شنغدو عاصمة إقليم سيشوان الصيني، مدينة مفعمة بالحيوية والقوة والجمال، تتعانق فيها حداثة الحضارة والعراقة مع الثقافة والتاريخ، تزهو بطبيعة خلابة تأسر الألباب، ما هيأها لتتبوأ صدارة الوجهات الاستثمارية ضمن 40 مدينة صينية حتى حظيت بلقب مدينة الحرية والراحة، بعد أن نالت لقب «لؤلؤة سيشوان» قديماً، كيف لا وهي تمتاز بتاريخها الصناعي والتجاري، خاصة صناعة الحرير والصناعات الحرفية واليدوية مثل الطباعة والمشغولات الذهبية والفضية والمنتجات المصنعة من خشب أشجار الخيزران.
ورغم تغيرات العصور، إلا أن المدينة حافظت على كونها مركزاً تجارياً لسيشوان وقبلة المستثمرين من جميع أنحاء العالم، عزز ذلك جوها البديع، حيث تتراوح درجة الحرارة فيها ما بين 10 16 درجة مئوية مع سقوط الأمطار الوفيرة، ما جعل أرضها البالغة مساحتها 112 ألف كيلومتر مربع خصبة تفيض بالموارد الوافرة.
قلب المدينة النابض
«تيانوسكوير» هو قلب المدينة النابض بالحياة، ينتصب فيه تمثال مؤسس الجمهورية الصينية وأول رئيس لها، يمتاز هذا الميدان برحابته وروعة جماله، تزينه الزهور مختلفة الألوان والأشكال التي تضفي بهجة للناظرين وتدفعهم لالتقاط الصور التذكارية بينها. وعلى مسافة ليست بالبعيدة تشمخ الأبراج المتفاوتة في هندستها وأطوالها ورقيها المعماري التي تحيط بالمكان.
هذا الجمال يجعلك تحار إلى أي الجهات تنظر، تشاهد أسراباً من الناس يسيرون ذهاباً وإياباً، بعضهم يلجون في مراكز التسوق وآخرون يخرجون منها حاملين ما ابتاعوه، تعلو محياهم البشاشة ومجموعات من أفراد يستمتعون بالأكلات الخفيفة يمشون الهوينى في شوارع فسيحة مخصصة للمشاة تزدان بتماثيل برونزية لشخصيات تاريخية معروفة.
المدينة الخضراء
تستحق شنغدو عن جدارة هذا الوصف، نظراً لما تتمتع به من خضرة منتشرة في كل الأركان والاتجاهات، حيث حرصت الحكومة على نظافة البيئة وكونها مثالية بزيادة الرقعة الخضراء فيها، ساندها الشعب بزراعة معظم الأماكن حتى أسطح البنايات، فترى الشرفات وقد امتلأت بقطوف من الورود والشجيرات التي يدغدغ منظرها العيون، والتي تقايض الأوكسجين بثاني أكسيد الكربون، أما في الشارع فحدث ولا حرج.
حيث تصطف الأشجار على جنباتها مرافقة للمحال التجارية والمساكن وقد تم تدعيمها ومساندتها بأقفاص تحميها من الاقتلاع وتعزز صمودها في مواجهة الرياح العاتية والأمطار الكثيفة مع وضع مثبتات التربة حول سيقانها.
وبالقرب من المكان يدفعك الفضول لمعرفة العادات والتقاليد القديمة التي كانت سائدة آنذاك فتجد نفسك تجلس على كرسي لعمل مساج لأذنيك عن طريق ضربات تحدث طنيناً يشعرك بالارتياح، إضافة إلى تنظيف الأماكن الداخلية التي لا يمكن الوصول إليها بسهولة، وما إن تفرغ من ذلك ما عليك إلا تذوق المأكولات الخفيفة القديمة الحراقة وبعض الحلويات الخفيفة وأنت تتجول بين الأكشاك والمحال الصغيرة الزاخرة بالتحف والمشغولات الفضية والذهبية التي تستحوذ على إعجابك ولا بأس من شراء التذكارات منها لك ولأصحابك.
السوق القديمة
السوق القديمة حي صغير من أحياء مدينة شنغدو، كبير بمعناه ومحتوياته ينقلك إلى عصر عريق تليد، تتنقل في شوارعه الضيقة التي تعجّ بالزوار، تبهرك المحال التجارية المصطفة على الجانبين، فتصوب نظرك إلى ديكوراتها القديمة، فإذا ما دلفت إلى داخل أحدها تسلب فضولك المشغولات اليدوية الذهبية والفضية الدقيقة التي تزدان بها الواجهات الخارجية والداخلية والفترينات. فالأساور والأقراط والميداليات والمنمنمات الخشبية الجاثمة على اللوحات الخشبية والمنحوتات والمنسوجات، كل هذه تحظى بإعجابك فتبتاع ما يحلو لك منها وتستمتع بتأمل أخرى تحمل طابع الماضي التليد وتلتقط الصور التذكارية التي تصاحبك أينما كنت.
تخرج من محل يصحبك الإبهار بمحتوياته وتدخل آخر فتجد نفسك مبهوراً أكثر، وهكذا تتوالى نظرات إعجابك في كل ما تراه وتُصاب بالحيرة أيها أكثر جمالاً، وللحكم على ذلك تجد نفسك داخل أحد المقاهي لتناول الشاي الأخضر الذي يحسّن المزاج ويزيد التركيز فيستقبلك العاملون بإيماءة الاحترام والترحاب وتأخذ مكانك مقابل مسرح متواضع يعجّ بالأنوار، ويقف عليه المهرجون ويؤدون حركات في غاية الرشاقة والحرفية.
حديقة الباندا
الدب الصيني «الباندا» هو حيوان ينتمي إلى عائلة الدببة ويقتات على أوراق شجر البامبو «الخيزران»، وهو نوعان: الأول يمتاز بضخامته وكروية شكله ووجود هالات سوداء حول عينيه وأذنيه، والثاني أصغر حجماً يغلب عليه اللون البني ويُسمى الدب الأحمر، وهو معروف بسرعته الكبيرة وقدراته البهلوانية على تسلق الأشجار.
لقد أولت الحكومة الصينية اهتماماً خاصاً بهذا الحيوان المعرّض للانقراض، فشرعت في إنشاء الحدائق الخاصة بتربيته وكانت حديقة شينغدو إحداها في مقاطعة سيشوان.
تم افتتاح الحديقة عام 2004 بمجموع 20 حيواناً على مساحة 400 هكتار، وقد خُصصت 3.5 هكتارات لكل حيوان حتى يتمتع بحياة نشطة ومريحة تجعله يحتفظ بغريزته ونمط حياته وتكاثره وحمايته من الأمراض.
عند دخول الحديقة يستقبلك مكتب سياحي لإرشاد الزوار بعرض أفلام عن الباندا وطرق العناية به وتكاثره، إضافة إلى ذلك منح نشرات علمية وأقراص إلكترونية عن كل ما يتعلق بهذا الحيوان وكذلك تزويد الزوار بخارطة توضح الطرقات المظللة بالأشجار الموصلة إلى الحظائر لمعايشة الحيوانات عن قرب ومراقبة حركاتها والاستمتاع بسلوكياتها المضحكة.
إيمي شان
إيمي شان إحدى بلدات مقاطعة سيشوان، تمتاز بهدوئها وطبيعتها الريفية، تبعد ما يقارب الساعتين بالسيارة من شنغدو عاصمة الإقليم، موقعها المميز أسفل سلسلة جبلية خضراء شاهقة الارتفاع جعلها قبلة للسياح، في أحد أطرافها يقبع فندق سياحي 5 نجوم، وهو فندق هونغ زهو شان، حيث يتمتع بإطلالة ساحرة يمنح نزلاءه فرصة للاسترخاء والاستمتاع بأوقاتهم وسط أجواء تفيض هدوءاً بعيداً عن ضجيج المدينة تجاوره بحيرة اسمها بحيرة الأكسجين، يلفها ممشى يستخدمه الضيوف لممارسة الرياضة لاكتساب الحيوية والنشاط صحبة التأمل بجمال الطبيعة الساحر الذي يأسر الألباب.
التلال الساحرة
في وسط السلسلة الجبلية تترجَّل على قدميك في طريق ضيق وبشكل أفقي ولمدة ثلاث ساعات ذهاباً وإياباً، تحاذيه الأشجار الخضراء متفاوتة الأطوال، تتأمل كل خطوة جمال الطبيعة الخلاب الذي كمَّله عمل الإنسان، فالأشجار تتسابق ارتفاعاً وتفرعاً تصارع من أجل البقاء فتنمو فوق الصخور.
تتأهب من جديد لتواصل السير في أحضان الطبيعة عبر الوديان والمنحدرات حتى بلوغ النهاية وبعدها تعود من حيث أتت محملاً بذكرى جميلة وانطباع حسن يدفعك إلى الندم على عدم زيارة المكان منذ زمن ولعدة مرات.
تمثال بوذا العملاق
من فندق هونغ زهو شان السياحي الرابض في حضن الجبل المشرف على إيمي شان تحلو الرحلة المنتظرة التي تبدأ مع إشراقة شمس يوم جميل تطل بأشعتها الذهبية عبر الغيوم على استحياء، نقطة الانطلاق من مستوى سطح البحر وترتفع حتى 1074 متراً، حيث قمة الجبل التي يتربع في وسطها تمثال بوذا العملاق المطلي بالذهب.
منذ الصباح تطوي مسافة 120 كيلومتراً ولمدة ساعتين في طريق متعرج تظلله الأشجار يشق سفوح سلسلة جبلية متجهاً نحو الأرض، تأبى الخضرة مفارقة ناظريك. وتجتاحك الدهشة، ويأسرك الجمال الطبيعي الخلاب الذي هو من صنع الخالق، فتراك تسبِّح بحمد الله مكبراً ومهللاً دون الاكتراث بما يصيبك من تعب ودوار وطنين أذن من جراء اختلاف درجات الضغط الجوي.
في الثلث الأخير من المسافة يتحتم عليك الترجل من السيارة لصعود درج يمتد لما يقارب مئتي متر، فتسير تارة وتقف لالتقاط الأنفاس تارة أخرى، يدفعك الشوق لاكتشاف ما هو جديد، وتشخص عيناك نحو القمة القابعة فوق منحدر عالٍ يصعب الوصول إليها متسائلاً مع نفسك عن كيفية الوصول، وسرعان ما تأتيك الإجابة عندما ترى المصعد المعلق «التلفريك» في الانتظار، فهو المنجد القادر على نقلك من أسفل المنحدر إلى الأعلى.
تغمرك السعادة ويجتاحك الارتياح وأنت تقترب رويداً رويداً من القمة لتجد نفسك في ساحة واسعة يلفحك هواء رطب بارد، يرفه عن نفسك ويطرد عنك الإرهاق، فيمتد نظرك إلى قمم الجبال السابحة في الضباب وقد بدت أدنى منك مكونة لوحة فنية في غاية الروعة والجمال، تتمسك بالحواجز الحديدية المحيطة بالمكان، والتي ملأها المحبون بأقفال لترسيخ حبهم وديمومته حرصاً من السقوط في هوة سحيقة تصعب النجاة منها، إن لم تكن مستحيلة، تتجول في رحاب تمثال بوذا المحاط بأكواب زجاجية فيها شموع مضاءة تزيِّن المكان.
مركز علمي وتقني
من المشهود لهذه المدينة العريقة تفوقها في مجال التعليم والثقافة. فقد تم تأسيس أول مدرسة حكومية فيها عام 140 قبل الميلاد، فهي مسقط رأس كثير من الأدباء والشعراء والكتاب والمشاهير في تاريخ الصين، حتى غدت مركزاً علمياً وتقنياً وتجارياً ومالياً مهماً.
في منطقة «يوههو تسا» تقبع المدينة التراثية الثقافية التي تعكس ثقافة الصين العريقة، فما إن تدخل المنطقة حتى تشتم رائحة العلم تفوح من جنباتها وفي باحتها الواسعة التي يحرسها أسدان من الصخر يرحبان بالزوار، تدخل من باب خشبي ضخم يبلغ ارتفاعه 4 أمتار بعرض ثلاثة أمتار.
وقد تزين بزخارف الكتابات الصينية الدالة على اهتمام بالغ بالثقافة والعلم وبعده تجد نفسك أمام مرجل كبير تعلوه الشموع مرحبة بالداخلين، ومن هنا تستنفر لالتقاط الصور التذكارية مع ما يعج فيه المكان من جداريات منحوتة بأشعار ومنتجات الأدب والعلم والفن، يصحبك الإبهار بالفن والنحت ومدى دقة الحرفية في الرسومات والكتابات والمجسمات البديعة التي تدلل على ما حققوه من العلم خلال الحقبة التاريخية العريقة التي عايشوها.





