قال محمد صالح، الرئيس الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا في شركة البرمجيات الأمريكية «أوتوديسك»، إن التقنية داعم أساسي لفرص النمو المستقبلي لقطاع البناء في الإمارات، التي لا تدّخر جهداً في مساعيها في ريادة «رقمنة» القطاع على مستوى المنطقة، عبر استخدامها أحدث التقنيات المتوفرة في تشييد مشروعات استراتيجية مهمة في الدولة.

وأكد في حوار خاص مع «البيان»، أن التقنيات الرقمية اليوم تُعد جزءاً لا يتجزأ من النمو المستقبلي لقطاع البناء، مشدّداً على أهمية دعم الشركات لنمو تلك التقنيات من خلال الاستثمار في التحوّل الرقمي، وكذلك تحسين مهارات القوى العاملة وصقل مهاراتهم بهدف قيادة هذا التغيير، الذي سوف يؤدي في النهاية إلى أعمال وصناعة أكثر مرونة، لافتاً إلى أن «الرقمنة» توفّر على قطاع البناء بأكمله حوالي 20% من التكاليف الحالية.

وأوضح أن السنوات الماضية شهدت نمواً في مشروعات البناء من حيث الحجم والتعقيد، ما أدى إلى حاجة الشركات وأصحاب المصلحة للعمل معاً عبر مناطق جغرافية وزمنية مختلفة. وفي قطاعٍ كان إلى وقتٍ قريب تقليدياً وبطيئاً في اعتماد «الرقمنة» وأساليب البناء المستقبلية، أتت جائحة «كورونا» لتُسلّط الضوء على أهمية «الرقمنة» وتكّيف القوى العاملة،.

وسرّعت عملية التحوّل الرقمي في قطاع البناء في الإمارات والمناطق حولها. كما أظهرت الاضطراب الناجم عن «كوفيد 19» والكم الهائل من الوقت والمال والطاقة المفقودة؛ بسبب ممارسات البناء المُهدرة، حتى قبل الجائحة، كانت مزايا «الرقمنة» واضحة ومثبتة. نتيجةً لذلك، كانت الشركات التي مضت بالفعل في طريقها نحو التحوّل الرقمي في وضعٍ أفضل بكثير من حيث استكمال المشروعات في الوقت المناسب وبثقةٍ أكبر.

«نمذجة» المعلومات

وأفاد صالح بأن تقنياتٍ مثل «نمذجة» معلومات البناء (BIM)، والذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والتوائم الرقمية، تلعب دوراً مهماً في قطاع البناء في الإمارات. إذ تم استخدام تقنية «نمذجة» معلومات البناء في عددٍ من المشروعات الكبرى مثل مطار آل مكتوم الدولي، ونخلة جميرا، ومتحف المستقبل بدبي، ومعرض «إكسبو 2020» وغيرها.

وتدعم هذه التقنيات الجديدة الفرق العاملة طوال فترة المشروع، بدءاً من التصميم وصولاً إلى البناء والعمليات. كما تلعب هذه التقنيات دوراً محورياً في المشروعات الرئيسة في أنحاء الإمارات، لتثبت أنها مفيدة جداً في مساعدة الدولة على تحقيق رؤيتها طويلة المدى، من خلال تعزيز وتيرة وجودة المشروعات، التي يتم بناؤها لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

تعزيز الابتكار

وأوضح أن «الرقمنة» تُساعد شركات البناء على الابتكار وخلق إمكانياتٍ جديدة في التصميم والبناء. ويُعتبر متحف المستقبل بدبي، أحد أبرز الأمثلة على ذلك، كونه يُعد أحد أكثر المشروعات تعقيداً في العالم، فمع شكله الذي يُوحي بأنه عائم في الهواء، وزخارف الخط العربي التي تُغطي جميع نوافذه، والتشطيبات والألوان التي تعطي شعور الفضاء، يُعد من أكثر المباني تعقيداً على الإطلاق.

فقد تم تصميم متحف المستقبل من قبل شركة «كيلا ديزاين»، وهو يأخذ الشكل الدائري البيضاوي بلونٍ فضيٍ لامع مع فتحة كبيرة في وسطه، ويبدو المبنى وكأنه نفاذة على المدينة المتنامية، الأكبر في الإمارات.

وبالطبع، لم يكن تنفيذه ممكناً لولا تقنية نمذجة معلومات البناء وتبني طريقة سير عمل رقمية مطورة بالكامل، الأمر الذي ساعد المهندسين المعماريين على إنشاء وتصميم مظهره الأيقوني مع تصورات واقعية ثلاثية الأبعاد، ثم تم استخدام تقنيات البناء التوليدية لجعلها حقيقة واقعة.

تنقل هذه التقنيات الشركات من العمليات الورقية إلى النموذج الرقمي بالكامل، ويؤدي تحول الشركات لنظام سير عمل رقمي متكامل إلى تحسين سرعة وجودة العمل، مع تشجيع التعاون من خلال الحلول السحابية، والقدرة العالية على ابتكار حلول المشكلات المُحتملة في وقتٍ مبكر.

جهود إماراتية

وأكد الرئيس الإقليمي في «أوتوديسك»، أن الإمارات تعزّز جهودها لـ«الرقمنة» بالقطاع، حيث تم اعتماد تقنية «نمذجة» معلومات البناء لأول مرة من قبل بلدية دبي عام 2013، والآن يستخدم عددٌ متزايد من الشركات المحلية هذه التقنية في المشروعات.

كما كثفت الدولة استخدام هذه التقنية في عددٍ من المشروعات بين عامي 2008 و2014. في حين فرضت المشروعات الكبرى مثل مطار آل مكتوم الدولي ونخلة لجميرا و«إكسبو 2020»، استخدام «نمذجة» معلومات البناء ثلاثية الأبعاد، وتم تحديثها لاحقاً لتصبح رباعية الأبعاد.

ووفقاً لاستبيان شركة «ميد» لصناعة البناء في 2011، فإن 38% من المشاركين يستخدمون التقنيات الرقمية المتقدمة في ربع مشروعاتهم فقط، فيما يستخدم 2% هذه التقنيات في أكثر من 75% من المشروعات.

وأضاف أنه على الرغم من التقدّم الذي أحرزه القطاع حتى الآن، لا يزال هناك الكثير مما يجب القيام به. تُعد التقنيات الرقمية جزءاً لا يتجزأ من النمو المستقبلي لقطاع البناء، ومن المهم للشركات دعم نمو هذه التقنيات من خلال الاستثمار في التحوّل الرقمي، وكذلك تحسين مهارات القوى العاملة التي من شأنها قيادة هذا التغيير الذي سيؤدي في النهاية إلى أعمال وصناعة أكثر مرونة.

الاستراتيجية الناجحة

وأشار صالح إلى أن استراتيجية التحوّل الرقمي الناجحة تتكون من 5 عناصر هي: الأجهزة والبرامج والبيانات والعمليات والقوى العاملة. وقد يكون الجانب التكنولوجي هو أبسط جزء من عملية التحوّل، بينما يُعتبر العنصر البشري، الأصعب والأكثر تأثيراً.

ومن هنا، تكمن أهمية قدرة القوى العاملة على التكيّف، وبالتالي تمكين الشركات من الاستفادة من كامل الإمكانات للتقنيات التي تتبناها، موضحاً أن العمليات الرقمية تقود تغييراً كبيراً على جميع الأصعدة في سوق العمل.

ففي صناعة البناء مثلاً، يستخدم المقاولون الذين كانوا يعتمدون في السابق على الورق لتتبع جداول الفريق، حلول «أوتوديسك كونستركشن كلاود» السحابية؛ لجمع تقارير تقدّم العمل في الوقت الفعلي، ما يُمكّنهم من الحفاظ على مُضي المشروعات في مسارها الصحيح حتى تغيّر الظروف.

ومع استمرار إدراج تقنيات التشغيل الآلي، سوف تتغير الأدوات التي يستخدمها الأشخاص، والمهام التي يؤدونها بالاستعانة بها.

لذا، يجب على الموظفين الآن صقل مهاراتهم وإعادة ابتكار قدراتهم طوال مسيرتهم المهنية، لاكتساب مهاراتٍ جديدة تساعدهم على التكيّف مع عالمٍ يتجه سريعاً نحو الآلية. وقد أشار تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي أن نصف الموظفين سوف يحتاجون إلى إعادة صقل وتطوير مهاراتهم بحلول 2025.

مساكن معيارية

وبيّن الرئيس الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط في «أوتوديسك»، أن صناعة البناء تحتاج إلى تبني عقلية جديدة تُجاري المستقبل، وتُمكن الموظفين وتُعدّهم لمستقبل العمل من خلال تبني التقنيات الجديدة. ويُعد عمل «أوتوديسك» مع عميلها «فاكتوري أو إس» خير مثالٍ على ذلك.

حيث يقوم الأخير ببناء مساكن للأسر المتعددة من خلال الاستعانة بنموذج بناء صناعي يقوم بالأساس على بناء مساكن معيارية على خط إنتاج المصنع. إذ تُعتبر هذه التقنية سريعة وفعّالة من حيث التكلفة، وتُساعد في معالجة أزمة الإسكان، كما تفتح أبواب صناعة البناء أمام الموظفين الذين لا يتم تمثيلهم بشكلٍ جيد، مثل النساء.

جودة وكفاءة

وذكر أن الحكومات يمكنها لعب دوراً استباقياً من خلال تشجيع التحوّل الرقمي، وزيادة الوعي بأهمية ذلك، وتحفيز النقاش والحوار حول هذا الموضوع، وجمع أصحاب المصلحة معاً لمعالجة ما قد يُقابل عملية التحوّل من مشاكل وعقبات بشكلٍ جماعي.

ووجدت دراسة لـ«ميد» أنه حتى في الإمارات، التي يُنظر إليها على أنها رائد إقليمي في التحوّل الرقمي في مجال البناء، فإن 18% من المشاركين في الاستبيان صرّحوا بأنهم أنشأوا واعتمدوا تقنية «نمذجة» معلومات البناء في معظم المشروعات في السوق.

لذا، من الضروري تعزيز معدلات تبني التكنولوجيا في المنطقة نظراً لمزايا الكفاءة والجودة والاستدامة والسلامة التي يُمكن تحقيقها عن طريق رقمنة البناء.

كما ستكون هناك حاجة إلى مزيد من التوعية والتعليم المستمر، ويُمكن تحقيق ذلك من خلال الانخراط والتعاون مع أصحاب المصلحة مثل الحكومات وقادة الصناعة والمقاولين والموردين، في الفعاليات والمبادرات في مجال الصناعة، ومنتديات التواصل بين الأقران، ومشاركة أفضل الممارسات التي تعرض أفضل الابتكارات المُطبقة في قطاع البناء والتشييد.

تحسين الأداء

وقال صالح: إن هناك أمثلة عديدة لشركاتٍ تعمل في صناعة البناء واستفادت من تحوّلها الرقمي. بعض الأمثلة من المنطقة تشمل شركة «القرق للاستشارات» في دبي، التي أعدّت أنظمة تكنولوجيا المعلومات لديها لاستيعاب العمل عن بُعد لمعظم موظفيها.

«في الواقع، تمكنت الشركة من تمكين أكثر من 90% من الموظفين لديها من العمل من المنزل قبل أسبوعين من بدء البرنامج الوطني للتعقيم وتقديم إرشادات العمل من المنزل خلال فترة الجائحة.

بينما استغنت عن العمليات، التي تعتمد على الورق وتبنت مكانها العمليات القائمة كلياً على النماذج الرقمية. ومن خلال الانتقال إلى نهج عمل رقمي بالكامل، حسّنت الشركة سرعة وجودة عملها، وعززت سُبل التعاون بين موظفيها والجهات الخارجية، والقدرة على حل المشكلات المُحتملة في وقتٍ مبكر.