يذهب عقل السائح دائماً نحو باريس عندما يسمع اسم فرنسا، كيف لا وهي المدينة السياحية الأولى عالمياً، لكن 456 كيلومتراً بعيداً عنها (4 ساعات بالسيارة) تدخلك إلى قلب ليون، ثاني أكبر مدن فرنسا، التي يتلمس الزائر إليها الطابع الفرنسي الخاص المحكي عنه في الروايات عن فرنسا وشعبها وعقليته الفريدة من نوعها التي مكنته من سحر العقول والقلوب بأناقته ولطافته ولذة مأكولاته.

وتشتهر المدينة الفرنسية بمهرجان الأنوار الذي يعقد كل عام ما بين 6 إلى 9 من شهر ديسمبر ويزوره سنوياً 3 ملايين شخص من داخل وخارج فرنسا، ليكون أكبر مهرجانات فرنسا على مدار السنة، وينصب ليون عاصمة الأنوار الحقيقية لثاني أكبر اقتصادات منطقة اليورو.

قد يكون المشي أو التجوال في قلب المدينة أثناء المهرجان صعباً نظراً للزحام الكبير لكن اللوحات الضوئية التي ترسم على جدران المباني العملاقة والتي أقل ما يقال عنها إنها فن مستقل بذاته قد ينسيك تعب المشي أو ضيق الزحمة.

تاريخ المدينة
ويمتد تاريخ ليون إلى أكثر من 2000 عام، حيث تشهد الآثار الرومانية الكثير من الأحداث الجسام التي عرفتها المدينة بسبب موقعها فرنسياً على منتصف الطريق بين البحر والجبال، وأوروبياً على مفترق عواصم ومدن مهمة، فضلاً عن أنها تحتضن نهري رون وسون وتشرف عليها تلتا فورفيير وكروا روسيه.

ولأن عبق التاريخ يملأ شوارعها عبر المتاحف المختلفة المتناثرة بين جنباتها، فإن الشطر القديم مدرج على لائحة منظمة «اليونيسكو» للتراث العالمي. وتنقسم المدينة إلى تسع دوائر بلدية يوزعها النهران إلى ثلاث مجموعات.

تضم الأولى، غرب نهر سون، الدائرتان: التاسعة والخامسة، المؤلفة من المدينة القديمة وتلة فورفيير. أما المجموعة الثانية، فتسمى شبه الجزيرة، لأنها تقع بين النهرين، ومكونة من الدوائر: الأولى، وتضم منحدرات تلة كروا روسيه، والرابعة التي تحوي التلة نفسها، والثانية، وهي وسط ليون.

أما المجموعة الثالثة، فتتألف من الدوائر: الثالثة والسادسة والسابعة والثامنة، على شرق نهر رون. ولا يملك من يهبط في مطار سانت أكزوبري إلا أن يشرع أبواب أحاسيسه عله ينهل من مذاقات الروح والجسد شيئاً يحمله إلى وطنه حينما يعود.

مدينة العائلة
خلافاً عن باريس ونيس وكان وموناكو، تعتبر ليون مدينة العائلة بامتياز، حيث إن مرافقها وأماكنها السياحية تجذب السياح بمختلف الأعمار، خصوصاً في ظل العدد الكبير من المهرجانات الموسيقية والفنية الذي تستضيفه المدينة كل عام.
والذي يقارب عدده حسب الإحصاءات الرسمية 180 مهرجاناً، تتنوع لتناسب كافة الأذواق، من تلك الحديثة الأقرب إلى الجيل الحالي، والتي يعزف بعضها في الهواء الطلق، مروراً بالسيمفونيات والأوبرا، المخصص لها دار مزدانة بالزخارف والتماثيل تقع في شارع بلاس دي لا كوميدي.
كما يحلو لسكان المدينة الذهاب إلى قاعة الاحتفالات الرئيسية، موطن أوركسترا ليون الوطنية، لكون أسعار تذاكرها الأقل بين نظيراتها في أوروبا، ما يكشف عن العلاقة الحميمة بين أهل ليون والموسيقى، التي يخصصون لها مسابقة سنوية أشبه بمهرجانات السينما.
المطبخ الفرنسي
تشتهر ليون بأنها الممثل الرسمي للمطبخ الفرنسي كيف لا وهي تضم أكثر من 2000 مطعم في شوارعها، ما يقرب 25 % منها مصنفة ضمن نجوم «ميشلن».
لكن السائح الخليجي أو العربي بشكل عام قد يجد بعض الصعوبة في إيجاد مطاعم تقدم «الأكل الحلال» خلافاً عن باريس المليئة بها. يعتبر بول بوكوس الفائز بلقلب «طاهي القرن» ابن ليون ومطلق مدرسة «فن الطبخ الجديد» منذ ستينات القرن الماضي وصاحب الفضل في تقديم المطبخ الفرنسي إلى أرجاء المعمورة.
وللتلذذ بأطايب بوكوس، يمكن التوجه إلى مطاعمه الأربعة المعروفة بأسماء الجهات الأربع «الشمال، الجنوب، الشرق، والغرب» للتعرف على أذواق الفرنسيين في مختلف المناطق. وبذلك، يشعر الضيف بأنه زار فرنسا من أقصاها إلى أقصاها دون أن يغادر المدينة.
ومع إشراقة صباحات ليون، يمكن للمرء، وهو يسير في أزقة الشطر القديم المرصوف بالحجارة، أن يتذوق المعجنات الفرنسية الساخنة من مئات محلات الحلويات والخبز. كما باستطاعته التعرف على الوجه الآخر لحاسة التذوق من خلال المأكولات التقليدية، التي تطبخ في البيوت عادةً، في مطاعم تسمى «بوشون»، والمنتشرة في المدينة القديمة وأحياء الدائرة الأولى في الغالب.
اللون الأخضر
تتميز ليون بلونها الأخضر الربيعي الذي يبهر زوارها الذين يستطيعون زيارة الحدائق الغناء التي تزدهر بها المدينة.
فحديقة النباتات هي الأكبر بين نظيراتها في فرنسا، وتحوي 15000 ألف نبتة من ضمنها 760 فصيلةً من الشجيرات وأكثر من 850 نوعاً من الورود ونحو 50 من زنبق الماء، تأسر بأريجها الألباب وتضيف رونقاً أخاذاً تنقل روائحه رواد الحديقة إلى عالمٍ من السكينة بعيداً عن ضغوطات الحياة اليومية.
وكذلك، هناك حديقة «الرأس الذهبي»، التي يمكن اعتبارها أم حديقة النباتات، لكون الأخيرة تقع داخلها، ولأن «الرأس الذهبي» هي بكل بساطة الحديقة الأكبر داخل مدينة فرنسية، بامتدادها على مساحة تناهز المليون متر مربع في الدائرة السادسة الراقية وسط ليون.
وتضفي عطور الزهور الغريبة والأشجار، التي يتجاوز عمر بعضها مئات الأعوام، تجربةً نادرة للزائر، خاصةً أن روائحها لا تنقطع عن الفوحان على مدار العام.
جبال الألب
يستطيع الزوار من الإمارات والخليج بشكل عام الاستمتاع بتجربة التزلج على الجليد والألعاب الشتوية، حيث تقع جبال الألب على بعد ساعة ونصف تقريباً بالسيارة من ليون، مانحةً إياها منظراً بانورامياً من على قمة تلة فورفيير أو الطابق 27 لبرج «أوكسجين» الذي يقع في حي «لا بارت ديو» في الدائرة الثالثة.
وتضج جبال الألب بمنتجعات فاخرة للتزلج على الجليد تتوافر فيها كافة مستلزمات الفخامة والترف الفرنسيين، تعطي الراغب في ممارسة هذه الرياضة الفرصة لسبر أغوار طبقات الثلج الكثيفة والاستمتاع بصنع رجل الثلج.
وبعيداً عن مغامرات الرياضة، تقدم ليون لزائريها فرصة الاسترخاء بعد عناء يومٍ طويل من العمل أو التنقل عبر معالمها البديعة التي لا تعد ولا تحصى، بفضل المراكز الصحية التي تتنوع خدماتها بدءاً من التدليك بتقنياته المتعددة، ومن «نافورة الجليد»، التي تخلص الجسم من السموم، مروراً بالحمام الشرقي التقليدي، وليس انتهاء بعلاجات الأمراض الجلدية ومكافحة الشيخوخة.
مطار
5 رحلات أسبوعياً لطيران الإمارات
تعتبر طيران الإمارات شركة الطيران الوحيدة التي تربط مطار ليون بخارج أوروبا، حيث تسير الناقلة الإماراتية رحلات مباشرة خمسة أيام أسبوعياً، وتسعى حكومة المدينة إلى أن ترفع هذا العدد إلى 7 رحلات في الأسبوع، وذلك لما تشكله طيران الإمارات من أهمية لوجستية بالنسبة لسياحة ليون حيث تربطها الناقلة بأسواق آسيا والخليج وأستراليا.
وتحاول عمودية المدينة الضغط على الحكومة المركزية في باريس من أجل السماح لطيران الإمارات بالاستثمار لتوسعة المطار.
تاريخ
افتتاح متحف «بين النهرين»
شهدت ليون نهاية العام الماضي افتتاح متحف للاحتفاء بنقطة التقاء نهري السون و الرون فيها، وهو أهم ما يميزها جغرافيا لذا سميت بمدينة النهرين، والذي يجمع في أقسامه العديدة تحفاً فنية وتاريخية تنقل الزائر إلى آلاف السنوات من الحياة البشرية.
ويضم المتحف قطعاً أثرية عن الديناصورات والمستحاثات التي تعود إلى ما قبل البشرية، كما يضم تحفاً عن الحيوانات المنقرضة، وأخرى عن طبائع البشر في العصور الوسطى.
