الاستثمارات الرقمية.. نقلة تنموية

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تعد الإمارات من أكثر الأسواق الناشئة نشاطاً في التحول الرقمي والاستثمار فيه، واتخذت في هذا الإطار العديد من المبادرات تساعد على استقطاب الموهوبين في قطاعات التقنية من كافة أنحاء العالم، للإقامة في دبي ومزاولة أعمالهم عن بُعد، حيث تؤمن الدولة بأن تعزيز الاستثمارات الرقمية يسهم في إحداث نقلة تنموية.

وأطلقت حكومة الإمارات في 5 يوليو الجاري مبادرة «الجيل التالي من الاستثمارات الأجنبية» العالمية، لجذب 300 شركة رقمية، خصوصاً تلك التي تركز على تطبيقات التكنولوجيا المتقدمة في مختلف القطاعات، وتزويدها بأساسيات دخول السوق اللازمة للانطلاق والتوسع من داخل دولة الإمارات، ورفد الاقتصاد الوطني بـما يقارب 500 مليون دولار.

ويأتي ذلك في إطار سعي الإمارات الحثيث لبناء اقتصاد مُستقبلي متنوعي، وفي سياق تقدمها المُطرد على مسيرة التنمية، وتُعد المبادرة دليلاً جديداً على صدق حكومة الإمارات في طموحها الذي أعلنت عنه مراراً بشأن امتلاك اقتصاد رقمي متطور.

فعند الإعلان عن المبادرة، وصفها البيان الرسمي الخاص بها بأنها «تأتي ضمن رؤية تقوم على الانتقال بالمسيرة التنموية لدولة الإمارات إلى آفاق غير مسبوقة، مع دخول حقبة الخمسين عاماً المقبلة، وفي إطار مئوية الإمارات «2071» الساعية إلى أن تكون الإمارات أفضل دولة في العالم».

وأكد معالي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير دولة للتجارة الخارجية، أن الإمارات تدخل حقبة جديدة من التطور وفق رؤية واضحة واستراتيجيات متكاملة، لتوفير الممكنات اللازمة لاحتضان أصحاب الكفاءات العالمية الشركات القائمة على مفاهيم وتطبيقات الاقتصادات الجديدة، وخاصة تلك التي تركز على الابتكار والمعرفة والتكنولوجيا الحديثة، بهدف تشجيعها للانتقال إلى الإمارات.

ويعني كل ما سبق أن فكرة المبادرة تقوم بالأساس على تحقيق نقلة نوعية في المسيرة التنموية التي تشهدها الإمارات بالفعل، وذلك بالتركيز على استقطاب الاستثمارات الأجنبية المتعلقة بقطاع الرقمنة، وكل ما يرتبط به ويخدمه من مجالات، كالبرمجة والتقنية المالية «فينتك» وسلاسل الكتل «بلوك تشين» والأصول المشفرة، وغيرها من المفاهيم والتطبيقات التقنية الحديثة التي باتت واقعاً ملموساً في الاقتصاد العالمي، يُترجَم إلى إيرادات وأرباح تجنيها شركات متخصصة في هذه المفاهيم.

وبتعبير آخر، صار هناك فرع قائم بذاته ضمن فروع الاقتصاد العالمي يُسمى الاقتصاد الرقمي. وصار هذا الاقتصاد مكتمل العناصر اللازمة لتكوين أي اقتصاد، كالمفاهيم والتطبيقات وآليات التداول والتعامل مع المستهلكين وعمليات وأرباح. ولأن الإمارات كعادتها تواكب متغيرات العصر وتستوعبها بسرعة فائقة، كانت هذه المبادرة التي تهدف لأن تجني الإمارات نصيبها العادل من أرباح الاقتصاد الرقمي العالمي.

شمولية

ومن أهم السمات التي تميزت بها هذه المبادرة شموليتها، بمعني تعدد الأطراف المُشاركة فيها. فقد انضم إلى المبادرة منذ إطلاقها 7 شركاء استراتيجيين وهم «سوق أبوظبي العالمي» و«مركز دبي المالي العالمي»، و«المنطقة الحرة في دبي الجنوب» و«مركز دبي للسلع المتعددة»، و«مدينة دبي للإنترنت»، و«بنك الإمارات دبي الوطني» ومنصة «Wio» المصرفية الرقمية في أبوظبي.

علاوة على ذلك، فقد أشار الإعلان عن إطلاق المبادرة إلى توقعات بانضمام المزيد من الجهات الحكومية والخاصة إليها في مرحلتها المُقبلة، على أن تشمل هذه الجهات المتوقعة كافة الإمارات السبع بالدولة. ويعكس ذلك حقيقة واضحة مفادها أن التوجه صوب الاقتصاد الرقمي بات فكراً شاملاً تعتنقه وتتبناها غالبية الكيانات الحكومية، إن لم يكن جميعها، في الإمارات. تشير هذه الشمولية إلى أن الجميع في الإمارات أدرك أن المستقبل للرقمنة.

إنجازات

وقال عارف أميري، الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي، والذي يعد أحد الشركاء الاستراتيجيين الــ 7 في إطلاق المُبادرة: «نجح مركز دبي المالي العالمي في إرساء دعائم أكبر منظومة للتكنولوجيا المالية وأضخم مجتمع للابتكار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويضم اليوم نحو 600 شركة تمثل 60% من شركات التكنولوجيا المالية في المنطقة. ويشتمل ذلك على 34 شركة من منطقتي أوروبا وجنوب آسيا، تأكيداً على مكانة مركز دبي المالي العالمي كخيار مفضل للشركات وقدرته على مساعدتها في دخول الأسواق الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا. نقدم لهذه الشركات أكثر خدمات الابتكار شمولاً في المنطقة وتشمل التعليم، والمشاركة في برامج الحاضنات والمسرعات، وتراخيص التشغيل واللوائح التنظيمية التي تتميز بكفاءة عالية من حيث التكلفة، إلى جانب وصول يسير إلى الموارد وأرفع الخبرات الفنية وخيارات التمويل. وتماشياً مع استراتيجية مركز دبي المالي العالمي 2030، يدعم المركز النمو الاقتصادي المستدام ويميز دبي كمركز عالمي للمؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا المالية وشركات الابتكار».

ويعني ما قاله عارف أميري أن المُبادرة تُمثل في جوهرها بناءً قام على ما سبق تحقيقه من إنجازات قطاع الرقمنة، وليس بناءً قائماً من الصفر. وبمعنى آخر، فإن الإمارات لها خطوات سابقة ناجحة بالفعل في الرقمنة و«فينتك»، وكان من أبرز الجهات التي قطعت هذه الخطوات «مركز دبي المالي العالمي» و«سوق أبوظبي العالمي». وبالتالي، فإن هذه المبادرة ليست خطوة أولى، وإنما هي استثمار لخطوات سابقة قطعتها الإمارات بالفعل، وبنجاح، وهو ما يؤكد صحة ما ذكرناه في البداية، وهو أن المبادرة نقلة في مسيرة التنمية بالدولة، وليس بدءاً للمسيرة.

مميزات

ووقال جمعة الهاملي، رئيس الشؤون التنفيذية للموظفين لدى «سوق أبوظبي العالمي»: «تبنينا الأصول الرقمية في «سوق أبوظبي العالمي» قبل أن تتبناها أي جهة أخرى في المنطقة. وكان ذلك في عام 2018».

وأضاف: «بجانب الريادة، لدينا أيضاً مميزات أخرى تساعد في نجاح شراكتنا مع هذه المبادرة. ومنها على سبيل المثال قوة الجانب التنظيمي، إذ يُعد «سوق أبوظبي العالمي» واحداً من أكثر الأسواق المالية تنظيماً على مستوى العالم. وثمة ميزة ثالثة، وهي الاهتمام بالجودة، وهو توجه سائد في أبوظبي عموماً، ولا يقتصر على «سوق أبوظبي العالمي» فحسب. وستجعلنا هذه الميزة حريصين على استقطاب أفضل الشركات المتخصصة في القطاع الرقمي على مستوى العالم وأكثرها جودة في خدماتها ومنتجاتها، وهو ما سيسهم في نهاية الأمر في نجاح المبادرة».

تفاؤل

وباستطلاع آراء ممثلي القطاع الخاص في المبادرة، أبدوا تفاؤلهم بشأنها. وقال راميش جاجاناثان، المُدير الإداري لشركة «ستارت أيه دي»، منصة الابتكار وريادة الأعمال في «جامعة نيويورك أبوظبي»: «تستقطب مبادرة «الجيل التالي من الاستثمارات الأجنبية» 300 شركة رقمية، وهي تأتي في أعقاب مبادرات وخطوات أخرى عديدة تُظهر جميعها السعي المتواصل من جانب حكومة الإمارات لبناء اقتصاد مستقبلي يعتمد بالأساس على التقنية. وتُعد هذه المبادرة أيضاً جُزءاً من حملة جهود أوسع نطاقاً تتبناها الدولة لترسيخ مكانتها كمركز عالمي للأعمال، وهو ما يجعل المبادرة بالفعل أمراً رائعاً».

وأضاف: «بينما تُعد الإمارات بصفة عامة أرضاً خصبة لكافة الشركات، سواءً كانت كبيرة أم صغيرة، من كافة أنحاء العالم، لدخول كافة الأسواق، إلا أن ما يُلفت نظري بصفة خاصة في هذه المُبادرة ويجعلني متفائلاً حيالها هو أنها تتيح للشركات الرقمية العالمية استخدام أبوظبي كقاعدة انطلاق لدخول سوق واسعة ومتنوعة. إن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هدف رئيسي للشركات التقنية الناشئة، ذلك أن المنطقة تضم مجتمعاً من الشباب قوامه نحو 200 مليون نسمة، يُنظر إليهم باعتبارهم مساهمين رئيسيين في موجة التغيير التقني التي تشهدها المنطقة».

وقال ساشين كيرور، رئيس منطقة الشرق الأوسط، شركة «ريد سميث» الأمريكية العالمية للاستشارات القانونية: «ما يثير اهتمامي بشأن هذه المُبادرة هو أنها تتضمن اتخاذ تدابير عملية ملموسة تجعل مهمة الشركات الرقمية الراغبة بتأسيس تواجدها في الإمارات أكثر سهولة من ذي قبل، وذلك بتسهيل الإجراءات ومنحها تخفيضات في الرسوم الإجرائية، وغيرها من التسهيلات».

طباعة Email