يتلمس الزائر إلى مدينة ليون، بحواسه الخمس، الطابع الفرنسي الخاص المحكي عنه في الروايات عن فرنسا وشعبها وعقليته الفريدة من نوعها التي مكنته من سحر العقول والقلوب بأناقته ولطافته ولذة مأكولاته.
واستشعرت طيران الإمارات استثنائية ليون بتسيير رحلات مباشرة إليها خمسة أيام اسبوعياً اعتباراً من 5 ديسمبر الجاري، لتكون السباقة نحو ذلك في المنطقة، لما تشكله المدينة من أهمية كبيرة على كافة الصعد، سواء السياحية أو الاقتصادية أو العلمية، من دون نسيان المراكز التجارية الرحبة والشوارع الطويلة المخصصة للتسوق التي تزخر بها. فليون، بسكانها الذين يقدر عددهم بمليونين، هي عاصمة إقليم رون ألب، سادس أكبر اقتصاد في أوروبا.
وتتميز المنطقة بالصناعات البتروكيماوية والدوائية والنسيجية والتكنولوجية. وتعتبر بالإضافة إلى ذلك القبلة التعليمية الثانية في فرنسا، بعد العاصمة باريس، بوجود ثلاث جامعات ضخمة هي: كلود برنار ولوميير وجان مولان.
ويمتد تاريخ ليون إلى أكثر من 2000 عام، حيث تشهد الآثار الرومانية بالكثير من الأحداث الجسام التي عرفتها المدينة بسبب موقعها فرنسياً على منتصف الطريق بين البحر والجبال، وأوروبياً على مفترق عواصم ومدن مهمة، فضلاُ عن أنها تحتضن نهري رون وسون وتشرف عليها تلتي فورفيير وكروا روسيه.
ولأن عبق التاريخ يملأ شوارعها عبر المتاحف المختلفة المتناثرة بين جنباتها، فإن الشطر القديم مدرج على لائحة منظمة «اليونيسكو» للتراث العالمي. وتنقسم المدينة إلى تسع دوائر بلدية يوزعها النهران إلى ثلاث مجموعات.
تضم الأولى، غرب نهر سون، الدائرتان: التاسعة والخامسة، المؤلفة من المدينة القديمة وتلة فورفيير. أما المجموعة الثانية، فتسمى شبه الجزيرة، لأنها تقع بين النهرين، ومكونة من الدوائر: الأولى، وتضم منحدرات تلة كروا روسيه، والرابعة التي تحوي التلة نفسها، والثانية، وهي وسط ليون. أما المجموعة الثالثة، فتتألف من الدوائر: الثالثة والسادسة والسابعة والثامنة، على شرق نهر رون. ولا يملك من يهبط في مطار سانت أكزوبري إلا أن يشرع أبواب أحاسيسه عله ينهل من مذاقات الروح والجسد شيئاً يحمله إلى وطنه حينما يعود.
حاسة البصر
تستضيف ليون بين 6 و9 ديسمبر من كل عام «مهرجان الأضواء»، في عروضٍ هي بدعة للناظر تمزج ما بين خداع البصر والإبهار الضوئي باستخدام الوسائط المتعددة. وتتحول واجهات عشرات المباني إلى لوحات فنية تحكي قصصاً تاريخية مختلفة مستوحاة من فكرة المهرجان الدينية، تترافق في الوقت ذاته مع استعراضات حداثية برسوم ثلاثية الأبعاد تجذب الشباب، فيما تزدان شوارع المدينة وعشرات المواقع بالأضواء المختلفة التي تحيل ليلها إلى نهارٍ يسطع بأضواء الليزر واختراعات التكنولوجيا. وإن كانت هوليود عاصمة السينما، فإن ليون مهدها بلا شك. ففيها، ولد الأخوين لوميير، أوغوست ولويس.
وفيها أيضاً عرضا أول شريطٍ بصورٍ متحركة في تاريخ الفن السابع يدعى «الخروج من مصنع لوميير في ليون»، العام 1895، بمدة لا تتجاوز 46 ثانية. واليوم، تحول منزل لوميير إلى متحفٍ يحتوي على الفيلم رقم واحد في العالم ويقع في شارع يدعى «فيلم العرض الأول»، في حين تكرم ليون الأخوين لوميير بمهرجانٍ للسينما يحمل اسم العائلة التي وهبت البشرية أعجوبةً بصرية حقيقية.
حاسة السمع
ولا تكتمل الصورة إلا بإشباع حاسة السمع في بلاد الموسيقا الناعمة. فالمدينة تستضيف ما معدله حوالي 179 حفلة موسيقية في العام، أي حفلة كل يومين، تتنوع لتناسب كافة الأذواق، من تلك الحديثة الأقرب إلى الجيل الحالي، والتي يعزف بعضها في الهواء الطلق، مروراً بالسيمفونيات والأوبرا، المخصص لها دار مزادنة بالزخارف والتماثيل تقع في شارع بلاس دي لا كوميدي. كما يحلو لسكان المدينة الذهاب إلى قاعة الاحتفالات الرئيسية، موطن أوركسترا ليون الوطنية، لكون أسعار تذاكرها الأقل بين نظيراتها في أوروبا، ما يكشف عن العلاقة الحميمة بين أهل ليون والموسيقى، التي يخصصون لها مسابقة سنوية أشبه بمهرجانات السينما.
حاسة التذوق
ورغم ما يقال عن كون الفرنسيين ذواقة في الطعام، إلا أن لليون نصيب الأسد في هذا الميدان، مع تناثر 2000 مطعم فيها وحصول 13 منها على نجوم التقدير وفقاً لدليل «ميشلان» الدولي، حتى ظفرت المدينة بلقب «عاصمة الطهي». ولا غرو، فـ«طاهي القرن» بول بوكوس هو ابن ليون ومطلق مدرسة «فن الطبخ الجديد» منذ ستينات القرن الماضي وصاحب الفضل في تقديم المطبخ الفرنسي إلى أرجاء المعمورة. وللتلذذ بأطايب بوكوس، يمكن التوجه إلى مطاعمه الأربعة المعروفة بأسماء الجهات الأربع «الشمال، الجنوب، الشرق، والغرب» للتعرف على أذواق الفرنسيين في مختلف المناطق.
وبذلك، يشعر الضيف بأنه زار فرنسا من أقصاها إلى أقصاها دون أن يغادر المدينة. ومع إشراقة صباحات ليون، يمكن للمرء، وهو يسير في أزقة الشطر القديم المرصوف بالحجارة، أن يتذوق المعجنات الفرنسية الساخنة من مئات محلات الحلويات والخبز. كما باستطاعته التعرف على الوجه الآخر لحاسة التذوق من خلال المأكولات التقليدية، التي تطبخ في البيوت عادةً، في مطاعم تسمى «بوشون»، والمنتشرة في المدينة القديمة وأحياء الدائرة الأولى في الغالب.
حاسة الشم
ولأن الأناقة والذوق سمة مميزة في ليون، يمكن للمرء أن ينعش حاسة الشم بزيارة الحدائق الغناء التي تزدهر بها المدينة. فحديقة النباتات هي الأكبر بين نظيراتها في فرنسا، وتحوي 15000 ألف نبتة من ضمنها 760 فصيلةً من الشجيرات وأكثر من 850 نوعاً من الورود ونحو 50 من زنبق الماء; تأسر بأريجها الألباب وتضيف رونقاً أخاذاً تنقل روائحه رواد الحديقة إلى عالمٍ من السكينة بعيداً عن ضغوطات الحياة اليومية.
وكذلك، هناك حديقة «الرأس الذهبي»، التي يمكن اعتبارها أم حديقة النباتات، لكون الأخيرة تقع داخلها، ولأن «الرأس الذهبي» هي بكل بساطة الحديقة الأكبر داخل مدينة فرنسية، بامتدادها على مساحة تناهز المليون متر مربع في الدائرة السادسة الراقية وسط ليون. وتضفي عطور الزهور الغريبة والأشجار، التي يتجاوز عمر بعضها مئات الأعوام، تجربةً نادرة للزائر، خاصةً أن روائحها لا تنقطع عن الفوحان على مدار العام.
حاسة اللمس
وتقع جبال الألب على بعد ساعة ونصف تقريباً بالسيارة من ليون، مانحةً إياها منظراً بانورامياً من على قمة تلة فورفيير أو الطابق 27 لبرج «أوكسجين» الذي يقع في حي «لا بارت ديو» في الدائرة الثالثة. وتضج جبال الألب بمنتجعات فاخرة للتزلج على الجليد تتوافر فيها كافة مستلزمات الفخامة والترف الفرنسيين، تعطي الراغب في ممارسة هذه الرياضة الفرصة لسبر أغوار طبقات الثلج الكثيفة والاستمتاع بصنع رجل الثلج.
وبعيداً عن مغامرات الرياضة، تقدم ليون لزائريها فرصة الاسترخاء بعد عناء يومٍ طويل من العمل أو التنقل عبر معالمها البديعة التي لا تعد ولا تحصى، بفضل المراكز الصحية التي تتنوع خدماتها بدءاً من التدليك بتقنياته المتعددة، ومن «نافورة الجليد»، التي تخلص الجسم من السموم، مروراً بالحمام الشرقي التقليدي، وليس انتهاء بعلاجات الأمراض الجلدية ومكافحة الشيخوخة.





