شراكات الإمارات الشاملة.. روابط أعمق

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

اتجهت الإمارات منذ مطلع العام الجاري على نحو لافت إلى إبرام اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة مع عدد من دول العالم، فكانت البداية مع الهند، ثم إسرائيل، وأخيراً إندونيسيا في مطلع الشهر الجاري. وتشير التقارير إلى قُرب انتهاء المفاوضات بشأن إبرام اتفاقية شراكة رابعة مع كولومبيا. وفي غضون ذلك، تسير المفاوضات على نحو جيد بشأن إبرام اتفاقيتي شراكة خامسة وسادسة مع تركيا وجورجيا، ما يعني نهجاً إماراتياً مفاده أن الشراكات الشاملة رافد الاقتصاد المتنوع.

وعلى مدار العام الماضي، وبمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي لتأسيس الدولة، وأيضاً بغرض الاستجابة للتحديات الاقتصادية الناجمة عن تفشي جائحة «كوفيد 19»، أعلنت الإمارات عن «مشروعات الــ 50»، وهي سلسلة من المبادرات الجريئة التي تهدف إلى زيادة قيمة اقتصاد الإمارات بأكثر من الضعف، من 1.4 تريليون درهم إلى 3 تريليونات درهم، في غضون 10 أعوام.

ومنذ سبتمبر الماضي، بدأن حكومة الإمارات تعمل على إبرام عدد من اتفاقيات التعاون الاقتصادي الشامل لغرض زيادة قدرة الصادرات على الوصول إلى الأسواق، وتسريع التدفقات التجارية، وتحفيز الفرص الاستثمارية وإنشاء منصات لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

أجندة

وبحسب ما أكده معالي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير دولة للتجارة الخارجية، في تصريحات لـ«البيان» فإن اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة التي بدأت الإمارات في إبرامها منذ مطلع العام الجاري، تُعد بمثابة أحد الأعمدة الرئيسية للأجندة الاقتصادية الجديدة التي تتبناها الدولة في الخمسين عاماً المقبلة. وأوضح أن مفهوم اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة يقوم على إنشاء روابط تجارية واستثمارية أعمق وأقوى مع مختلف البلدان حول العالم، بهدف تيسير انتقال المنتجات، الخدمات، الاستثمارات، والمواهب عبر الحدود بين الأمم المشاركة في هذه الاتفاقيات.

ويُمكن تحقيق ذلك، ليس بإزالة التعريفات الجمركية وغيرها من الحواجز التجارية فحسب، بل وإنما أيضاً بتأسيس أُطُر عمل للتجارة الرقمية، التجارة الإلكترونية، آليات لحماية الملكية الفكرية ولفض المنازعات ومنصات لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومساعدتها على تحقيق النمو. وقال: إن اتفاقيات التعاون الاقتصادي الشامل تذهب إلى أبعد مما تذهب إليه اتفاقيات التجارة الحرة، إذ تُنشئ علاقات اقتصادية أكثر تكاملاً بين الدول ذات التوجهات المُتشابهة».

وعن الإسهام المتوقّع لاتفاقيات التعاون الاقتصادي الشامل في اقتصاد الإمارات، وحصتها المتوقعة في الناتج المحلي الإجمالي للدولة، قال الزيودي: «تفتح اتفاقيات التعاون الاقتصادي الشامل الثلاث التي أبرمناها مع الهند، إسرائيل وإندونيسيا سوقاً يُقدر العدد الإجمالي للمستهلكين فيها بحوالي 1.7 مليار نسمة لمُصدرينا. وأضاف: سترفع قيمة صادراتنا بما يتجاوز 2.6%، أي ما يعادل 13.2 مليار دولار. ونتوقّع أن تُضيف هذه الاتفاقيات الثلاث معاً ما يقرب من 20 مليار دولار إلى ناتجنا المحلي الإجمالي بحول عام 2030».

وتابع: «من الأهمية بمكان أيضاً التأكيد على اعتقادنا أن اتفاقيات التعاون الاقتصادي الشامل التي نُبرمها لن تُحفز النمو الاقتصادي المُستدام على المدى الطويل في هذا الوقت الحرج فحسب، بل وإنما أيضاً ستعمل على تأمين سلاسل الإمداد والتوريد، وخلق حالة من اليقين في المنظومة التجارية العالمية وبناء مرونة في مواجهة كافة أنواع الصدمات التي شهدناها خلال العامين الماضيين، بما في ذلك شبح التضخم المتنامي».

 

سياسة تجارية

ويؤكد عبد الله آل صالح، وكيل وزارة الاقتصاد، أن اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة تُعد جزءاً من السياسة التجارية الجديدة التي تنتهجها الدولة. وقال آل صالح في تصريحات عبر البريد الإلكتروني أدلى بها لموقع «موني كونترول» الشبكي الهندي المتخصص في الشؤون الاقتصادية: «تُعد اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة جزءاً من السياسة التجارية الجديدة التي تنتهجها الإمارات. وتشمل الفوائد والمزايا المتوقع أن تجنيها الإمارات والدول التي تبرم معها هذه الاتفاقيات منح رجال الأعمال والمستثمرين من الدولة الأخرى حق امتلاك شركاتهم وأعمالهم التجارية في الإمارات بنسبة 100%، تعديل منظومة التأشيرات والإقامة بالدولة، خفض كُلفة مزاولة الأعمال التجارية، وتسهيل الوصول إلى الأسواق الجديدة، وإتاحة الفرص للتوسع في الأنشطة التجارية».

وتطرق آل صالح في تصريحاته أيضاً إلى اتفاقية الشراكة التي أبرمتها الإمارات مع الهند تحديداً، فقال: «ستؤدي اتفاقية الشراكة المشتركة المُبرمة مع الهند إلى خلق ملايين الوظائف عبر السنوات. ستزود الاتفاقية المشروعات الصغيرة والمتوسطة من الإمارات والهند بمنصة للتوسع على نطاق دولي، وذلك من خلال منحها قدرة الوصول إلى عملاء جدد وشبكات جديدة من العلاقات والتجمعات الدولية».

القطاع الخاص

ويرى ساشين كيرور، رئيس منطقة الشرق الأوسط، شركة «ريد سميث» الأمريكية العالمية للاستشارات القانونية أن اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة تخلق نظاماً بيئياً اقتصادياً وإطاراً لتوثيق العلاقات الاقتصادية بين الدول. وقال كيرور: «كما تؤدي اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة إلى فتح أسواق وفرص جديدة للاستثمار الأجنبي المباشر والتجار والشراكات الثنائية».

وأضاف: «إن أهداف وديباجة الاتفاقية بين الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي تلخص بدقة الالتزامات والطموحات الناشئة بشكل عام عن مثل هذه الاتفاقيات».

وعن أهمية اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، يقول كيرور: «تكمن أهميتها في تقديم المزيد من اليقين والفرص فيما يتعلق بالوصول إلى الأسواق الوطنية. فهي تشجع التجارة وتعزز مرونة الاقتصادات من خلال توطيد العلاقات التجارية طويلة المدى».

ويؤكد أن فكرة اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة ليست بجديدة أو وليدة اليوم، وقال: «يعد مفهوم اتفاقيات التجارة والمستثمرين المعززة بين البلدان مفهومًا راسخًا يظهر في أشكال متعددة. في الواقع، تعود جذور اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الإمارات والهند إلى الاتفاقية الإطارية بين الهند ودول مجلس التعاون الخليجي لعام 2004. كما تضفي الاتفاقية العامة لتجارة الخدمات، والمعروفة باسم (اتفاقية جاتس)، واتفاقيات منظمة التجارة العالمية سمات للشكل الأحدث من الاتفاقيات الثنائية».

وعن رأيه في توجه الإمارات إلى إبرام عدد من اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة بشكل ملحوظ منذ مطلع العام الجاري، قال كيرور: «تتطلع الإمارات إلى تحقيق فوائد اقتصادية كبيرة من خلال الوصول إلى الأسواق التجارية، وحركة الموارد الماهرة ومجموعة متنوعة من المبادرات الاقتصادية. نظرًا لأن الإمارات جادة في تطوير اقتصادها بشكل كبير خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة القادمة، فإن اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة ستقطع شوطًا طويلاً لجذب رأس المال إلى دولة الإمارات».

واختتم كيرور بالإشارة إلى التأثير المتوقع لاتفاقية الشراكة الشاملة المُبرمة مع الهند على سوق العمل في الإمارات، فقال: «تُعد الأرقام التي جرى التحدث عنها كنتائج مُتوقعة للشراكة بحق مذهلة. والإحصائيات أيضاً مثيرة للإعجاب، وتفيد بأن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الهند والإمارات ستضيف 100 مليار دولار من التجارة غير النفطية بين البلدين وسوف تخلق 250 ألف فرصة عمل».

طباعة Email