%789 النمو على مدار 10 سنوات بقيمة إجمالية تراكمية 830.5 مليار درهم

استثماراتنا الخارجية.. رافد مستمر لإنعاش الاقتصاد

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا يختلف اثنان ملمان بأبسط قواعد علم الاقتصاد على أن أحد أهم مقومات القوة الاقتصادية لدى أي دولة هو مدى قدرتها على استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى أرضها. لكن على الرغم من ذلك، فإن الاستثمار في الاتجاه المعاكس، أي أن تستثمر الدولة خارج حدودها، يجلب فوائد جمة من شأنها تعزيز قوة اقتصاد الدولة أيضاً، حيث إن الاستثمار الخارجي يجلب للمؤسسات الحكومية التي تقوم به عوائد ضخمة تترجم في النهاية إلى إيرادات إضافية تنعش خزينة الدولة.

يرسخ الاستثمار الخارجي صورة أي دولة كقوة رأسمالية تمتلك الموارد التي تمكنها من تنفيذ مشروعات خارجية لتدر عوائد عليها وعلى الدول التي تقام على أراضيها هذه المشروعات، على السواء. والأهم من ذلك، تعزز الاستثمارات الخارجية نفوذ الدولة خارج حدودها وتكسبها مزيداً من النفوذ الاقتصادي، الذي ينعكس بالضرورة في صورة نفوذ سياسي، وهو نفوذ مطلوب في عصرنا الحالي الذي لا يعترف سوى بالأقوياء.

وفي حالة الإمارات، لا تقتصر أهمية الاستثمارات الخارجية للدولة على الفوائد المذكورة أعلاه فحسب، بل تمتد لتشمل أهمية أخرى جديدة، وهي دعم خطط التنوع الاقتصادي التي تنتهجها الإمارات منذ عدة سنوات للحد من اعتماد الاقتصاد الوطني على عائدات الصادرات الهيدروكربونية كمصدر أساسي للدخل الحكومي.

وأظهرت البيانات الواردة في «التقرير العالمي للاستثمار، 2022»، الصادر الشهر الماضي عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد»، أن الإمارات احتفظت على مدار العام الماضي بمكانتها ضمن الـ 20 الكبار عالمياً، سواءً في استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى أرضها، أو في حجم استثماراتها خارج الحدود. وفيما يتعلق باستثمارات الإمارات خارج حدودها في عام 2021، فقد أفاد تقرير «أونكتاد» بأن الإمارات نالت المركز الـ 14 عالمياً، وبلغت القيمة الإجمالية لاستثماراتها الخارجية على مدار العام الماضي 82.6 مليار درهم «23.5 مليار دولار»، بارتفاع نسبته 19% بالمقارنة مع عام 2020. وأفاد التقرير نفسه بأن إجمالي الاستثمارات الخارجية للإمارات ارتفعت على مدار العقد الممتد بين عامي 2011 و2021 قد سجلت ارتفاعاً هائلاً بلغت نسبته 789%.

وفي سياق متصل، أفادت بيانات صادرة عن وزارة الاقتصاد بأن القيمة الإجمالية التراكمية على مدار 10 سنوات لاستثمارات الإمارات الخارجية في نهاية عام 2021 بلغت 830.5 مليار درهم «226.1 مليار دولار».

وتعكس كافة هذه الأرقام الإيجابية المذكورة أعلاه مدى اهتمام الكيانات الحكومية الإماراتية المعنية بالاستثمار بالتوجه صوب الاستثمارات الخارجية.

وبالتزامن مع ذلك، أعلنت حكومة الإمارات في نهاية العام الماضي عن خطط لإبرام اتفاقيات اقتصادية مع 8 دول على مدار العام الجاري، وأبرمت منها بالفعل عدداً من الاتفاقيات كان أخرها الاتفاقية التي أبرمت مع أندونيسيا يوم الجمعة الماضي.

وتستأثر هذه الدول الثماني معاً بنسبة 10% من إجمالي الناتج الاقتصادي العالمي. ويشير هذا التوجه اللافت من جانب حكومة الإمارات إلى إنشاء علاقات تعاون اقتصادي شاملة مع عدد متنوع من دول العالم، التي تصنف غالبيتها اقتصادياً كأسواق ناشئة، إلى فكر اقتصادي جديد غير تقليدي يسعى إلى تحقيق الفوائد الاقتصادية للدولة من طرق آليات وأسواق جديدة غير تقليدية.

ولعل واحدة من أهم الفوائد الملموسة التي تنتظر الإمارات أن تجنيها من اتفاقياتها الاستثمارية مع دول العالم الأخرى أن تستفيد الدولة من البنود المُدرجة في هذه الاتفاقيات في صورة خفض للتعريفات الجمركية المفروضة داخل هذه الدول.

وبحسب تصريحات أدلى بها خالد بن كلبان، نائب رئيس مجلس الإدارة وكبير المسؤولين التنفيذيين لدى شركة «دبي للاستثمار»، ونشرتها مجلة «ميد» البريطانية، فإن هذه التخفيضات في قيمة التعريفات الجمركية «تؤدي نظرياً إلى خفض أسعار السلع الاستهلاكية، ما يرفع قدرة المستهلكين على الإنفاق، وهو ما يؤدي بدوره إلى إنعاش الاقتصاد».

وكانت الإمارات قد استهلت اتفاقيات التعاون الاقتصادي الشاملة الثماني المُقرر إبرامها هذا العام بالاتفاقية التي أبرمتها مع الهند في فبراير الماضي، والتي تنص ضمن نصوص أخرى على تعزيز التعاون بين الإمارات والهند بشأن الاستثمارات الاستراتيجية، بغية تعميق الروابط الثنائية، وبصفة خاصة الاقتصادية، بين البلدين، فضلاً عن خفض قيمة الرسوم المفروضة على الشركات والمشروعات الهندية الناشطة في الإمارات.

وفي مايو الماضي، أبرمت أبوظبي اتفاقية شراكة في التجارة والاستثمار مع مصر والأردن. وتحظى هذه الاتفاقية بدعم من صندوق يتبع شركة «القابضة(ADQ)». وستستثمر الشركة بموجب الاتفاقية في خمسة قطاعات صناعية رئيسية بمصر والأردن، بغية المساهمة في دفع عجلة النمو الاقتصادي بالبلدين.

وبجانب خفض قيمة التعريفات الجمركية، تتيح الاستثمارات الخارجية للشركات الحكومية الإماراتية فرصة التعرف إلى إمكانيات استثمارية غير مطروقة من قبل في الدول المستفيدة من هذه الاستثمارات، وأيضاً إمكانية الوصول إلى قطاع أصحاب الثروات الفائقة.

وبحسب تقرير صدر العام الماضي عن «غرفة دبي للتجارة والصناعة»، فإن الأسواق الأفريقية على سبيل المثال تعد واحدة من أهم الأسواق الواعدة للكيانات الاستثمارية الإماراتية، حيث إنها مهيأة لكي تدر على هذه الكيانات أرباحاً طائلة من الاستثمار في قطاعات متنوعة ضمن هذه الأسواق، كونها قطاعات غير مستغلة كثيراً ومازالت تزخر بالفرص الاستثمارية البكر، ومنها قطاعات التقنية المالية «فينتك»، الزراعة، التقنية الصحية، والتجارة الإلكترونية، وخاصة أن غالبية تلك الأسواق لاتزال تعاني نقصاً حاداً في البنية التحتية، ما يجعل الكيانات الاستثمارية الإماراتية مهيأة لتنفيذ عدد هائل من مشروعات البنية التحتية بداخلها، ما يعني في نهاية الأمر مزيداً من الإيرادات.

توقع نفس التقرير الصادر عن «غرفة دبي» أن يكون قطاع «فينتك» تحديداً يعد هو القطاع الأسرع نمواً في أفريقيا خلال عام 2022، حيث من المتوقع أن ينمو القطاع هذا العام بنسبة 89%، ثم قطاع الزراعة بنسبة 88%، ثم قطاع الأغذية بنسبة 87%.

وعندما تصل استثمارات الإمارات إلى أسواق غير مطروقة حول العالم، فهذا يعني توسيع لنطاق انتشارها وتواجدها التجاري المؤثر في اقتصاديات الدول الأخرى. ومن ثم، تعزيز لمكانة الإمارات كقوة رأسمالية ومركز علمي للاستثمارات الخارجية.

وقال خالد بن كلبان: «تعد الاستثمارات الأجنبية للإمارات خارج حدودها أداة قيمة في زيادة الناتج المحلي الإجمالي للدولة، في حال إذا نجحت الكيانات الاستثمارية الإماراتية في اكتشاف فرص استثمارية جديدة وغير مطروقة من قبل في الخارج».

وأضاف بن كلبان: «وبمراعاة هذا الشرط، تبدو الإمارات مهيأة لحصد ثمار هذه الجهود الاستثمارية الخارجية، والتي لا تقتصر على مجرد العائدات على الاستثمارات، وإنما تمتد أيضاً ليشمل التواجد الاستثماري الخارجي طويل الأمد، ما يعني رافداً مستمراً لإنعاش الاقتصاد الوطني».

ونؤكد في الختام أن الاستثمار يبقى عموداً من أهم الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها اقتصاد الإمارات، خاصة في حقبة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، حيث تعتزم الدولة، وبدأت بالفعل، استعادة مكانتها المعهودة منذ ما قبل تفشي الجائحة كقطب الاستثمار الأول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولكن على الرغم من ذلك، ثمة مكاسب أخرى عديدة تعود على اقتصاد الإمارات من الأنشطة الاستثمارية الخارجية للشركات الوطنية، حيث يشعر الجميع بهذه المكاسب، بدءاً من المستهلك المحلي داخل الأسواق الإماراتية، وانتهاء بالمسؤولين والخبراء الاقتصاديين.

طباعة Email