في سياق التحول الرقمي الشامل

دبي الرقمية تطلق دليلاً إرشادياً حول البيانات الاصطناعية

ت + ت - الحجم الطبيعي

أطلقت دبي الرقمية، إطار عمل تطبيقي حول استخدام البيانات الاصطناعية، بهدف مساعدة المؤسسات على اعتماد تقنية الذكاء الاصطناعي لتطوير الحلول والخدمات المختلفة، من خلال استخدام تلك البيانات في عمليات التحليل وتعليم الآلة، بدلاً من البيانات الحقيقية التي قد تنطوي على انتهاك للخصوصية.

قبل الدخول في تفاصيل الخبر، يبرز السؤال عن ماهية البيانات الاصطناعية، وما أهميتها، ولماذا تجد الاهتمام الكبير من هيئة دبي الرقمية في هذا الوقت بالذات، بينما تشق دبي طريقها بقوة نحو عصر الثورة الصناعية الرابعة؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، ها هي القصة:

البيانات الاصطناعية: القصة باختصار

في عصر البيانات الضخمة، أصبحت البيانات الرقمية أساساً لا غنى عنه لاتخاذ القرارات الصحيحة، وتطوير الخدمات والحلول الحكومية والمجتمعية بعامة. ومع تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، وما انبثق عنها من التعلّم العميق وتعلّم الآلة، وبالتوازي مع التطورات الهائلة في الجيل الخامس للاتصالات، أصبحت الوصفة جاهزة لقطف ثمار الثورة الصناعية الرابعة، بما تحمله من آفاق تتجاوز الخيال في مجالات الخدمات الحكومية، وميادين الصحة والنقل وغيرها.

لكن مشكلة مستعصية واجهت، وما زالت تواجه، العاملين في تحليل البيانات الضخمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، لتحقيق تلك الغايات الإنسانية النبيلة. فالبيانات المتداولة، عادة ما تدلّ على أصحابها، سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات، وحتى عندما يتم نزع المعرفات منها، فإن الهندسة العكسية تتكفل باستعادة تلك المعرفات، وكشف هويات الأفراد. وكما هو معروف، فإن استخدام بيانات الغير قد ينطوي على انتهاك للخصوصية.

كان هذا الوضع موضع تساؤل منذ البداية، لكن السؤال تحول إلى معضلة، عند صدور النظام الأوروبي لحماية البيانات (GDPR)، واعتماده في أبريل 2016، وهو النظام الذي أصبح ملزم التطبيق على كافة المؤسسات في الاتحاد الأوروبي. وزادت المعضلة تعقيداً، عندما تعاقبت دول أخرى، كالصين والولايات المتحدة وغيرها على تطبيق أنظمة مماثلة. ولا يختلف الوضع في دولة الإمارات، حيث لا يجوز استخدام بيانات تعود ملكيتها لأشخاص أو مؤسسات من دون موافقة أصحابها.

هذا الوضع المستجد، وضع القائمين على التحول الرقمي في العالم، كما في دولة الإمارات، أمام مفترق طرق. فما العمل؟

من هنا نشأت فكرة البيانات الاصطناعية أو التركيبية (Synthetic Data)، لعلها تكون البديل الذي يجمع بين البعد الأخلاقي للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك حماية الخصوصية، وبين الاستخدام العلمي والعملي للبيانات الضخمة، من أجل تسيير عجلة التحول الرقمي، لتبلغ الآفاق المرجوة منها. فما البيانات المصطنعة؟.

إنها عبارة عن منظومات بيانات يجري إنتاجها من خلال خوارزميات حاسوبية، لتحاكي البيانات الحقيقية، من دون أن تتضمن معرّفات أو معطيات يمكن إخضاعها للهندسة العكسية، بحيث تكشف هويات أشخاص طبيعيين أو اعتباريين. ولأنها كذلك، فإن هذا النوع من البيانات، لا يقع تحت طائلة قوانين حماية البيانات، ولا يشكل أي انتهاك للخصوصية.

دبي، ومن خلال هيئة دبي الرقمية، ومؤسسة بيانات دبي المنضوية تحتها، اختارت أن تقود واحدة من التجارب الرائدة عالمياً في تحقيق هذه القفزة، التي تمكنها من الدخول بسلاسة في عصر البيانات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

 

البحث والتطوير

أطلقت مؤسسة بيانات دبي، بالتعاون مع خبراء عالميين، دراسة بحثية علمية، لإيجاد حلول عملية تضمن الاستفادة القصوى من البيانات الضخمة في سياق تعليم الآلة والذكاء الاصطناعي، مع ضمان الالتزام بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وقوانين الحفاظ على سرية وخصوصية الأفراد.

تمخضت تلك الدراسة عن إصدار ورقة بيضاء، تمثل دليلاً عملياً، يتضمن شرحاً مفصلاً حول البيانات الاصطناعية، باعتبارها حلاً مبتكراً، يعزز الحياة الرقمية، ويسمح بالاستفادة القصوى من آفاق الذكاء الاصطناعي. تحتوي هذه الورقة البحثية، التي تحمل عنوان «إطلاق قوة البيانات من خلال البيانات الاصطناعية الخاصة»، على معلومات وإرشادات مهمة لقادة البيانات في دبي، بما يمكّنهم من فهم آفاق طبيعة البيانات الاصطناعية الخاصة، ومعرفة كيفية استخدامها، وتحويل البيانات إلى قيمة تنعكس على مسيرة التحول الرقمي في دبي.

كما تتضمن الورقة جانباً يستهدف خبراء علم البيانات، بحيث يوفر لهم رؤية تقنية تفصيلية حول الأساليب المتبعة حالياً للتعامل مع خصوصية البيانات، وإضاءة وافية على نتائج البحث، وبراهين عملية، تبيّن كفاءة وفاعلية منهج الخصوصية التفضيلية، ودورها في الموازنة بين الحفاظ على الخصوصية من ناحية، وتحقيق الأهداف المنشودة من تحليل البيانات وتعليم الآلة من ناحية ثانية.

 

الدخول الآمن في عصر البيانات

في معرض تعليقه على هذا الإنجاز، قال حمد عبيد المنصوري مدير عام هيئة دبي الرقمية: «ينبع اهتمامنا بالبيانات الرقمية، من إدراكنا لأهميتها في هذه المرحلة، التي تقوم على توظيف التقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في كافة مناحي الحياة. وتشكل جهودنا في التعامل مع البيانات الرقمية، مساراً مهماً ضمن رحلتنا لترسيخ أسس الحياة الرقمية الشاملة والمتكاملة، والمدعومة بحلول ذكية، قائمة على تحليل المعطيات الرقمية، تنفيذاً لتوجيهات القيادة الرشيدة بتعزيز مكانة دبي كمدينة تلهم العالم، في سعيها لصنع مستقبل زاهر لأبنائها، وللمقيمين على أرضها».

 

وأضاف المنصوري: «تأتي الجهود الأخيرة في هذا السياق، بهدف التغلب على واحد من أهم التحديات في مجال استخدام البيانات، والمتمثل في حفظ خصوصية الأفراد والكيانات، مع ضمان الاستفادة القصوى من البيانات الضخمة المتاحة. وقد تكللت هذه الجهود بالنجاح، حيث أصبح لدينا اليوم دليل عملي متقدم، يمكن الاسترشاد به لدى صناع القرار والخبراء في المؤسسات المختلفة. لهذا، أتوجه بالشكر والتقدير إلى فريق مؤسسة بيانات دبي، والفرق البحثية والمساندة، كما أحث الإخوة في الدوائر الحكومية، على الاطلاع على مخرجات الدراسة البحثية، والاستفادة من الإرشادات المنبثقة منها، والعمل على إثرائها، من خلال الممارسة العملية في مجال تحليل البيانات خلال الفترة المقبلة».

 

مهمة المؤسسة

من جانبه، أشاد يونس آل ناصر مساعد المدير العام لدبي الرقمية، المدير التنفيذي لمؤسسة بيانات دبي، بهذا الإنجاز، قائلاً: «يندرج هذا الجهد البحثي، في سياق مهمة المؤسسة لبناء منظومة متكاملة ومزدهرة، تدعم الابتكار في مجال البيانات، لخلق قيمة تدعم التحول نحو الحياة الرقمية الشاملة والمتكاملة والذكية. وانطلاقاً من مسؤوليتنا هذه، نحن ندرك الأهمية الاستثنائية للبيانات الناتجة من الحياة والقطاعات المختلفة في إمارة دبي، لكننا في الوقت نفسه، نعي ضرورة الحفاظ على أمان وخصوصية الأفراد والمؤسسات، سواء الحكومية أو الخاصة. لذلك، من الطبيعي أن نطلق هذا المشروع الرائد، الذي يشكل واحداً من محاور عمل عديدة، تهدف لتطوير سياسات ومعايير وإرشادات، لتسهيل نشر وتبادل البيانات، وضمان حسن استخدامها».

وأضاف آل ناصر: «هذا الإنجاز يشكل خطوة متقدمة، تبني على ما سبقها في عام 2020، حيث نشرنا أدوات تبادل البيانات التي حققت نتائج واعدة، حيث أثبتنا من خلالها أن بالإمكان إيجاد نسخ مركبة خاصة من منظومات البيانات الحساسة، بحيث تحاكي البيانات الواقعية، لكنها أكثر أماناً وانسجاماً مع قوانين الخصوصية. ومن خلال معالجة تلك البيانات الاصطناعية، تمكنا من المحافظة على السرية من دون التفريض بالمعلومات القيّمة التي تتضمنها منظومات البيانات في حالتها الأولية، وعلى نحو يسمح بالتحليل المتقدم، والحصول على أنماط مفيدة، وتصميم منتجات وحلول مبنية على البيانات».

أشاد آل ناصر بالشراكة مع «فاكلتي»، الشركة العالمية الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، والتي عملت مع دبي الرقمية، على إنجاز إطار العمل حول استخدام البيانات الاصطناعية، وقال: «هذه الشراكة تجسّد الشكل الذي يجب أن تكون عليه العلاقة بين القطاعين العام والخاص، في عصر البيانات الرقمية والثورة الصناعية الرابعة، حيث إن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، تحتاج إلى تكاتف الجهود، للوصول إلى نتائج تعود بالنفع على الجميع».

 

بيئة ساندبوكس التجريبية

وقام الفريق البحثي التابع لدبي الرقمية، بتطبيق بيئة ساندبوكس التجريبية، لاختبار فاعلية بيانات تم تصنيعها باستخدام برامج حاسوبية، تعمل وفق لوغاريتمات معينة، ومعرفة مدى صلاحية تلك البيانات الاصطناعية، لتطبيقها في آليات الذكاء الاصطناعي. واستخدم فريق البحث التابع لدبي الرقمية، ثلاث منظومات بيانات، من بينها آلاف من ملفات البيانات، ضمن منظومة بيانات حوادث المرور الموجودة على منصة دبي بالس، والمتعلقة بحوادث المرور في دبي.

وتعد دبي بالس المنصة الموحدة للبيانات في إمارة دبي، وهي تضم كمية ضخمة من البيانات المتنوعة التي يمكن تحليلها للحصول على أنماط تسهم في حل العديد من التحديات، وخلق الكثير من السياسات العامة، وتطوير الخدمات والمنتجات المبتكرة، التي تؤمّن السعادة للمجتمع، وتدعم الحيوية الاقتصادية للإمارة.

وعبر عمليات التحليل والمقارنة المستندة إلى منهجيات علمية جديدة، استطاع فريق البحث، الحصول على مقاربة تؤمّن الحفاظ على سرية وخصوصية البيانات على نحو أفضل بكثير من الطريقة التقليدية المتمثلة في نزع معرّفات الهوية في منظومات البيانات محل البحث.

وتفتح هذه التجربة آفاقاً رحبة للكشف عن جوانب كامنة وغير مسبوقة، لتوظيف منظومات البيانات الخاصة المتوفرة في الدوائر الحكومية في دبي، كما يمكن لاحقاً توسيع هذا النموذج، ليشمل مؤسسات القطاع الخاص، بما يسهم في تحقيق الحياة الرقمية، وتطبيق التقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإقامة المدينة الذكية.

وتتضمن الورقة البيضاء الصادرة عن دبي الرقمية، تفاصيل كثيرة، تبيّن أن التجربة أخذت في الاعتبار الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، مع التركيز في الوقت نفسه على الأبعاد التقنية، ما يجعلها مرجعاً مهماً ومتقدمة، ومحطة ملهمة على طريق صنع المستقبل.

 

فريق واحد: هدف واحد

يُذكر أنه تم تشكيل لجنة التحول الرقمي لإمارة دبي، برئاسة سعادة حمد عبيد المنصوري، المدير العام لدبي الرقمية في أكتوبر 2021، مع وجود سبع لجان فرعية تحت مظلتها، بما في ذلك لجنة البيانات والذكاء الاصطناعي، وتم تكليف لجنة التحول الرقمي، بضمان التنسيق بين الجهات الحكومية المكلفة بتنفيذ خطة دبي للتحول الرقمي، واقتراح تشريعات لتنظيم الأنشطة ذات الصلة، وتحديد مؤشرات الأداء الرئيسة، لمراجعة التقدم الذي أحرزته هذه الجهات على هذا الصعيد، واقتراح إجراءات حوكمة الأمن السيبراني.

ووضعت لجنة البيانات والذكاء الاصطناعي، أهدافاً محددة لتعزيز استخدام البيانات وتبادلها، وتطوير منصات مركزية ولا مركزية على مستوى الإمارة، لتحسين تبادل البيانات، وتعزيز تطبيقات الذكاء الاصطناعي واستخداماته، وينبثق من تلك اللجنة أربعة فرق، هي: فريق البنية التحتية للبيانات، وفريق إدارة البيانات وتبادلها، وفريق الذكاء الاصطناعي، وإدارة اللجنة وفريق البحث.

ولتحفيز عملية استخدام البيانات الاصطناعية، تعمل دبي الرقمية الآن، على سلسلة من الندوات التعليمية مع موظفي حكومة دبي وأبطال البيانات. وسيتم أيضاً عقد سلسلة من ورش العمل المتخصصة، والتي سيتم من خلالها توجيه موظفي الحكومة، من خلال إطار العمل التنفيذي للبيانات الاصطناعية، حتى يتمكنوا من تقييم كيفية تعزيز تأثير البيانات في تحسين تجارب المدينة، وتطوير المنتجات. ودعت اللجنة مجتمع البيانات في دبي، على المشاركة في تطبيق إطار العمل الخاص بالبيانات الاصطناعية، وتعميم الدراسة البحثية على الأطراف المعنية بالبيانات في مختلف الدوائر الحكومية، كما تسعى دبي الرقمية، للتعرف إلى رؤية القطاع الخاص، حول خلاصات هذا المشروع الحيوي.

طباعة Email