ﺍﻟﺒﻴﺎﻧﺎﺕ.. عصب الاقتصاد الجديد

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

لم تعد البيانات جزءاً من المستقبل فقط، إنما هي المستقبل نفسه، واليوم، يؤكد خبراء أن رؤية الإمارات ونهجها الاستشرافي المتعلق بتنويع الاقتصاد والاستفادة من القيمة الكبيرة للبيانات لصنع مستقبل أفضل، تجعلها من أوائل الدول على صعيد ريادة الاقتصاد المعرفي، مؤكدين أن البيانات هي عصب الاقتصاد الجديد.

وترجح دراسة حديثة لشركة ماكينزي أنه بحلول 2025 ستكون تدفقات العمل الذكية والتفاعلات السلسة بين البشر والآلات معيارية مثل الميزانية العمومية للشركة، وسيستخدم معظم الموظفين البيانات لتحسين كل جانب من جوانب عملهم.

يعّرف الخبراء ﺍﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﺒﻴﺎﻧﺎﺕ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ﺑﺄﻧﻪ اقتصاد ﻳﺘﻤﺘﻊ ﺑﺎﻟﻘﺪﺭﺓ ﻭﺍﻹﻣﻜﺎﻧﺎﺕ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﻊ ﺍﻟﺒﻴﺎﻧﺎﺕ ﻟﺘﺒﺎﺩﻟﻬﺎ ﻭﻣﻌﺎﻟﺠﺘﻬﺎ ﻭﺗﺤﻠﻴﻠﻬﺎ ﺑﺎﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ ﺧﻮﺍﺭﺯﻣﻴﺎﺕ ﺍﻟﺬﻛﺎء ﺍﻻﺻﻄﻨﺎﻋﻲ ﻭﺗﻌﻠﻢ ﺍﻵﻟﺔ ﺍﻟﻤﺘﻘﺪﻣﺔ، لتكون البيانات بذلك عصب الاقتصاد الجديد وعصب التحول الرقمي ونقطة ارتكاز جديدة بالنسبة للشركات، لتعزيز مكانتها في ﺍﻟﺴﻮﻕ، ﻭﻣﻮﺍﺻﻠﺔ ﺍﻟﻨﻤﻮ ﻭﺍﻟﺘﻮﺳﻊ، بل وتوليد ﺗﻘﻨﻴﺎﺕ ﻭﻧﻤﺎﺫﺝ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﺗﻤﺎماً ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺃﺣﺪ ﻳﺘﺼﻮﺭﻫﺎ، ﻣﺜﻠﻤﺎ ﺃﺩى ﺗﻮﻓﺮ ﺑﻴﺎﻧﺎﺕ ﻧﻈﺎﻡ ﺍﻷﻗﻤﺎﺭ ﺍﻻﺻﻄﻨﺎﻋﻴﺔ ﺇلى ﺍﻻﻋﺘﻤﺎﺩ ﻋﻠﻰ ﻧﻈﺎﻡ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﺍﻟﻤﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﻓﻲ ﻗﻄﺎﻉ ﺭﺳﻢ ﺍﻟﺨﺮﺍﺋﻂ ﺍﻟﻴﻮﻡ. ﺃﻣﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ فلم تعد ﻋﻤﻠﻴﺎﺕ ﺟﻤﻊ ﺍﻟﺒﻴﺎﻧﺎﺕ ﻭﺗﺒﺎﺩﻟﻬﺎ ﻭﻣﻌﺎﻟﺠﺘﻬﺎ ﻣﺠﺮﺩ ﺃﻧﺸﻄﺔ ﺟﺎﻧﺒﻴﺔ ﺗﺮﺗﺒﻂ ﺑﺈﻧﺘﺎﺝ ﺍﻟﺴﻠﻊ ﻭﺍﻟﺨﺪﻣﺎﺕ، ﺑﻞ يدرك الجميع اليوم ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻤﻀﺎﻋﻒ ﻟﻠﺒﻴﺎﻧﺎﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ، كما أن إنتاج وتوزيع واستهلاك البيانات الرقمية- اقتصاد البيانات- أصبح اليوم يقود التقدم السريع في التعلم الآلي، الذكاء الاصطناعي والأتمتة. وأصبح الأفراد والشركات يستخدمون البيانات لتقليل تكاليف البحث والمعاملات واتخاذ قرارات مدروسة وجعل مجتمعاتهم أكثر إنتاجية.

ويقول خبراء في تصريحات خاصة لـ«البيان»: إن البيانات أصبحت الوقود الجديد للاقتصاد، وإن السبيل لعبور الخمسين عاماً المقبلة في الدولة ستكون من خلال تمكين الأجيال من بناء اقتصاد معرفي حقيقي قائم على البيانات والابتكار والإبداع والعلوم الحديثة والتقنيات الجديدة والاستثمار في مهاراتهم، حيث تستثمر الجامعات والشركات في الإمارات بالفعل في علم البيانات المتطور.

وتكمن أهمية البيانات في كونها تدعم عملية اتخاذ القرارات والتخطيط الاستراتيجي بشكل مدروس. وتعتبر البيانات بصورة متزايدة من أهم الأصول المؤسسية، التي يمكن الاستفادة منها في اتخاذ قرارات أكثر استنارة متعلقة بالأعمال، وتحسين العمليات التجارية وتقليص التكاليف، وذلك بهدف تعزيز الإيرادات والأرباح.

ويضيف هؤلاء: إن مدى قدرة الإمارات ودول المنطقة على رفع سوية وحماية وإدارة البيانات، التي تتولد بشكل كبير كل يوم بكل كفاءة سيفسح المجال أمام التنويع الاقتصادي وتطوير المدن الذكية، مشيرين إلى أن حوالي 90% من البيانات المخزّنة لدى الشركات في الإمارات لا تزال بيانات مظلمة (غير مصنفة) ومكررة ومتقادمة أو عديمة الأهمية.

تحليل البيانات

ويعتبر التحليل الدقيق للبيانات عاملاً رئيسياً بحد ذاته، لا سيما أنّه يضمن تلبية متطلبات الامتثال من خلال منح الشركات القدرة على مراجعة وإدارة ضوابط الوصول إلى البيانات، كما يُتيح لها سجلات تدقيق تفصيلية، لتحديد الجهات التي وصلت إلى البيانات وتاريخ إجراء التعديلات عليها. ويُعتبر تمكين العقل البشري من الابتكار والتفكير الإبداعي أحد أهم الجوانب، التي يتميّز بها دور الإدارة الفعالة للبيانات في تعزيز عملية التحول الرقمي، ومن خلال الإدارة الفعالة للبيانات، سيتسنى للمختصين والمبتكرين تحسين إنتاجيتهم، والحد من تكاليف باقة واسعة من العمليات، ما سيسمح لهم بالمضي قدماً والانتقال إلى التحدي التالي.

ويؤكد خالد سالم، رئيس شركة ميتسوبيشي باور في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أهمية البيانات في دعم استراتيجيات التنويع والتنمية الاقتصادية في دولة الإمارات، وتمكين البحوث والتطوير، حيث تسعى الدولة حالياً إلى الانتقال من الاقتصاد القائم على النفط إلى اقتصاد تنافسي قائم على المعرفة. وأشار إلى أن البيانات التي تعتبر ركيزة التحول الرقمي أثبتت أهميتها في تعزيز قدرات الشركات وتوفير فرص لا مثيل لها في مجال تحسين نماذج التشغيل لديها، وتأسيس قطاعات اقتصادية ومجالات توظيف جديدة، وكذلك المساهمة في تعزيز الابتكار الذي يحسن إطار عمل القطاعات الرئيسية والاستخدام الفعّال للموارد المتاحة والإنتاجية.

وأضاف سالم: «على سبيل المثال، نعمل في «ميتسوبيشي باور»على تحسين التحكم في محطات الطاقة وتشغيلها وصيانتها باستخدام تقنية TOMONI، وهي تقنية قابلة للتخصيص تضم مجموعة حلول لمحطات الطاقة الرقمية تتيح للمستخدم القدرة على التحكم في تفاصيلها، والتي يتم تغذيتها بتحليلات متطورة للبيانات مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، وإنترنت الأشياء وبيانات تم جمعها على مدار عقود تخص التشغيل ومراقبة التوربينات. وقد مكّنت هذه التقنيات محطات التوليد بالفعل من تقليل تكاليف التشغيل والصيانة، وتحسين الكفاءة والموثوقية، وتوفير الدعم لتلبية أهداف الأداء البيئي».

حوافز استثمارية

وأكّد جورج توماس، الرئيس التنفيذي في شركة «بيناكل سمارت تكنولوجيز» ضرورة توفير الحوافز للقادة العالميين لقطاع البيانات لدفعهم للاستثمار في دولة الإمارات في مجالات التدريب والدعم التقني وغيرها. بالإضافة إلى نشر الوعي وإظهار التقدير بأهمية البيانات والجوانب ذات الصلة، بما في ذلك الأدوات والمنصات، من أجل خلق ميزة تنافسية، لافتاً إلى دور البيانات كذلك في خلق فرص أعمال جديدة لم تكن موجودة إطلاقاً من قبل، من خلال تشجيع تبني التقنيات المبتكرة. ويضيف: «نعتقد أن ﺗﻮﻓﻴﺮ الإمارات ودبي ﺑﻴﺌﺔ ﺣﺎﺿﻨﺔ لتبادل اﻠﺒﻴﺎﻧﺎﺕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻘﻄﺎﻋﻴﻦ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻭﺍﻟﺨﺎﺹ بشكل أوسع ﻣﻊ ﺗﻄﻮﻳﺮ ﻣﺒﺎﺩﺭﺍﺕ ﺧﺎﺻﺔ ﺑﻜﻞ قطاع ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ، ﻗﻮﺓ ﺩﺍﻓﻌﺔ ﻻﻧﻄﻼﻕ ﺍﻟﻤﻮﺟﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﺩﺑﻲ ﻟﺮﻳﺎﺩﺗﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ ﺍﻟﺒﻴﺎﻧﺎﺕ، ﻭﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻻﺳﺘﻔﺎﺩﺓ ﺍﻟﻘﺼﻮﻯ ﻣﻦ ﻗﻮﺓ ﺍﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﺒﻴﺎﻧﺎﺕ الجديد».

وقال نارين فيجاي، نائب الرئيس التنفيذي للنمو في شركة «لومينور»، إن الطلب يزداد بوتيرة متسارعة على خدمات إدارة وتحليل البيانات في الإمارات، خاصة من قبل قطاعات يأتي في مقدمتها التصنيع والتجزئة والخدمات المالية والمصرفية، إضافة إلى الشركات الخاصة، ضمن أقسام التسويق والمالية والترويج والتسويق.

وأضاف: «تلعب البيانات دوراً كبيراً في دعم تنويع الاقتصاد الإماراتي بلا شك نظراً لسرعة وتيرة التحول الرقمي في الدولة، فيما تتميز بنية مراكز البيانات في الإمارات بسعتها العالية وبتوفيرها مرونة هائلة للشركات وبقابلية التوسع والتدّرج، ما يعزز حجم سوق برمجيات تحليل البيانات بالدولة، الذي نتوقع أن يشهد نمواً بنسبة 20% عاماً تلو الآخر، حيث يبلغ عدد مستخدمي هذه الخدمات بالدولة 5 ملايين مستخدم حالياً. بالإضافة إلى ذلك، هناك فرص هائلة لنمو قطاع البيانات بالدولة، حيث تقوم الحكومة باستثمارات هامة لدعم اقتصاد المعرفة، كما أنها تشكل وجهة للمواهب في مجال علم البيانات، وتتمتع بقوة عمل واعية جداً، وشريحة واسعة متخصصة في علم البيانات، بما يتيح الوصول السهل للموارد البشرية والمواهب. علاوة على ذلك، لدى الإمارات رؤية واضحة ومحددة تجاه الاستفادة من البيانات، وبرأيي الشخصي، تحل الإمارات في المرتبة الثالثة عالمياً على صعيد الاقتصاد المعرفي بعد كل من سنغافورة وإستونيا».

وتابع: «هناك توجه من قبل الشركات في الإمارات للتركيز على المنتجات الجوهرية الخاصة بها، وتعهيد خدمات إدارة وتحليل البيانات لطرف خارجي، حيث أصبحت تتبنى استراتيجية واضحة للبيانات الخاصة بها، وهو ما يعزز هذه السوق ويجعل الدولة وجهة لمزودي خدمات إدارة وتحليل البيانات مثل شركة «لومينور»، حيث بدأت الشركات المحلية، انطلاقاً من تزايد مستويات الوعي لديها بفضل دعم الحكومة وتوجهاتها لبناء اقتصاد معرفي، تدرك أن البيانات من أهم الأصول بالنسبة لها، ما يحتّم بناء القيمة عليها. كما تتميز الدولة بواحدة من أفضل البنى التحتية للبيانات على مستوى العالم، حيث تستثمر الجامعات والشركات في الإمارات بالفعل في علم البيانات المتطور».

طباعة Email