أشباه الموصلات تحكم مستقبل التطور التكنولوجي

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

«هذه الرقائق الصغيرة، التي لا يتجاوز سُمكها بضعة «نانومترات»، سوف تكون المحرك الرئيس الذي يدفعنا إلى الحقبة التالية من التطور التكنولوجي للبشرية». بتلك الكلمات، بدأ الرئيس الأمريكي جو بايدن خطابه أمام كبار المسؤولين من اليابان وكوريا الجنوبية، خلال زيارته لليابان مايو الماضي، التي تبرز بوضوح بزوغ عصر «تحالف أشباه الموصلات»».

هذه الرقائق الصغيرة، كما أطلق عليها الرئيس بايدن، التي لا تبدو في معظم الحالات للعيان، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من كل ما هو حولنا، من سيارات، وصولاً للأجهزة المنزلية، فيما يؤكد خبراء، أن تلك الرقائق لن يكون لها دور أساسي في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية فحسب، بل سوف تلعب دوراً محورياً في تغيير وتعزيز مراكز القوى الاقتصادية في العالم، وكذلك في الحسابات الجيوسياسية للدول.

تأثيرات

واليوم، تتفاوت تأثيرات حجم النقص العالمي لأشباه الموصلات، التي برزت من جديد بعد جائحة «كوفيد 19»، حسب القطاعات. فمثلاً، بعد اندلاع أزمة أشباه الموصلات في منتصف 2020، سارعت شركات التقنية الكبرى، مثل: «آبل» و«دِل»، إلى العمل على الفور، حيث قاموا بتشغيل مراكز لإدارة أزمة سلاسل التوريد والمشتريات على مدار الساعة، وطوال أيام الأسبوع.

فعلى عكس مصنعي السيارات، تعلمت شركات التقنية الكبرى، دروساً مهمة من أزمة أشباه الموصلات الأخيرة في 2017، ولم يتركوا شيئاً للصدفة. ولإصلاح وضعهم الحالي، يجب على قادة شركات صناعة السيارات، التي تعتبر الأكثر تأثراً بالأزمة، والشركات الأخرى المتأثرة بالأزمة، اتخاذ سلسلة من الخطوات العاجلة، المستوحاة من شركات التكنولوجيا الكبرى.

وفي هذا الصدد، توقع خبراء في تصريحات لـ«البيان»، ألّا تنحسر أزمة أشباه الموصلات الحالية حتى نهاية 2023، على أقرب تقدير. بعد ذلك، سوف تكون مسألة وقت فقط، قبل أن تعطل الأزمة القادمة سلاسل التوريد العالمية من جديد.

أزمات

ويشير تحليل لـ«البيان»، إلى وجود عدة أزمات لأشباه الموصلات في الـ28 سنة الماضية، بما فيها الأزمة الحالية. إذ ساهمت العديد من العوامل بإحداث نقص في أشباه الموصلات على مستوى العالم، كان أبرزها «كوفيد 19»، حيث شهد الطلب على الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية، ارتفاعاً مفاجئاً، خلال فترة الإغلاق العام، ما دفع العديد من الشركات إلى تخزين المواد والموارد.

وسارعت الحكومات في الدول الصناعية الكبرى، إلى اتخاذ إجراءات جديدة، وإطلاق مبادرات من شأنها معالجة هذه المشكلة على الصعيد العالمي، وبالرغم من جميع الجهود المبذولة حتى الآن، لم يتجاوز القطاع بعد هذه المشكلة، وعلى الرغم من قدرة الاستثمارات الكبرى على المساهمة في تعافي القطاع، يستلزم الأمر، البحث عن استثمارات طويلة الأمد، في ضوء ارتفاع طلب العملاء على الأجهزة الإلكترونية حالياً، والذي سيتبعه بالتأكيد ارتفاع الطلب على المعالجات.

صعوبة

وقال إسماعيل الحوراني، الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة «هايسنس» الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن النقص في أشباه الموصلات، يؤثر في جميع القطاعات تقريباً في العالم، بدءاً من الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية، وصولاً إلى شركات تصنيع السيارات.

ولا تزال شركات التصنيع تواجه صعوبة في مواكبة الطلب، رغم استيراد الصين لمعظم المعالجات، من أجل تجميع المنتجات النهائية وتصديرها للأسواق. وأضاف: «تتولى «هايسنس» بصورة خاصة، تصنيع الأجهزة الكهربائية المنزلية والسلع الاستهلاكية، التي تتطلب أنواعاً بسيطةً نسبياً من المعالجات.

ومع ذلك، تأثرت جميع الشركات، بما فيها «هايسنس»، بنقص أشباه الموصلات، ما سبب تراجعاً في الموارد، وارتفاع تكاليف الإنتاج، لا سيما خلال فترة الإغلاق العام بسبب أزمة «كوفيد 19». وتواصل شركتنا إدارة معظم عملياتها بصورة طبيعية، مع وجود مؤشرات بعودة الوضع العام إلى ما كان عليه سابقاً».

خطط

وأكمل الحواراني: «رغم تلك التحديات، تواصلت خططنا لتوسيع أنشطتنا التجارية، إذ لا تزال «هايسنس» تحقق نمواً متسارعاً في مختلف قنواتها الرقمية، والموجودة على أرض الواقع، في الشرق الأوسط. وبعد نجاحنا ببناء علاقات قوية مع متعاملينا وشركائنا، فإننا نفخر بأن «هايسنس» أصبحت اليوم واحدة من أبرز العلامات التجارية المتخصصة بالإلكترونيات في المنطقة».

وحول تعامل «هايسنس» مع الأزمة، قال: «سعياً منا لتأكيد التزامنا في المنطقة، افتتحنا أخيراً أول متجر فعلي، ضمن «دبي هيلز مول»، كما نعتزم توسيع نطاق شبكة متاجرنا العام الجاري، عبر افتتاح أول متجر لنا في قطر، بالإضافة إلى متجرين آخرين في السعودية».

وتابع: «بالرغم من ارتفاع تكاليف الإنتاج، نتيجة نقص أشباه الموصلات، تواصل «هايسنس» تركيزها على الإيفاء بالتزاماتها تجاه المتعاملين في الشرق الأوسط، بما في ذلك إنشاء مرافق محلية للإنتاج، تؤكد التزامنا الراسخ بالاستثمار في الأسواق الإقليمية، ودفع عجلة الابتكار، وتقديم أرقى مستويات الجودة إلى متعاملينا».

وواختتم حديثه قائلاً: «نتوقع انقضاء مشكلة نقص أشباه الموصلات خلال عامين فقط، في حال عدم وجود اضطرابات تؤثر في مشهد التجارة العالمي. ولكن يصعب علينا تحديد طول مدة هذه المشكلة، إذا استمرّت الدول والمناطق بفرض العقوبات التجارية والاقتصادية بين بعضها».

معاناة

ولأنها تدخل في تركيب كل جهاز عصري تقريباً، بدايةً من الهاتف النقال، مروراً بالسيارات، وانتهاءً بالمعدات العسكرية، فليس من قبيل المبالغة، أن نَصِف أشباه الموصلات بأنها «عقل الصناعات الحديثة»، إلا أن هذا العقل يعاني منذ ما يزيد على عامين، من حالة قاسية، أشبه بسكتة دماغية، توشك أن تُصيبه بالتوقف التام، إذ إن النقص الحاد في أشباه المواصلات، يُهدد كافة الصناعات العصرية، وأجبر العديد من المصانع، وبصفة خاصة مصانع السيارات، على التأخير في تسليم الطلبيات لفترات طويلة، تجاوزت العام الكامل في كثير من الحالات.

لكن التحليل المتعمق لجذور الأزمة، يقودنا إلى إدراك حقيقة مفادها بأن «كوفيد 19»، بريئة من أزمة الرقائق، وإنما هي التي أظهرتها على هذا النحو الحاد، الذي يُعانيه العالم حالياً.

تطور

وأكد كوراي كوز، المحلل لدى شركة «جارتنر» الأمريكية، المتخصصة في الأبحاث التقنية، أن الأزمة الحالية في توفير الرقائق، ليست وليدة العامين الماضيين، بعد تفشي جائحة «كوفيد 19»، وإنما تطورت عبر عدّة سنوات، وتحديداً مع ظهور «الجيل الخامس» من شبكات الاتصالات، التي ولّدت طلباً متزايداً على الرقائق.

وبدأت إرهاصات الأزمة تظهر في عهد الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، عندما أمر بمنع الرقائق وأي مُنتجات أو خدمات تتعلق بالتقنية إلى الشركات التقنية الصينية، في مقدمتها «هواوي»، وذلك في سياق الحرب التجارية التي شنها ترامب ضد الصين، طوال فترة وجوده في البيت الأبيض، التي لم تتجاوز أربع سنوات.

ونتج عن ذلك أن شركات تصنيع الرقائق خارج الولايات المتحدة، واجهت فيضاناً في الطلب على منتجاتها من جانب «هواوي»، والشركات التقنية الصينية الأخرى.

آمال

وتتجاوب شركات تصنيع الرقائق في هذه الآونة مع الأزمة، من خلال زيادة طاقتها الإنتاجية، كي تواكب الطلب المُتزايد، ولكن هذا الأمر يتطلب وقتاً، لعدة أسباب، منها أن كلفة المصنع الواحد لإنتاج الرقائق، تبلغ عدة مليارات من الدولار.

وأضاف كوز: «ثمة آمال بحدوث انفراجة، ولو نسبية، في الأزمة، بحلول «الجمعة السوداء» المُقبل، أي في نوفمبر المقبل». ولكن حتى لو حدثت هذه الانفراجة النسبية، فهذا لا يعني الحل التام للأزمة».

اعتماد

وعند اندلاع الأزمة، أدرك العالم حقيقة مريرة، ربما كان ينساها بالفعل أو يتناساها، وهي أنه بات مُعتمداً بصفة شبه تامّة على أشباه الموصلات التي تأتي من دول آسيا، وتحديداً تايوان وكوريا الجنوبية، مع تراجع الإنتاج في الولايات المتحدة، أوروبا، وأستراليا على نحو مُطرد خلال السنوات الأخيرة.

إذ باتت الصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، «الأربعة الكبار» في إنتاج الرقائق، كما أنها ضمن «الستة الكبار» في الإيرادات الإجمالية لمصانع الرقائق في كل دولة. علاوة على ذلك، باتت منطقة آسيا والمحيط الهادي، السوق الأكبر لأشباه الموصلات عالمياً، إذ تستأثر بنسبة 60% من إجمالي المبيعات العالمية، ومن هذه النسبة تستأثر الصين بـ30% وحدها.

على الجانب الآخر من المحيط الهادي، نجد أن الولايات المُتحدة لا تُنتج سوى 10% من الرقائق التي تستخدمها. وكان هذا السبب الرئيس الذي دفع جو بايدن، إلى التعهد العام الماضي، بدعم قطاع تصنيع الرقائق، من خلال تقديم مشروع قانون إلى الكونغرس، يتضمن تمويلاً هائلاً، تبلغ قيمته 52 مليار دولار، لإنتاج الرقائق الأمريكية.

استباق

وأفاد شادي بخور، رئيس وحدة التجارة بين المنشآت في «كانون» الشرق الأوسط، بأن جميع القطاعات المنتجة لإلكترونيات، عانت بعد جائحة «كوفيد 19»، من أزمة نقص إمدادات أشباه الموصلات، مشيراً إلى أن «كانون» تعاملت بشكل استباقي مع الأزمة، من خلال توزيع أشباه الموصلات المتوفرة على المنتجات التي يحتاجها المتعاملين بشكل مبكّر، وفقاً للطلبات المتوقعة التي يقومون بها بشكل اعتيادي في أسواق الإمارات والشرق الأوسط.

وأكمل: «تقدم «كانون» حلولاً في الطباعة، هي الأوسع على مستوى القطاع، وهذا ساعدنا بالطبع في تخصيص أشباه الموصلات، وبدأنا نشعر ببعض الصعوبات في الربع الأخير من العام الماضي، والربع الأول من هذا العام، لكن كان لدينا مخزون استطعنا من خلاله العبور خلال الأزمة، بل وكسب متعاملين جدد من شركات الطباعة المنافسة، التي كانت أكثر تأثراً، واليوم، هنالك تحسن بدأ منذ الربع الثاني».

شحن

وبحسب وكالة «إس آند بي غلوبال بلاتس» الأمريكية، المُتخصصة في البيانات المُتعلقة بالطاقة، فإن شحن حاوية واحدة سعة 40 قدماً من آسيا إلى أوروبا، بلغ 17000 دولار (12480 جنيهاً إسترلينياً)، في أغسطس الماضي، أي بارتفاع أكثر من عشرة أضعاف، بالمقارنة مع سعر شحن حاوية من نفس السعة في أغسطس 2020 (حوالي 1500 دولار، ما يعادل 1100 جنيه إسترليني).

وبحسب تصريحات حديثة، أدلى بها بات جيلسينجر، الرئيس التنفيذي لشركة «إنتل» لإنتاج رقائق ومُعالجات الحواسب، فإن أزمة أشباه الموصلات، قد تستغرق على الأقل عامين آخرين، قبل التوصل إلى حل نهائي لها.

وأدلى جيلسينجر بهذه التصريحات، بأبريل الماضي، في مقابلة مع شبكة «سي إن بي سي». وأوضح أن طول المُدة قبل الحل النهائي المُنتظر، يُعزى بالأساس إلى النقص في توافر أدوات رئيسة تدخل في تصنيع الرقائق، ما يُشكل عقبة في طريق الخطط الرامية إلى زيادة الإنتاج لمواكبة الطلب.

8 مصانع

وأكد أحمد إبراهيم، مدير تطوير الأعمال العالمية لمزودي الأعمال في «إنتل»، أن الأخيرة تولي أهمية قصوى للنقص الحاصل في أشباه الموصلات.

وقال: «أشباه الموصلات موجودة في معظم الأجهزة الإلكترونية، وبأعداد مختلفة. فنحن في «إنتل»، نصّنع الذواكر والأقراص الصلبة والرقائق، لدعم مختلف الصناعات، وكانت «إنتل» من أوائل الشركات في العالم، التي سارعت للتعامل مع الأزمة. فقمنا أخيراً بإعلان فتح 8 مصانع لتصنيع الرقائق، ليرتفع عدد مصانع الشركة إلى 21 مصنعاً في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا (في تايوان وماليزيا)».

إمدادات

وقال باتريك شاو، مدير قسم العلامة التجارية بشركة «فيفو» الشرق الأوسط، إن أزمة نقص أشباه الموصلات، عالمية، أثرت في أنشطة معظم الشركات التي تتمتع بحضور دولي، مشيراً إلى أن الشركة الصينية التي تعتبر ضمن أكبر ثلاث علامات في سوق الهواتف الذكية في الصين، تتمتع بسلسلة قوية من الإمدادات اللوجستية؛ بفضل النظام الاستباقي الذي تتبعه الشركة في مواجهة الأزمات والتحديات، وضمان تلبية توقعات المتعاملين.

وأضاف: «نسعى دوماً لإيجاد أفضل السُبل لمواجهة التحديات، منها نقص أشباه الموصلات، خصوصاً مع الأهمية التي يوليها المستخدمون لهواتفهم. وأعتقد أن العالم سوف يتجاوز هذه الأزمة بشكل كبير خلال 2023 أو 2024 المقبلين، خصوصاً أن معظم الشركات تعلمت دروساً في ضرورة التفكير والتحضير الاستباقي، لضمان أداء سلاسل الإمداد».

12 شهراً

فيما قال بيوتر اسدين تمبيسكي، مؤسس ومالك شركة «1 بيتسكويرد» الأمريكية، المتخصصة في إنتاج الأجهزة الإلكترونية، إنه حجز طلبية لشراء عدة آلاف من لوحات واجهات التواصل، المعروفة أيضاً باسم السطح البيني (interface)، التي تُعد مكوناً أساسياً في كافة الإلكترونيات، كونها المسؤولة عن إجراء الاتصال بينها وبين الحواسيب.

ولكن للأسف، فلن يتسلم تمبيسكي العديد من هذه اللوحات قبل 12 شهراً من تاريخ حجز الطلبية، إن لم يكن أطول من ذلك. وتابع تمبيسكي: «لا يُمكنك تجميع لوحات السطح البيني، ثم تكتشف أن هناك لوحة منها ناقصة، فلن تعمل المنظومة بكاملها في هذه الحالة».

أسباب فنية «عقّدت» الأزمة

صناعة الرقائق ضارة بالمناخ والبيئة !

طباعة Email