كثيراً ما يُنظر إلى الاستثمار على أنه «دون قلب»؛ حيث يسعى لتحقيق الربح بأي ثمن، وفي أي ظروف، وقد يكون ذلك صحيحاً كثيراً من الأحيان، لكن في المقابل، ظهر أخيراً ما يعرف بـ«الاستثمار الأخلاقي»، أو «الاستثمار المسؤول اجتماعياً»، وهو عملية استثمارية مبنية على أساس المبادئ الأخلاقية للمستثمر الذي يقوم باختيار أنواع الاستثمارات والأوراق المالية المتوافقة مع مبادئه الإنسانية، التي تُعدّ «السندات الخضراء» أحد أبرز نماذجها.
ويعود الاستخدام الأول لهذا النوع من الاستثمار إلى القرن الثامن عشر في الولايات المتحدة من قبل جماعة تسمى «الكويكرز»، التي منعت أعضاءها من الاستثمار في تجارة العبيد لمنافاتها القيم الأخلاقية والإنسانية، ومع بداية القرن العشرين أصبح الاستثمار الأخلاقي أحد الأسس المهمة للعمليات الاقتصادية بسبب نمو الفكر والتطور الاجتماعي.
ويقوم المستثمر من خلال الاستثمار الأخلاقي بتخصيص أمواله واستثمارها في الشركات التي تتوافق أنشطتها وقيمها مع معتقداته الشخصية، وتكون هذه المبادئ إما بيئية أو دينية أو سياسية، فقد يختار الكثير من المستثمرين عدم التعامل والاستثمار في صناعات محددة، مثل تجنب الأنشطة غير الأخلاقية كالقمار أو صناعة الكحول والسجائر والدخان.
سندات إسلامية
وفي منطقة الشرق الأوسط، لا يعد الاستثمار الأخلاقي مفهوماً جديداً، فالبحوث تشير في الحقيقة إلى أنّ تاريخ السندات الإسلامية (الصكوك) يعود إلى ما قبل 1300 عام، حيث بدأ التداول بأول أنواع السندات في مدينة دمشق، ولا يزال الاستثمار الأخلاقي يشكّل فرصة محفزة للمنطقة، بحسب ما أكده فؤاد نقولا طراد، رئيس منطقة الشرق الأوسط في مجموعة إندوسويس لإدارة الثروات.
يقول طراد في حديثه مع «البيان»: إن السنوات الأخيرة شهدت بدء ظهور وإصدار السندات والصكوك الخضراء في أبوظبي والدوحة والرياض، والواقع أن الكيانات الحكومية الإقليمية تدرك الفرص المتاحة في إطار التمويل القائم على معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، وهذا لا يقتصر على تحقيق أهداف صافي الصفر التي حددتها دول مجلس التعاون الخليجي فحسب، إذ إن الاستثمار في مجالات البيئة والمجتمع والحوكمة من شأنه أن يوفر مزيداً من السيولة في الأسواق الإقليمية بفضل توافقه مع مبادئ التمويل الإسلامي، كما أنّه يفتح المجال أمام فرص إضافية للنمو في المستقبل.
الاستثمار الأخضر
ويوضح أن هناك نقاطاً مشتركة عديدة بين التمويل الإسلامي والاستثمار الأخضر، إذ إن الإشراف المسؤول يأتي في صلب أنشطة التمويل المتوافق مع الشريعة الإسلامية والمرتكز على معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات على حد سواء، لا سيما وأن تطبيق هياكل متينة في مجال الحوكمة هو ضرورة أساسية لترسيخ الالتزام بالمتطلبات التنظيمية، بالإضافة إلى ذلك فإن المبادئ التي تبناها مديرو الصناديق العالمية بقيت نافذة لفترة طويلة في مجال التمويل الإسلامي.
ويشير إلى أن الأصول المتوافقة مع الشريعة الإسلامية تتمتع بمزايا تنافسية على الساحة العالمية، فبحسب وكالة التصنيف العالمية ستاندرد أند بورز، من المتوقع نمو التمويل الإسلامي بين 10 إلى 12% خلال العامين 2021-2022.
ويتوقع المحللون أن يتم إصدار بين 140- 155 مليار دولار من الصكوك هذا العام.
وشهدت الفترة الممتدة بين أبريل حتى يوليو من 2021 أداءً قوياً للتمويل الإسلامي في السعودية وعُمان، وبالتالي فإنّ التمويل الإسلامي لا يضاهي في أهميته التمويل في مجالات الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات فحسب، بل هو قطاع عالمي قوي وراسخ.
ويستدرك فؤاد نقولا طراد قائلاً: «لا بد أيضاً من تسليط الضوء على النظام الإيكولوجي الحيوي الذي يشكل حجر الأساس للتمويل الأخضر داخل أسواق مجلس التعاون الخليجي، فإذا توفرت ظروف مواتية للتمويل الأخضر في السوق الإقليمي، فإنّ هذا النوع من التمويل مناسب بدوره للمنطقة».
ويتابع: «في الواقع، من الممكن أن يسهم نمو فئات جديدة من الأصول في توفير قدر أعظم من السيولة في أسواق دول مجلس التعاون الخليجي. كما أن تعزيز السيولة في الأسواق يشكل هدفاً ثابتاً للحكومات الإقليمية. وقد سلّطت حكومة دبي الضوء على هذه الأهمية في نوفمبر الماضي، مع إعلانها إدراج عشر شركات حكومية وشبه حكومية في سوق دبي المالي. ومن شأن هذه الخطوات أن تزيد سيولة الأسواق إلى جانب المساهمة في استقطاب المزيد من المستثمرين العالميين.
نمو هائل
ويجيب رئيس منطقة الشرق الأوسط في مجموعة إندوسويس لإدارة الثروات عن سؤال حول كيفية مساهمة السندات الخضراء في تعزيز السيولة في الأسواق قائلاً: «أولاً: من خلال النمو الهائل المتوقع في هذا القطاع، والذي يشير إلى سيولة الأصول، وثانياً: من خلال عولمة سوق الأصول، فقد تم إصدار السندات الخضراء بـ32 عملة مختلفة، بما في ذلك الكرونة السويدية والين الياباني والدولار الكندي».
ويضيف طراد: «بالنسبة إلى أسواق مجلس التعاون الخليجي تحديداً، تعتمد زيادة السيولة على عاملين من عوامل قوة. أولاً: زيادة قدرة المستثمر على تحمّل المخاطر، وثانياً: إمكانية الوصول إلى السوق. ومع توفر المزيد من الخيارات، برزت طرق إضافية أمام المستثمرين للوصول إلى السوق، وبذلك تزداد فرص زيادة حجم التداول».
ويشير طراد إلى أن الأداء الاستثنائي للسندات الخضراء منذ إصدارها الأول هو دليل على حجم هذا الطلب، فقد توسع سوق السندات الخضراء من 1.48 مليار دولار في عام 2007 إلى 650 مليار دولار في عام 2021 بالتوازي مع التوقعات، ويدل هذا الأداء الاستثنائي على الطلب المتنامي على أدوات الاستثمار الأخلاقي.
مشاريع بيئية
ويضيف أن السندات الخضراء لا تقتصر على تمويل المشاريع البيئية فحسب، لا سيما وأنّ إمكانات نموّها تفوق التوقعات، ويتم تداولها ضمن مجموعة واسعة من الأسواق العالمية، كما أن الطلب الدولي عليها آخذ في الارتفاع. وتوفر هذه الفئة من الأصول فرصاً خصبة لتعزيز السيولة في السوق الإقليمي.
ويستدرك قائلاً: «النمو في قطاع التمويل الأخضر لا يشكل فرصة للمنطقة على المدى القريب فحسب، ولا سيما أن تركيز المستثمرين في المستقبل سينصب على المعايير البيئية عند تقييم الأسواق، كما يشكّل جيل الألفية حالياً، أي الجيل المولود بين العامين 1981 و1995، شريحة واسعة من المستثمرين العالميين. ومن المرجح أن تستثمر هذه الشريحة ضعف حجم الاستثمارات الحالية في صناديق تركز على المعايير البيئية أو المجتمعية، مقارنة مع باقي الفئات من المستثمرين». ويرى طراد أن الجيل المولود منذ عام 1996 وما بعده سيشترك مع جيل الألفية في التركيز على التمويل الأخلاقي، ومن المتوقع أن تشكل هذه الفئات التي تمثل حالياً أكثر من ثلث سكان العالم، قوة سوقية هائلة في المستقبل.
حوكمة اجتماعية
ويختتم فؤاد طراد: «بالنسبة إلى أسواق مجلس التعاون الخليجي، فإن تركيز هاتين الفئتين من المجتمع على معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات هو أمر باعث على الاهتمام، والواقع أن المراكز المالية في دبي، والرياض، والدوحة، وأماكن أخرى هي فرص واعدة، كونها قادرة على استقطاب هذا الجيل الجديد نحو مسيرتها الاستثمارية الطويلة الأمد، فضلاً عن تعزيز وتحفيز أسواق رأس المال الإقليمية على مدى العقود المقبلة، كما أن الإخفاق في استقطاب الاستثمارات من هذه الفئات من المستثمرين سيؤدي إلى إضعاف فرص السوق في المستقبل، لذا فإن دعم الاستثمار الأخضر سيسهم في تعزيز أداء الأسواق الإقليمية».
