هناك وجهات في العالم لا يسع المرء زيارتها إلا مرة واحدة في حياته. ولعل إقليم لابلاند في أقصى الشمال السويدي واحد من تلك الوجهات. فهذه المنطقة تضم في جنباتها كل ما هو مثير وغريب. فمساحتها تعادل مساحة البرتغال بينما عدد سكانها لا يتجاوز 200 ألف نسمة.
وبهذا، فهي تتميز بمساحاتها الشاسعة وأراضيها الخالية من البشر تقريباً، ما يجعلها نقطة جذب لمحبي المغامرات والباحثين عن الهدوء والسكينة. فأكبر مدنها وهي العاصمة لوليلا لا يتجاوز عدد سكانها 70 ألف نسمة. كما أن فيها بحيرات وغابات عدة تكاد لا تعد ولا تحصى..
وكل ذلك وسط خدمات ممتازة للسياح عبر عشرات الفنادق والنُزل ومئات الأكواخ الخشبية التقليدية السويدية المطلية باللون الأحمر والتي تحتوي على كل وسائل الراحة والرفاهية للزائر.
ولقرون مضت كانت لابلاند تغري المسافرين وتبهرهم بجغرافيتها السحرية وأصالة طابعها الثقافي: كالبيئة الاجتماعية لشعبها السامي الأصلي، وحيواناتها الغنية في تنوعها ومواردها الطبيعية اللامتناهية وشمسها التي تشرق في منتصف الليل.
وكان كل من الباحثين والسياح وحتى الذين كان يدفعهم فضولهم، يجدون طريقهم إلى ما يبدو أنه برية أوروبا الأخيرة حتى اصطلح على تسمية لابلاند بـ«ألاسكا الأوروبية» لشهرتها بالطبيعة العذراء والخلابة التي تأخذ الألباب والحيوانات البرية كالموظ وغزلان الرنة والدببة الشهباء.
وبوجود رحلة يومية لطيران الإمارات من دبي إلى العاصمة السويدية استوكهولم، من السهل جداً السفر إلى مطار لوليلا في لابلاند عبر مطار آرلاندا في استوكهولم في رحلة لا تستغرق أكثر من ساعة وربع، خاصةً أن السويد من دول الاتحاد الأوروبي التي رفعت شرط التأشيرة للمواطنين الإماراتيين.
وعلى بعد 7 كيلومترات من لوليلا، يوجد موقع مدرج على قائمة منظمة «اليونيسكو» لحماية التراث العالمي منذ العام 1996 وهو قرية كنيسة غاميلستاد.
غونارسبين وستورفورشن
ولدى الوصول إلى لوليلا، بالإمكان استئجار سيارة والانطلاق مسافة نحو 15 كيلومتراً شمالاً إلى نهر «رون» في قرية غونارسبين الواقعة في مقاطعة نوربوتن، حيث عليك الاستعداد لتحدي منحدرات النهر والخروج سالماً من دون بلل عبر قيادة قارب طوف مطاطي ومواجهة تلك المنحدرات التي تتكون من ست درجات.
وعادة، ما تختار وكالات السياحة أو الشركات المتخصصة بتنظيم تلك الرحلات الدرجة من 1 حتى 3 للمبتدئين، على اعتبار أن الدرجات من 4 إلى 6 مخصصة للخبراء وخطرة جداً وقد تسبب إصابات مميتة إن لم يكن ربان القارب على دراية بتجنب المنحدرات والأمواج والمنزلقات والصخور. ومع ذلك، يمكن توقع بعض البلل أو السقوط في الماء الذي لا يكون في العادة خطيراً بين الدرجة 1 و3.
ومع أن الرحلة في تلك القوارب ترفع درجة الأدرنالين، إلا أنها أيضاً تتميز بالكثير من السكينة والجمال لكثرة الغابات والأشجار والمياه الساكنة التي ترافق الزائر وهو يجدف قاربه وسط الطبيعة الغناء والساحرة وجمالها الأخضر الذي يعانق شمس الصيف.
وفيما تؤمن الشركات المنظمة لتلك الرحلات كافة المعدات الخاصة، فإنه من الأفضل جلب بعض المناشف والملابس البديلة في حالة الطوارئ. وتدوم الرحلة بضع ساعات، تتخللها استراحة غداء في أحضان الطبيعة وأمام النهر السيار بشواء اللحم بالطريقة التقليدية المفضلة في لابلاند وهي الحطب.
ويقوم الدليل والخبير بشوي اللحم والخضراوات على النار على حطب الأشجار فتنتشر رائحة حرق خشب شجرة القضبان الزكية، وتشعرك بالجوع حتى بعدما تنتهي من الأكل.
وفي غونارسبين، يمكن الاسترخاء بعد نشاط يوم من التجديف في فندق «سوربين» الذي يطل على بحيرة «فيتراسكيت»، وهو فندق صغير وفخم تديره عائلة في أجواء حميمية تتمازج مع أجواء الخصوصية والعزلة عن الضوضاء التي تطبع موقع الفندق.
وبعد قضاء ليلة في فندق «سوربين»، توجه إلى ستورفورشن نحو 38 كيلومتراً شمال غربي قرية ألفسبين لمشاهدة المنحدر المائي الهادر الذي يضخ مياهاً من نهر «بيته» بمعدل تدفق يبلغ ألف لتر في الثانية. ويعتبر المنحدر من الأكبر في القارة الأوروبية كلها ويمتد لمسافة 5 كيلومترات.
فندقان غريبان
وهناك في لابلاند فندقان باستطاعتك الإقامة فيهما، ليسا كأي فندق في العالم. بل يمكن القول إنه لا يمكن للمرء أن يزور لابلاند من دون الإقامة فيهما، حيث يعتبران بحد ذاتهما وجهة سياحية متكاملة. والرفاهية والنظافة والفخامة هنا ليست السبب الوحيد الذي يدفع السياح إلى المجيء إلى هذين الفندقين، بل فرادة تصميمهما التي تجعل منهما تحفة معمارية بكل المقاييس.
فبإمكانك اختبار حياة الطيور والإقامة في «فندق الشجرة» وهو فندق يتكون من 6 غرف كبيرة بنيت على الأشجار داخل الغابة في قرية هارادز في وادي نهر لوليلا على بعد 70 كيلومتراً من عاصمة لابلاند. وهارادز قرية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 600. أما في قرية جوكاشارفي على مقربة من مدينة كيرونا شمالاً أكثر فأكثر، فستختبر الإقامة في «فندق الجليد».
شعب السامي
وفي شمال السويد، يسكن شعب السامي، وهو الشعب الأصلي للدول الاسكندنافية. ويبلغ تعدادهم في السويد اليوم بضع عشرات من الآلاف. واستوطن شعب السامي لابلاند قبل نحو 12 ألف عام.
وعلى امتداد تاريخهم الطويل، استطاع الساميون ترويض غزلان الرنة وغيرها من الحيوانات على شكل مجموعات لتكون مصدر رزق لهم، كما طوروا ثقافتهم الخاصة ولغتهم المميزة، ما جعلهم قومية مستقلة لا تزال تعيش اليوم مفتخرة بتراثها ومعتزة بأرضها السخية.
عجائب الطبيعة
ويمكن إطلاق لقب «أرض عجائب الطبيعة» على لابلاند بكل سهولة. فتلك المنطقة تضم ظواهر طبيعية متناقضة ورائعة. فطوال فصل الصيف، عليك الاستعداد لـ22 ساعة من الشمس في ما يعرف «شمس منتصف الليل». وطوال فصل الشتاء، تنقلب الآية فلا تشرق الشمس إلا ساعتين.
ولعل الظاهرة الطبيعية الأكثر شهرة «أضواء الشمال» أو الشفق القطبي، وهي مزيج من الألوان الخلابة التي تتشكل على القطبين الشمالي والجنوبي للكرة الأرضية.



