زاخرة بالتضاريس الجبلية والشلالات الطبيعية

صلالة.. خريف أخضر وجنة طبيعيـة على أرض عُمان

صورة

دائما نقطع المسافات الطويلة، والرحلات الشاقة للاستجمام والتمتع بالمناظر الخلابة، وربما نقضي ساعات طويلة تزيد مدتها على نصف يوم على مقعد الطائرة، لينتهي بنا مطاف هذا العناء في رحلة لا تتوافق مع ما نصبو إليه، نتيجة اختلاف اللغة والعادات والتقاليد أو حتى الأجواء التي قد تنافي المتوقع.

فإذا كنت تريد تجنب عناء المسافات الطويلة وتسعى لتوفير الوقت وملامسة الأجواء الباردة الملبدة بالرذاذ والضباب والسحاب، وخريف تكاد الشمس لا تظهر فيه، وإمتاع العين بخضرة الطبيعة التي تمتد على مساحات لا يدركها البصر وفي رحلة لا تتجاوز مدتها ساعتين، فإن ذلك قد يتحقق عند زيارتك لمدينة صلالة التي تقع في محافظة ظفار جنوب سلطنة عمان.

ترتدي صلالة في فصل الخريف من كل عام ثوباً اخضر يغطي مساحاتها الشاسعة وتضاريسها المختلفة، كما يغطى السحاب والضباب سماءها، وينعش الرذاذ هواءها، فتصبح من الوجهات السياحية المثلى التي يقصدها السياح من الخليج والوطن العربي، وتبعد صلالة عن حدود دولة الإمارات العربية المتحدة حوالي نحو 1250 كم، ويقصدها غالبية الزوار عن طريق البر، ليتسنى لهم المرور على العديد من محافظات ومناطق السلطنة ومشاهدة أهم معالمها.

تناقض المناخ

ويتصدر الإماراتيون والسعوديون قائمة السياح إلى صلالة في وقت الخريف، والذي يتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة في دول الخليج صيفاً، ويبدو أن هذا التناقض المناخي الشاسع أسهم في تحريك عجلة السياحة بقوة وأدى إلى تقاطر سياح هذه الدول القريبة بصورة لافتة.

هذه المدينة التي تعتريها التضاريس الجبلية، تعد العاصمة الإدارية لمحافظة ظفار وتقع على سهل خصب تتخلله العديد من بساتين جوز الهند ومزارع الموز، ولها تاريخ عميق في الماضي، وكانت من المناطق التجارية النشطة، واشتهرت موانئها في السابق بتصدير اللبان إلى شتى دول العالم، وعرفت بأسماء عديدة منها أرض اللبان والبليد، وتزخر صلالة بالعديد من المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية.

عند الوصول إلى مدينة صلالة يتاح للزائر العديد من الخيارات في الحصول على المسكن، إذ يوجد في المدينة مجموعة من الفنادق الفخمة والمنتجعات الفاخرة والتي التي تقع على شاطئ البحر، بالإضافة إلى ذلك توجد العديد من الشقق الفندقية والمنازل والغرف وبأسعار مختلفة، يمكن حجزها قبيل التوجه إلى صلالة عن طريق الإنترنت أو عند الوصول لها، كما أن الأجواء الباردة تشجع البعض على شد الخيم خصوصا في بعض المناطق الخضراء المستوية.

وتضم صلالة العديد من المناطق السياحية، إذ يبدأ العديد من السياح جولتهم بزيارة سهل أتين والذي يبدأ بالارتفاع التدريجي من نقطة مركز المدينة، وتتمتع أجواؤه بالأمطار المتواصلة والرذاذ ونسمات الهواء العليلة التي تغذيه منذ الأيام الأولى في فصل الخريف، وعلى جوانب الطريق تنتشر المطاعم والأكشاك التي تستوقف السياح لتناول المأكولات والمشروبات، وبعد إكمال المسير في الارتفاع يأتي ضريح النبي أيوب عليه السلام وعلى مقربة منه يوجد أثر لقدم كبيرة ويقال أنها قدمه، بالإضافة إلى المصلى وحوض منحوت في الصخر.

العيون المائية

تضم العديد من المواقع السياحية في صلالة عيوناً مائية تختزن في جعبتها مناظراً طبيعية وتضاريس جميلة، إذ تبهج "عين جرزيز" بجمالها كل من تطأ قدماه أرض صلالة، وهي عبارة عن عين مائية طبيعية تقع في محيط مجموعة من الكهوف الطبيعية والمظلات التي خصصت لاستراحة الزوار.

كذلك عين رزات، والتي هي عبارة عن ينابيع طبيعية تتدفق من وسط الصخور وتتجمع بعدها في بركة، ومن ثم تنساب في مجرى يتفرع وسط بساتين خضراء قبل أن تصب في البحر، وعلى بعد خمسة عشر كيلو متراً من شرق مدينة السعادة تقع عين صحلنوت، والتي تطل بمنصتها المفتوحة لمشاهدة مجراها من الأعلى.

وادي "دربات"، هو الآخر من المناطق الجميلة التي لا تكتمل جولة الزائر إلا بها، فهو عبارة عن حديقة طبيعية ذات مناظر ساحرة تتخللها الشلالات التي تبدأ في الجريان عند هطول الأمطار في فصل الخريف، بالإضافة إلى البحيرات والجبال والكهوف والسهول الخضراء وأنواع مختلفة من الحياة البرية، وعند هطول الأمطار بغزارة تتجمع الأمطار في مجرى واحد لتصب في شلال يزيد طوله على 100 متر.

تضم مدينة صلالة إلى جانب المناظر الطبيعية العديد من المواقع الأثرية التي يعود تاريخها إلى قرون ما قبل الميلاد، ومن أبرزها البليد التي تقع على شاطئ صلالة والتي اشتهرت في السابق بتجارتها الناشطة في اللبان والخيول العربية، وتم تأسيسها في القرن الرابع الهجري.

وأظهرت الاكتشافات الأثرية بقايا جامع ضخم مستطيل الشكل ومحاط بشرفات من جميع الجوانب، كما كشفت أعمال التنقيب عن فخاريات اسلامية وخزف صيني ومجموعة من العملات البرونزية يعود بعضها للعهد الإسلامي وبعضها للحضارة الصينية، وقد أدرج هذا الموقع ضمن قائمة التراث العالمي التابع لمنظمة اليونسكو، ويحتوى الموقع اليوم على متحف يحتوي على العديد من الآثار التي تحكي عن قرون ماضية.

ويروي موقع خور روري «سمهرم» بآثاره التي اكتشفت في أعمال التنقيب عن مدينة حجرية مسورة مستطيلة الشكل نقش على جدرانها بخمس كتابات عربية أبجدية تصف تأسيس المدينة، التي شيدت لإحكام السيطرة على تجارة اللبان، كما جاء في ذكر هذه الكتابات اسم الملك إيلاذ ملك حضرموت، وقد أدرج هذا الموقع كذلك ضمن قائمة التراث العالمي.

وفي مدينة ثمريت التي تبعد نحو 170 كليو مترا عن مدينة صلالة يبرز موقع شصر الأثري، والذي ازدهر في السابق بتجارة اللبان والبخور، ويعتقد العلماء أن ملكة سبأ قامت بزيارته للتزود باللبان، إذ أشارت المسوحات الأثرية التي تمت في بداية التسعينات أن المدينة في السابق شكلت حضارة عريقة وكانت ملتقى التجارة والطرق البرية ما بين الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين والعالم القديم وكشفت التنقيبات عن العديد من الأعمدة الضخمة والأبراج والقطع الأثرية.

وتبعد مدينة سدح 135 كم عن مدينة صلالة، ويقصدها العديد من الزوار لممارسة بعض هواياتهم، مثل التخييم وركوب الزوارق، فالأرض فيها محمية من الرياح الموسمية بفضل المنحدرات الصخرية، كما تتميز هذه المدينة بشواطئها الخلابة وسواحلها الرائعة، وتشتهر بتجارة الأسماك والصفيلح والذي يعتبر المورد الأساسي لاقتصاد سكانها.

ترفيه وتسوق

يتمتع الزوار بأجواء جميلة طيلة النهار، وما ان أن يسدل الليل ستاره يقصد العديد منهم الأسواق والمراكز الترفيهية، إذ يوجد في صلالة العديد من الأسواق الحرفية التقليدية التي تشتهر بالصناعات والمنتجات اليدوية، ومنها سوق الحافة الذي يبعد 3 كم من مدينة صلالة، وتحيط به العديد من أشجار جوز الهند الباسقة، ويعتبر المكان الأمثل لشراء أجود أنواع اللبان والبخور، ليس في ظفار فحسب بل في السلطنة أيضاً.

ويزخر السوق بالعديد من المنتجات سواءً المنسوجات التقليدية المتنوعة، أو الملابس التراثية، أو المصوغات الذهبية والفضية، وغيرها الكثير من المصنوعات التقليدية، وعلى بعد بضع كيلو مترات يطل سوق الحصن بموقعه في وسط أحد الأحياء القديمة لمدينة صلالة، ويمتاز بطابعه التقليدي من خلال معروضاته والتي تتسم معظمها بطابع تراثي، سواءً من حيث المضمون أو الشكل أو حتى الاستعمال.

كما أنها تميل إلى الجانب الحرفي مثل المصنوعات القديمة كالمجامر وغيرها من المشغولات اليدوية التراثية الأخرى، إضافة إلى الصبغة المعمارية القديمة إن صح التعبير، والتي يتميز بها هذا السوق، حيث لا يزال يحتفظ بخاصية البيئة الأصلية والتي تفوح معالمها في كل زاوية من زواياه.

وإلى جانب الأسواق، يستقطب مركز البلدية الترفيهي بفعاليته المتنوعة والتي تبدأ دورتها منذ الساعة الخامسة من مساء كل يوم آلاف الزوار الذي يقصدونه لأغراض متعددة، منها التسوق ومشاهدة الحرف والفنون الشعبية المختلفة والعروض التي تقدمها بعض الفرق العالمية.

المغسيل .. ظاهرة طبيعية لصناعة نافورة ضخمة

 

تبعد منطقة المغسيل عن مركز المدينة نحو 35 كلم، وتتحول المناظر من سحر الهضاب والجبال إلى سحر مياه البحر المنسجمة مع جمال الجبال والطبيعة الخلابة.

ويصنف شاطئ المغسيل من أكثر الشواطئ التي يستهويها الزوار لجمال بريق رماله الفضية المائلة الى البياض، والتي تمتد على مسافة أربعة كيلو مترات، تحيط بها منحدرات صخرية ذات ثقوب هوائية نحتتها الطبيعة في الصخور الكلسية، وتضرب الأمواج الغاضبة هذه المنحدرات، ما ينتج عنها تشكل نوافير طبيعية يصل ارتفاعها إلى ثلاثة أمتار أو أكثر، تتفاوت حسب قوتها وسرعة تصادمها باليابسة.

وعلى محاذاة الشاطئ، تتوفر مجموعة من الاستراحات المصغرة يتسنى للزوار من خلالها الاستمتاع بثلاثية طبيعية تتمثل في الشاطئ الأزرق والمناخ اللطيف، إضافة إلى الرذاذ المتساقط من أعلى السحاب. وتتخذ نسبة كبيرة من العائلات هذه المنطقة لتناول وجبة الغداء في ساعات الظهيرة، إذ تهم معظم الأسر في إعداد طعامها في ربوع هذا الهواء الطلق.

 

مقاومة الجاذبية

 

على بعد 60 كيلو متراً شرق صلالة يوجد موقع يدهش الزوار، وهو مكان مقاومة الجاذبية على مقربة من مسار الطريق الذي يربط بين مدينة طاقة ومرباط، وفي هذا الموقع عندما توقع سيارتك وتحرر الكوابح سوف تتحرك السيارة تدريجيا إلى الأعلى خلافاً لاتجاه المنحدر، بما يبدو وكأنه تحد لقانون الجاذبية الأرضية، ويمتد هذا الموقع لمسافة 200 متر.

 

مسندم.. قطعة أثرية على سفوح الجبال

 

تعد محافظة مسندم واحدة من المعالم البارزة في العالم، حيث تفصل الخليج العربي عن بحر عمان، وتقع في أقصى الشمال من سلطنة عمان، وهي شبه جزيرة متجهة في شكل يشبه رأس الحربة نحو جمهورية إيران الإسلامية الواقعة على مسافة قصيرة منها، ومثلت في الماضي مركز الإمبراطورية الفارسية.

ومن أهم معالمها السياحية والأثرية عدد من القلاع والحصون والأبراج، ومنها على سبيل المثال لا الحصر "قلعة خصب" التي يعود تاريخ بنائها إلى بداية عهد آل بوسعيد، وقامت وزارة التراث القومي والثقافة بترميمها في مطلع العام 1990. أما "حصن الكمازرة" الذي يقع في حلة الكمازرة، فليس معروفا تاريخ تشييده على وجه الدقة.

وحفلت هذه المحافظة بأحداث تاريخية كثيرة في الماضي، وكانت بعض المباني شاهدة على عراقة المنطقة وأقدميتها. ومن المساجد القديمة في ولاية "خصب" جامع "السيبة" والمسمى بالجامع الغربي وقد أعيد بناؤه في عام 1980م، إضافة إلى مسجدي "السوق والكمازرة" اللذين أعيد بناؤهما أيضا خلال العهد الزاهر لجلالة السلطان قابوس المعظم. وفيما يتعلق بالمعالم السياحية فهي تتمثل بالمنتزهات الطبيعية في الروضة والسي والخالدية.

إضافة إلى وادي خن ـ مسيفة حيوت ـ وخور نجد. وكذلك عدد من الأخوار والخلجان والجزر أهمها: خليج خصب، خليج كمزار، خليج شيصة، خور شم، خور النيد، خور حبلين، خور قبل، خور غب، وخور قدي. ومن أهم الجزر بولاية "خصب": جزيرة الغنم، مسندم، أم الطير، جزيرة سلامة وبناتها، أم الفيارين، الخيل، مخبوق، أبو مخالف وجزيرة ساويك "السوداء".

وإلى جانب هذا الزخم التاريخي الذي امتازت به المنطقة، فقد أصبحت محافظة مسندم ملاذاً لمحبي الغوص، فقد لوحظ توافد أعداد كبيرة من السياح مؤخراً لممارسة هذه الهواية. كما تتسم هذه المنطقة بأنها من المناطق الغنية بالأسماك، فثرواتها البحرية أصبحت هي الأخرى نقطة جذب للسياح والزوار.

تعليقات

تعليقات