يحظى قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية برعاية واهتمام كبيرين، نظراً إلى دوره الفاعل الذي يلعبه في دعم الناتج المحلي الإجمالي عبر زيادة حجم الإنتاج السلعي والخدمي، والمساهمة في تعزيز النمو الاقتصادي، وتوفير فرص العمل المنتجة، وتنشيط دورة الدخل محلياً.
وأكد المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في دورته الأخيرة (قمة السلطان قابوس والشيخ صباح)، على أهمية الاستمرار في دعم وتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إيماناً منه بدورها الحيوي ومساهمتها في اقتصاديات دول المجلس وذلك في البيان الختامي الصادر عن القمة 5 يناير 2021.
أهمية القطاع
وتشهد دول مجلس التعاون تحولات ديموغرافية وارتفاعاً في النمو السكاني يشكل فيه الشباب ممن هم دون 35 سنة أكثر من نصف السكان، وبالتالي تواجه حكومات هذه المجتمعات الشابة تحدياً في توفير فرص عمل ملائمة لمواطنيها، ومن شأن خطط دعم قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تتوافق مع الرؤى الاقتصادية لهذه البلدان، أن توفّر الوظائف اللازمة ودعم دور القطاع الخاص كمحرك للاقتصاد والتنويع الاقتصادي.
وتهيمن المشروعات الصغيرة والمتوسطة على مشهد العمل التجاري، إذ يمثل هذا القطاع أكثر من 90% من مجموع مؤسسات الأعمال في المنطقة، ويساهم في بعض البلدان بنسبة تصل إلى 50% من عمليات التوظيف و70% من إجمالي الناتج المحلي. وعلى سبيل المقارنة، تبلغ حصة مساهمة المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي حوالي 40% في الاقتصادات الناشئة، و50% في الاقتصادات ذات الدخل المرتفع، و53% في الإمارات.
وبحسب منظمة العمل الدولية، تعتبر المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر مسؤولة عن أكثر من ثلثي الوظائف في أنحاء العالم، عدا عن أنها تستأثر بأغلبية عمليات استحداث الوظائف الجديدة. وتُسهم هذه المنشآت، في معظم بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD) بأكثر من 50 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتُشير بعض التقديرات العالمية إلى أن هذا الرقم يصل إلى 70 %.
تنويع اقتصادي
وانطلاقاً من الخطط الطموحة التي وضعتها دول الخليج لتنويع اقتصادياتها بعيداً عن الاعتماد على النفط كمصدر أوحد للدخل، ركزّت حكومات هذه البلدان في السنوات الأخيرة على إطلاق سياسات تعزز القدرة التنافسية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بحيث تكون محركاً سريعاً للتنوع الاقتصادي في دولها.
وتهدف السياسات العامة في دول المجلس في المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى ضمان أن كافة التدابير التي تعتمدها تأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات الخاصة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة واتخاذ ما يلزم من تدابير بهدف دعمها وتأهيلها للمساهمة في جعل دول المجلس مركز استقطاب ملائماً لخلق الشركات ونمو الأنشطة التجارية سواء في إطار التجارة البينية والسوق الخليجية المشتركة أو على مستوى المبادلات التجارية في السلع والخدمات مع دول العالم.
وتبدي بعض دول مجلس التعاون، مثل قطر والإمارات، اهتمامها بتمكين المشروعات الصغيرة والمتوسطة من الاستفادة من موارد أسواق المال، مثل دراسة تفعيل دور الأسواق المالية من خلال المنصات الحالية القائمة أو من خلال تقييم إمكانية إنشاء منصات تداول إلكترونية لإدراج الشركات الناشئة والصناديق الاستثمارية وتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة الناجحة من طرح أسهمها للحصول على سيولة إضافية من أسواق المال.
تفوّق خليجي
وتمثل الدورة الحادية والأربعون مرحلة جديدة في مسيرة مجلس التعاون الخليجي بالدخول إلى العقد الخامس من عمر المجلس تتمثل في خلق آفاق جديدة للمواطن الخليجي على المدى الطويل، ومن أولويات المرحلة المقبلة التركيز على اتفاقيات تحاكي آفاق وطموح الشباب الخليجي وتمكينهم من قيادة عجلة الاقتصاد والتنمية الخليجية على المدى الطويل ليخلقوا مجتمعاً خليجياً عصرياً تنافسياً على مستوى العالم في مجالات التنمية والاقتصاد الرقمي.
وشهد عام 2020 قيام شركة المدفوعات الخليجية والتي تأسست بقرار المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في دورته السابعة والثلاثين في ديسمبر 2016 بهدف تطوير بنية تحتية متكاملة ومرنة للمدفوعات الخليجية تلبي احتياجات السوق، وتربط أنظمة المدفوعات والتسوية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لتنفيذ عمليات تحويل وتسوية المدفوعات بينها.
وقد بارك المجلس الأعلى في الدورة الحادية والأربعين (قمة السلطان قابوس والشيخ صباح) قيام شركة المدفوعات الخليجية بأعمالها وبدء المرحلة الأولى من تشغيل نظام المدفوعات الخليجي (آفاق) والذي يهدف إلى تنفيذ الحوالات المالية بعملات دول مجلس التعاون الخليجي المحلية وعملات أخرى في وقت قياسي قصير وبتكاليف منخفضة ضمن بيئة آمنة ومستقرة.
تنافسية الاقتصاد
وتجدر الإشارة إلى أن قادة دول مجلس التعاون قد سطرّوا في إعلان الرياض الصادر في الدورة الـ 40 عدداً من الأهداف الرامية إلى تعزيز تنافسية الاقتصاد الخليجي عبر تمكين جيل الشباب وعلى رأسها تحقيق الأمن الغذائي من خلال تطوير استراتيجية مشتركة للأمن الغذائي مبنية على الابتكار والتكنولوجيا وتأمين سلسلة الإمداد المشترك.
وإيجاد حلول للتحديات المشتركة التي تواجه المنطقة، مثل تأمين الماء والطاقة والزراعة وإيجاد حلول للأمراض المعدية وغير المعدية الأمر الذي يتطلب إعادة توجيه الاستثمار في الرأس المال البشري نحو تمكين الجيل الصاعد من الشباب وتشجيع ريادتهم نحو المستقبل.
من جهة أخرى، تملك دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (البحرين، الكويت، عمان، قطر، السعودية والإمارات)، مقارنة مع بقية دول المنطقة ميزات تنافسية جعلتها سبّاقة في تبني التكنولوجيا الرقمية، منها الإمكانات العالية في الوصول إلى خدمات شبكة الإنترنت ذات السرعة العالية والنطاق العريض، مما يسهل استخدام الإنترنت في خلق الأعمال التجارية.
بالتالي يمكن أن تعزّز التكنولوجيا الرقمية من ممارسات إدارة المشروعات الصغيرة والمتوسطة في دول الخليج، وتحسين معلومات السوق، وإتاحة الوصول الافتراضي إلى سلاسل القيم الإقليمية والعالمية.
وتتيح التكنولوجيا الرقمية فرصاً جديدة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بحيث تستطيع تسريع نموها، فمن الممكن للتكنولوجيات الناشئة وخدمات الإنترنت عريضة النطاق أن تسهّل تحقيق كفاءات تشغيلية، ودفع الابتكار، والنفاذ إلى الأسواق والتمويل، كما يمكن أن تتيح للشركات العمل من بُعد أثناء فترات الإغلاق العام ومن شأن مرونة العمل عن بُعد أن تساعد على إدماج النساء والشباب في سوق العمل الخليجي.
إرادة تكاملية
وشدد إعلان الرياض في الدورة الأربعين (2019) على استكمال متطلبات التنافسية العالمية في ظل سعي دول المجلس إلى تحقيق مراكز متقدمة عالمياً، عن طريق إرادة تكاملية تحت مظلة مجلس التعاون لصياغة أساليب عصرية في توظيف ملفات المستقبل وتضمينها في كافة الخطط المطروحة.
وفي مقدمتها استغلال العلوم والتكنولوجيا المدعومة بالأبحاث لإيجاد حلول للتحديات المشتركة التي تواجه المنطقة وتشجيع ريادة شبابية نحو المستقبل عبر تعزيز الوعي بأهمية الابتكار وريادة الأعمال.
كما شدد الإعلان على ضرورة تطوير البنية التحتية والتشريعات القانونية والتنظيمية بما يسهم في تمكين المبتكرين والتعاون مع الجهات الحكومية والخاصة وبرامج الاستثمار.
والصناديق الدولية لدعم وتمويل المشاريع الشبابية الناشئة، وتشجيع المشاريع المشتركة بين شباب دول المجلس وتوظيف التقنية بما في ذلك الذكاء الاصطناعي لتطوير الخدمات الحكومية، ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين، وضع مناهج دراسية متخصصة لبناء قدرات الشباب في مجال توظيف التقنية، وإيجاد فرص لخلق شركات وطنية يقودها الشباب لتحقيق ذلك.
استراتيجيات موازية
وعقدت الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي في يوليو 2020، ندوةً بعنوان المشروعات الصغيرة والمتوسطة بعد «كوفيد19»، ناقشت تقييم الموظفين والأصول المتعثرة وبناء استراتيجيات موازية وخرجت بنتائج وتوصيات، من أهمها توحيد التشريعات بين دول المجلس، وبناء منظومة خليجية مشتركة للشركات الصغيرة والمتوسطة، وبناء اقتصاد معرفي خليجي موحد مبني على الرشاقة المؤسسية.
وفيما يعكس قدرة مؤسساتية عالية للتعامل مع تحديات الجائحة، وضعت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إجراءات تحفيزية لدعم القطاع الخاص ومعه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ففي الكويت قرّر الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة تأجيل تحصيل الأقساط المستحقة على المشروعات المموّلة من قبله لمدة 6 أشهر إضافية، تبدأ من أكتوبر 2020، بالإضافة إلى إجراءات نقدية أخرى، مثل تأجيل أقساط القروض الاستهلاكية لمدة 6 أشهر مع إقراض إضافي وتخفيض الامتثال من قبل بنك الكويت المركزي.
حزمة الحوافز
وفي الإمارات، نفّذ المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي حزمة حوافز اقتصادية متنوعة في القطاعات المحلية كافة، من بينها تخصيص 3 مليارات درهم لبرنامج الضمانات الائتمانية لتحفيز تمويل الشركات المتوسطة والصغيرة، كما أطلقت دبي حزم تحفيزية اقتصادية بلغ مجموعها 6.8 مليارات درهم خلال 2020.
واتخذت السعودية تدابير من حيث التوسع النقدي والمالي، مثل تقديم إقراض إضافي وتغطية 60% من رواتب الموظفين لمدة 3 أشهر. وشملت الإجراءات المالية أيضاً إعفاءات ضريبية، وتخفيض الإنفاق بنسبة 5% للسنة المالية 2020.
ومن جانبها، اتخذت البحرين العديد من الإجراءات لدعم الشركات الخاصة والشركات الصغيرة والمتوسطة، وركزت بشكل أساسي على تعزيز السيولة من خلال تمديد خطوط الائتمان، وتأخير الأقساط، وخفض أسعار الفائدة. بالإضافة إلى ذلك، تتنازل الحزمة أيضاً عن رسوم وضرائب مضاعفة، مثل فواتير الخدمات، ورسوم البلدية، والتي تنطبق على جميع الأفراد والشركات القائمة.
ضغوط السيولة
وفي قطر وجهّت الدولة معظم جهودها لتخفيف ضغوط السيولة على الشركات الخاصة والشركات الصغيرة والمتوسطة، من خلال تحفيز البنوك المحلية على تأجيل الأقساط للأشهر الستة المقبلة علاوة على ذلك، حددت الحكومة العديد من الإعانات لتمويل رواتب الموظفين، ورسوم الإيجار.
تأجيل الأقساط
وضعت سلطنة عُمان تدابير تدعم في المقام الأول القطاع العام والشركات الصغيرة والمتوسطة، مع تحديد الحد الأدنى من الدعم للقطاع الخاص، مثل تأجيل جميع أقساط القروض ستة أشهر، وخفض احتياطي حجز رأس المال، في حين تشمل الإجراءات المالية تعليق الضرائب البلدية، والرسوم الحكومية، والتنازل عن رسوم الإيجار للشركات الصناعية، وخفض الغرامات المترتبة على الإفصاح الضريبي المتأخر.
