تتجه الإمارات بخطوات واسعة نحو التنويع الاقتصادي، وتبنّت خلال الفترة الأخيرة مبادرات عدة لدفع عجلة التصنيع والانتقال بها إلى مستوى يحاكي النهضة في الدول الكُبرى. وجاءت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الإمارات والهند لتدعم هذا الاتجاه. واعتبر مستثمرون ورجال أعمال هنود يعملون في الدولة ان الاستثمار في الصناعة بالإمارات فرصة كبيرة نظراً لما تمتلكه الدولة من إمكانيات علمية ومالية تمكنها من تحقيق تقدم كبير في مختلف الصناعات.

وكان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، قد أطلق في مارس الماضي، مبادرة بهدف رفع مساهمة القطاع الصناعي من 133 إلى 300 مليار درهم خلال فترة العقد القادم بقيادة وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة.

واستطلعت «البيان» آراء أربعة من كبار المسؤولين التنفيذيين لدى أربع من كبريات الشركات الخاصة الهندية بالإمارات في حركة التصنيع التي تتبنّاها الدولة، واستشرفت معهم آفاق الطموح التصنيعي لدى الإمارات، حيث أجمعوا على أن طموح الإمارات في تحقيق نهضة صناعية هو طموح منطقي ويستند إلى إمكانيات حقيقية ملموسة على أرض الواقع. كما وصفوا رهان الإمارات على توظيف التقنية في تحقيق نهضتها الصناعية بأنه رهان ناجح يحمل في طياته آفاقاً واعدة للدولة وقطاعها الصناعي.

آفاق

وأكّد بهارات باتيا، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «كوناريس»، أن آفاق الصناعة في الإمارات لم تكن في أي وقت مضى أفضل مما هي عليه الآن، في ظل الدعم الحكومي لقطاع الصناعة، من مُنطلق إيمان الدولة بأهمية دور القطاع وبأنه العمود الفقري للاقتصاد العصري، كونه يجلب المواهب، الأفكار الجديدة، وقوة العمل الرئيسية، فضلاً عن تحفيز روّاد الأعمال على الالتزام طويل الأمد.

وقال باتيا: «يستأثر التصنيع الآن بنسبة تبلغ حوالي 9% من الناتج المحلي الإجمالي للإمارات. وسيواصل النمو في المستقبل، ذلك أن الأرباح الصافية المُتولّدة منه قد ارتفعت بنسب تتراوح بين 50 إلى 100% خلال السنوات القليلة الماضية».

وأضاف: «تمتلك الإمارات مزايا تنافسية عدّة في قطاع الصناعة. في البداية، يتوافر لدى الإمارات ما يزيد على 75% من البنية التحتية اللازمة لبناء نهضة صناعية قوية. وتمتلك الدولة أيضاً ميزتي الكُلفة التنافسية وسهولة مُمارسة الأعمال. ولكن الميزة التنافسية الأهم في رأيي لدى الإمارات هي القوة العاملة لديها، فلديها قاعدة عريضة من العمالة القادمة من كل أنحاء العالم، مع ارتفاع نسبة العمالة من شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا».

وتطرق باتيا إلى أهم الصناعات الواعدة في الإمارات، فقال: «باعتباري مُصنعاّ للحديد والصلب، استطيع القول إن هذه الصناعة تُعد واحدة من أفضل الصناعات في الإمارات. هناك أيضاً صناعة مُعالجة المواد الغذائية. واستشف أيضاً آفاقاً واعدة للصناعات المُتعلقة بالحاصلات الزراعية وأيضاً الصناعات التقنية خلال السنوات المُقبلة».

إمكانيات

ويرى نارين فيجاي، نائب رئيس المبيعات العالمية لدى «لومينور»، أن كل الإمكانيات العلمية والمالية مُتوافرة لدى الإمارات لتحقيق نهضة صناعية بالاستفادة من التقنية. وقال فيجاي: «إنني لعلى ثقة أن الإمارات تمتلك كل الإمكانيات العلمية والمالية اللازمة لتحقيق اختراقات كبيرة في توظيف التقنية في عملية التصنيع. لقد أثبتت الدولة بالفعل مدى تطلعها للمُستقبل ورغبتها بإجراء كل التغييرات المطلوبة للمنافسة اقتصادياً على مستوى عالمي. وتمتلك أكثر أسواق تقنيات المعلومات والاتصالات جاذبية في منطقة الشرق الأوسط. وثمّة مساعي حثيثة تتخذها الدولة حالياً لتعزيز توجهها صوب الرقمنة وتبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي وغيرها من التطبيقات التقنية الحديثة».

وتطرق فيجاي إلى اهتمام الإمارات بزيادة إنفاقها على تقنيات المعلومات والاتصالات، في سياق سعيها إلى رقمنة اقتصادها، فقال: «من المُتوقّع أن يرتفع حجم إنفاق الإمارات على تقنيات المعلومات والاتصالات بمعدل نمو سنوي مُركّب يبلغ 8% خلال الفترة بين عامي 2019 و2024، ليبلغ 23 مليار دولار في 2024».
 
نمو الصادرات

وأعرب عبد الجبار بي بي، العضو المُنتدب بمجموعة «هوتباك»، عن تفاؤله بنجاح الإمارات في مسعاها للنهوض بالتصنيع، فقال: «لا يتوقف حُكّام الإمارات عن إدهاش العالم بالعديد من الخطط التنموية الاستراتيجية بعيدة المدى، والتي من شأنها أن ترفع مكانة الإمارات بين الأمم. وأعتقد في هذا السياق أن الاستراتيجية الوطنية للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة ستقود الدولة إلى تحقيق نمو غير مسبوق في قطاعها الصناعي، كون هذه الاستراتيجية تُرسخ بروتوكولات تصنيعية جديدة وهوية صناعية مُوحّدة لضمان توافر معايير عالمية في الإنتاج الصناعي بالدولة».

وأضاف: «وأعتقد أن شعار «صُنع في الإمارات» سُرعان ما سيصبح مُرادفاً لمعايير في الجودة وخصائص لا تُبارَى. وأوقن أن «مشروع 300 مليار» سيحقق أهدافه مع الوقت وسيخلق فرصاً استثمارية عدة في قطاع التصنيع، وهو ما سيعزز بدوره المكانة الفريدة التي تحظى بها الإمارات كمركز اقتصادي عالمي رائد».

وتطرق بي بي إلى آفاق الصناعات غير النفطية بالإمارات، فأكّد أنها تشهد نمواً مُتزايداً، وهو ما يتجلى من واقع ارتفاع حجم صادراتها، فقال: «من واقع الإحصائيات المُتاحة، فقد سجلت الصادرات غير النفطية بالإمارات نمواً تبلغ نسبته 13.3% على مدار السنوات العشر الماضية، وهو ما يُشير إلى تقدم هائل على الرغم من الظروف العالمية المليئة بالتحديات التي سادت العالم خلال تلك الفترة».
 
تقنية

وبحكم كونه مسؤولاً قيادياً بارزاً في شركة تنشط في تقنية السحابة، اهتم د. كريستوفر ريتشارد، العضو المنتدب وكبير مُصممي الحلول السحابية لدى شركة «جي 7 سي آر تكنولوجيز»، بالحديث عن رهان الإمارات في طموحها التصنيعي على التقنيات فائقة الحداثة والمفاهيم والتطبيقات التقنية الثورية كالذكاء الاصطناعي، البيانات الضخمة، تعلم الآلة، وغيرها. ويؤكد د. ريتشارد أن هذا الرهان ناجح، ومن المُنتظر أن يؤتي بثماره المرجوة على المديين المتوسط والبعيد.

وقال د. ريتشارد: «تُعد الإمارات واحدة من أكثر الدول استنارة وتطلعاً إلى المستقبل على مستوى العالم. وتحظى الإمارات بعلاقات طيبة مع الجميع. وتتبنى الإمارات ثقافة العمل العالمية التي تحتضن جميع المواهب من كل أرجاء الكرة الأرضية. وعلاوة على ذلك، تحظى منطقة الخليج العربي عموماً ببنية تحتية مادية ورقمية بالغة التطور. وتتيح كل هذه العوامل الاجتماعية والاقتصادية مُجتمعة إمكانيات هائلة من شأنها إنجاح «مشروع 300 مليار». تنتشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة وغيرها من المفاهيم التقنية المُستقبلية على نحو مُتسارع في المنطقة. وتتفهم الشركات الناشئة وأيضاً المشروعات الصغيرة والمتوسطة بالمنطقة هذه الحقيقة وتُدركها جيداً. وعليه، ستتوجه كل الشركات من هذه الفئة بالمنطقة صوب الأتمتة والرقمنة في غضون العامين المُقبلين».

وأضاف: «تُعد خطة الإمارات لتأسيس 13500 شركة صناعية خلال السنوات المُقبلة بمثابة خارطة طريق مثالية لنهضة الصناعة بالدولة. وستمنح هذه الخطة زخماً لتوجه الدولة إلى المشروعات التي يجري تنفيذها بالشراكة بين القطاعين العام والخاص. كما تتيح هذه الخطة أيضاً فرصة عظيمة للشركات الأجنبية والمستثمرين للمُشاركة في نهضة الصناعة بالإمارات والاستفادة من ثمارها».