حددت دراسة ميدانية، أصدرتها مجموعة عمل مصنعي الأغذية والمشروبات، المنضوية تحت مظلة غرفة تجارة دبي، 10 ممارسات لمتاجر التجزئة الكبرى، تشكل تحدياً لصناعة وتجارة الأغذية والمشروبات، وتسهم في ارتفاع تكاليف وأسعار المنتجات الغذائية، بالنسبة للمصنعين والمستهلكين، وتضاف هذه الممارسات إلى ارتفاع تكاليف المدخلات، وأسعار السلع الغذائية الأولية، واضطراب سلاسل الإمدادات العالمية، وزيادة أسعار الوقود.

وعملت الدراسة، التي حصلت «البيان» على نسخة منها، على تحليل كافة التحديات التي تواجه صناعة الأغذية والمشروبات، وسلطت الضوء، على ما تراه مواقع الخلل في آليات العمل، ومن ضمنها السياسات التي تتبعها متاجر التجزئة الكبرى.

كما تقدم دراسة مجموعة عمل مصنعي الأغذية والمشروبات، رؤية لإنعاش القطاع، تشمل حلولاً واقتراحات، مع استعراض أفضل الممارسات العالمية، والتي يمكن الاستفادة منها في تطوير الآليات الناظمة للقطاع، فضلاً عن مقترحات لتغيير آلية الرقابة على أسعار الأغذية، بما يصب في مصلحة الصناعة والمستهلك.

آليات السوق

ففي ما يتعلق بآليات العمل في سوق التجزئة المحلي، رأت الدراسة، أن متاجر التجزئة الكبرى، تتحكم بالسوق، إذ تستحوذ مجموعتان من متاجر التجزئة الكبرى بسوق التجزئة، على ما يقارب 50 % من السوق، كما تزداد قوتهما بمرور الوقت، من خلال الممارسات الضاغطة على المصنّعين، بحسب الدراسة، ومع إضافة منافذ أخرى، يكون هناك 5 سلاسل للتجزئة تستحوذ على 70 % من سوق الأغذية والمشروبات.

ولفتت الدراسة إلى أن تلك الممارسات لم تعد حكراً على أكبر مجموعتين، بل تبنتها أيضاً متاجر تجزئة متوسطة وكبيرة أيضاً، وقد أدى تعاقب هذه الممارسات، والزيادة المستمرة في الضغوط، إلى تكبد المصنّعين والموردين للخسائر.

وأشارت الدراسة إلى أن تركز حصة سوق التجزئة لدى عدد من السلاسل الكبرى بهذا الشكل الكبير، يمنحها أفضلية تفاوضية غير مسبوقة أمام الموردين والمستهلكين. وأكدت أن التركز بهذا الشكل، يؤثر في أصحاب المصلحة الرئيسين الآخرين، إضافة إلى الموردين والمستهلكين.

احتكار

وفي تصريحات لـ «البيان»، تعليقاً على الدراسة، قال صالح لوتاه رئيس مجلس إدارة مجموعة عمل مصنعي الأغذية والمشروبات: إن جميع المنتجات المصنعة محلياً أو المستوردة، تعاني ممارسات احتكارية من قبل منافذ التجزئة الكبرى، الأمر الذي أدى إلى وصول أسعار المواد الغذائية في الأسواق المحلية، إلى مستويات مرتفعة، بالرغم من منظومة الرقابة على الأسعار المعمول بها حالياً، حيث تتجه الأنظار والضغوط دائماً، إلى المصنّع والمورد والموزع، وليس إلى منافذ التجزئة، التي لا يتم النظر في الرسوم والتكاليف التي تفرضها على مورديها، وبالتالي، تجني النسب الأكبر من الأرباح على حساب المصنّعين والموردين.

وأضاف: تبتكر سلاسل التجزئة الكبرى في تسميات المصروفات المضافة على المنتجات، والتي يتحملها المصنّعون والموردون، والتي تسمى «الهامش الخلفي»، فتارة يفرضون رسوم افتتاح متجر جديد، أو رسوماً لتمويل حملات ترويجية، ما يشكل ضغوطاً إضافية ومستمرة على الموردين الذين يجنون أصلاً هوامش ربح ضئيلة، ما يدفعهم إلى رفع الأسعار التي يتحملها المستهلك النهائي. فمتجر التجزئة يحقق هوامش ربح تتراوح بين 30 % و40 %، وتصل في بعض الأحيان إلى 50 % و58 %، حسب فئات المنتجات.

وطالب لوتاه الجهات المعنية، بفحص ومراجعة المصاريف التي تفرضها منافذ التجزئة على الموردين، وتحديد هوامش ربح معقولة لها، لمنع ارتفاع السعر النهائي للمستهلك إلى مستويات كبيرة، وفق آليات شبيهة بتلك المعتمدة في حماية المستهلك ومراقبة الأسعار، والتي تحد من قدرة الموردين على رفع الأسعار، بحيث يتم فحص العقد المبرم بين المورد ومنفذ التجزئة، والاتفاق على نسب الربح وتكاليف «الهامش الخلفي»، التي تفرضها على الموردين، ومن شأن هذه الإجراءات، في حال تطبيقها، أن تصب في صالح المستهلك بالنهاية، فضلاً عن دورها في دعم رواد الأعمال المواطنين، والشركات الإماراتية الصغيرة والمتوسطة، العاملة في قطاع الأغذية والمشروبات، بحيث تكون بيئة العمل في السوق محفزة للنمو والازدهار، وغير طاردة للموردين والشركات، بسبب ارتفاع التكاليف والمصروفات.

10 ممارسات

وحددت دراسة مجموعة عمل مصنّعي الأغذية والمشروبات، الممارسات التي تنتهجها منافذ التجزئة الكبرى، في ما يلي:

1 فرض رسوم إدراج باهظة، مقابل السماح بالعرض على رفوف منافذ البيع، ما يؤدي إلى تحمّل المورد تكلفة إضافية، وتعرضه إلى حد كبير لمخاطر التخزين التي ستقع على عاتقه.

2 التهديد بإلغاء الإدراج، إذا رفض الموردون التكاليف المرتفعة التي تفرضها متاجر التجزئة، وتؤثر هذه الممارسة في الموردين، من خلال دورها في ارتفاع درجة عدم اليقين التجاري، وعدم القدرة على تخطيط الأعمال، وانعدام القدرة التفاوضية، وتكبد خسائر كبيرة، في ما يتعلق بحجم التعاملات.

3 دفع رسوم الوصول للمستهلك، لمجرد الحصول على حصة عادلة من الرفوف والعرض في المتجر، وهو ما يشكل للموّرد إنفاقاً تجارياً غير ضروري، كما يتحمل وحده المخاطر التجارية، بينما متاجر التجزئة لا تتحملها.

4 فرض تكاليف للدعم التسويقي لأغراض التسويق، وافتتاح المتاجر والتجديدات، والعروض الترويجية لمتاجر التجزئة والتغليف، ما يؤدي إلى تحمل المورد تكاليف إضافية، دون الحصول على أرباح متكافئة، وتحمله أيضاً مخاطر مبادرات متاجر التجزئة.

5 استقطاع الخصومات كنسبة مئوية من إجمالي مبيعات السلع، واستخدامها من قبل متاجر التجزئة، لإدارة ربحيتها الخاصة، ما يشكل تكاليف إضافية على عاتق المورد، دون أن يحظى بأرباح متكافئة، فضلاً عن تحمله لمخاطر مبادرات متاجر التجزئة.

6 تحمل المورد تكلفة إرجاع المنتجات، والتي تشمل أيضاً الأطعمة الطازجة القابلة للتلف، ما يؤدي إلى تحمل المورد تكلفة ومخاطر أخطاء التنبؤ لمتجر التجزئة.

7 تأخر دورة المدفوعات، الأمر الذي يؤثر في التدفقات النقدية للمورد، ويفرض عليه تكاليف تمويل إضافية، ويعرّضه لحالة عدم اليقين بشأن الدخل.

8 التغييرات المستمرة في الاتفاقيات، والتي تعدل أحياناً بأثر رجعي، لإدارة ربحية متاجر التجزئة، كما يحدث في الخصومات، على سبيل المثال، ويؤدي ذلك إلى تحمل المورد تكلفة مخاطر أخطاء التنبؤ لمتجر التجزئة، والتأثير في التدفقات النقدية للمورد، كما يشكل تكاليف تمويل إضافية، ويعرض المورد لحالة عدم اليقين بشأن الدخل.

9 عدم وجود مراقبة للأسعار، حيث تتغير أسعار البيع تغيراً كبيراً، وأحياناً تصبح أقل من سعر التكلفة، ما يؤدي إلى الإضرار بقيمة العلامة التجارية، وتصور المستهلك للمنتج، والتأثير في التدفقات النقدية للمورد، وعدم اليقين بشأن الدخل، كما يمكن أن يؤدي إلى مطالبة متاجر التجزئة المتنافسة بأسعار أقل.

10 تشجيع العلامات التجارية الخاصة «برايفت ليبل»، من خلال دفع العلامات التجارية الأصغر، إلى الخروج من السوق، وتبني سياسة التقليد المغلف، وبدء منافسة سعرية، ويؤدي ذلك إلى انخفاض حجم التعاملات والربحية، والوصول إلى المستهلك، وضياع حقوق الملكية وقتل الابتكار.

آثار سلبية

وأشارت الدراسة إلى أن تلك الممارسات، تؤثر بشكل بالغ في مكونات السوق، وتتجسد الآثار في ما يلي:

-1 تشكيل عوائق أمام دخول شركات ومنتجات جديدة إلى السوق.

-2 تراجع قيمة العلامة التجارية، بسبب تقلبات الأسعار، وإساءة استخدام العروض الترويجية.

-3 يسبب الإغراق المفرط للأسواق بالمنتجات غير المنظمة، كالعلامات التجارية الخاصة «باريفت ليبل»، والواردات الرخيصة.

-4 إحداث تغييرات مستمرة على الشروط والأحكام التعاقدية، بما يخدم مصالح متاجر التجزئة وحدها دون غيرها.

-5 إطالة أمد دورات المدفوعات، ويخفض التدفقات النقدية، فضلاً عن سياسة الإرجاع غير الصحية.

تبعات

وأوضحت الدراسة، انعكاسات تلك الممارسات، مع تحديد تبعات كل منها على المستهلك، ففي ما يعاني المورد والمصنّع من صعوبة الحصول على أسعار عادلة، يعني ذلك بالنسبة للمستهلك، التأثير في حجم المنتجات المعروضة، والتأثير المحتمل في الجودة، بسبب الضغط على الشركات لتقليل التكاليف.

وفيما تُفرض على المورد تكاليف تجارية إضافية، ما يعني بالنسبة للمستهلك أنه، وعلى المدى الطويل، ستؤدي تلك التكاليف إلى زيادة الأسعار والتضخم، مع وصول الموردين إلى نقطة ضاغطة، وعلى المدى القصير، ستسبب ارتفاعاً في الأسعار عند متاجر التجزئة الأصغر، كما ستقلب الخيارات المتاحة أمام المستهلكين، فضلاً عن خلق مخاطر أعمال بالنسبة لمتاجر التجزئة الأصغر.

وبينما يتحمل المورد مخاطر مبادرات متجر التجزئة، سينعكس ذلك بالنسبة للمستهلك، من خلال تقليل نوعية المنتجات، وانخفاض الجودة بسبب قلة التركيز على الابتكار، وخفض التكاليف، وانخفاض تمويل الاستثمار والعروض الترويجية.

أما التهديد بإلغاء إدراج منتجات المورد على الأرفف، فسيدفع المستهلك نحو العلامات التجارية الخاصة «باريفت ليبل»، ويؤدي إلى قلة الخيارات المتاحة للمستهلك، وانخفاض جودة المنتجات. وفيما تؤدي هذه الممارسات إلى ضياع حقوق الملكية الفردية بالنسبة للمصنّعين، فإنها ستزيد من ارتباك المستهلك، مع توافر المنتجات ذات التغليف المقلد، وتؤدي إلى تناقص نوعية المنتجات تناقصاً شديداً على المدى الطويل، كما أن عدم وجود مراقبة أسعار حقيقية، سيؤدي إلى عدم تمتع المستهلك بفوائد المنتج، مقابل التكلفة التي يدفعها، كما أن تلك الفوائد، سيتم استخدامها من قبل متاجر التجزئة وحدها لإدارة ربحيتها.

مثال توضيحي

وبحسب الدارسة، تمارس منافذ التجزئة ضغوطاً سعرية على مصنّعي وموردي الأغذية والمشروبات المحليين، وقامت الدراسة بعرض تفصيلي لآلية التسعير المتبعة من قبل منافذ التجزئة خصوصاً الكبرى، وأوضحت أن 58 % تقريباً من سعر المنتج الذي يدفعه المستهلك، يذهب إلى المتجر، فيما يبقى للمُصنّع 42 % فقط.

فعلى سبيل التوضيح، أوردت الدراسة مثالاً بأن المُصنع باع إلى متجر تجزئة منتجاً واحداً بقيمة 100 درهم، وهنا عادة ما تفرض متاجر التجزئة هوامش على سعر مشترياتها بنسبة تتراوح بين 15 % لغاية 20 % من السعر، الذي اشترته من المصنّع، ألا وهو 100 درهم، وبذلك يصل السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك في منفذ التجزئة 120 درهماً، يفترض أن يحصل المنفذ على 20 درهماً منها، فيما تعود الـ 100 درهم المتبقية إلى المصنّع، لكن لا يحصل ذلك في الواقع، إذ تفرض المنافذ رسوماً وتكاليف إضافية، يتم اقتطاعها من حصة المصنّع، وهي مرتبطة بتطوير الأعمال، وتسمى «هوامش السعر الخلفي»، وتشمل قيمة التنزيلات ورسوم «الوصول إلى المنتج»، و«ميزانية الترويج»، و«الدعم المؤسسي»، و«الدعم اللوجستي»، و«مسح البيانات»، والتي تشكل إلى جانب هامش ربح المنتج البالغ 20 %، أي 20 درهماً، ما يقارب 58 % تقريباً من سعر البيع النهائي، ويتبقى للمصنع 42 % فقط من قيمة السعر النهائي، الذي يدفعه المستهلك.

ولفتت الدراسة إلى تكاليف «هوامش السعر الخلفي»، أو «تطوير الأعمال»، التي تقتطعها المنافذ الكبرى، زيادة سنوية بنسبة تصل إلى 8 %، ما يؤدي إلى تركز الأرباح والفوائد في كفة تلك المتاجر، بينما لا يستفيد المصنّعون أو المستهلكون من الوضع الحالي.

«البيان» ترحب

ترحب «البيان» بنشر تعليقات وآراء منافذ التجزئة والجهات ذات العلاقة على نتائج الدراسة، التي تهدف إلى إيجاد حلول مشتركة، تسهم في تطوير آليات سوق تجارة وصناعة الأغذية، واستقرار الأسعار بما فيه مصلحة كافة الأطراف.