إلى تداعيات «كوفيد 19» سوف يترك آثاراً على المجتمعات، وبالتالي سوف يكون صانعو السياسات في وضع صعب لاتخاذ قراراتهم.

الدعم المالي

تطرق جهاد أزعور إلى مسألة الدعم الحكومي في منطقة الشرق الأوسط، وقال: إن 40 % من شعوب هذه المنطقة يحصلون على الدعم المالي الحكومي في مجال الطاقة، في الوقت الذي نرى فيه الإنفاق على الحماية الاجتماعية متدنياً للغاية حيث يبلغ أقل من 2 % من إجمالي الناتج المحلي وهو أقل من المتوسط مقارنة بالدول الأخرى.