تأخذك بسحرها البراق لتجربة تحبس الأنفاس بحق، فتدخلها باحثاً عن البنوك وتخرج منها بذاكرة تكاد تخلو من صورة أية مؤسسة مصرفية في العالم، لكن ذاكرتك في الوقت ذاته تزدحم بأجمل وأبهى الصور عن معاني النظام والنقاء والرقي والتحضر، وتظل ابتسامة أهلها الودودين ترافقك حتى بعد عودتك منها، إنها زيورخ، بلد الماء والخضرة والوجوه الباسمة.

ينظر الكثيرون إلى سويسرا بشكل عام على أنها بلد المؤسسات المصرفية، والأعمال الكثيرة التي لا تتوقف ليلاً ونهارا، لكنها في الواقع تمتلئ بالآلاف من عوامل الجذب السياحي، التي تؤهلها لتكون وجهة سياحية من الطراز الأول، بدءاً من التنظيم الهائل الذي يشعرك وكأن هذا البلد عبارة عن خلية نحل كبيرة بعض الشيء، وانتهاءً بالطبيعة الساحرة والخلابة، لاسيما التي تتسم بها مدينة زيورخ، التي تقع في الجزء الذي يتحدث الألمانية في سويسرا، التي بدورها ينقسم أهلها عند الحديث إلى 4 لغات هي الفرنسية والألمانية والإيطالية والرومانية.

وتعد زيورخ إحدى أهم المدن السويسرية، وأكبرها مساحة على الإطلاق، حيث تقع في وسط شمال سويسرا بالقرب من الحدود الألمانية، وتتوسطها البحيرة التي تقسم المباني بها إلى قسمين يقعان على جانبي البحيرة التي تنتج مياهها عن ذوبان الجليد من على قمم جبال الألب السويسرية، حيث يمكن للزائر بكل سهولة رؤية جبال الألب السويسرية بوضوح من أي مكان في المدينة، لاسيما من فوق التلال الكثيرة التي تحيط بالمدينة، وتكسبها خصوصية لا توجد بالكثير من المدن في العالم.

المساحة الإجمالية

وتبلغ المساحة الإجمالية لمدينة زيورخ 92 كيلومترا مربعا، تستحوذ البحيرة منها على مساحة تصل إلى 4.1 كيلومترات مربع، حيث تمتد في منتصف المدينة وتحيط بها العديد من المتنزهات المتميزة، فضلاً عن أماكن الجلوس العديدة التي يمكن للزائر الجلوس عليها والاستمتاع بالمنظر الجمالي للبحيرة مع السهول التي تكمل اللوحة الجمالية للمدينة، في ما تلوح في الأفق البعيد وتحديداً على بعد 30 كيلومترا جبال الألب السويسرية التي تكسوها الثلوج بشكل جمالي يخطف الأبصار.

ولعل أحد أهم الملاحظات لزوار المدينة هو مستوى النظافة الموجود بشوارعها وأبنيتها، فضلاً على الجمع بين الحداثة والعراقة، إذ تتراوح أعمار البنايات في حي زيورخ القديمة جنوب المدينة بين 400 إلى 800 عام، في ما توجد العديد من الأبنية الجديدة، والتي لا تزيد بأي حال من الأحوال عن 5 أو 6 طوابق كما يلاحظ الزائر، حيث احتفظت المدينة بأسلوب البناء القديم، فحتى الفيلات المبنية حديثاً يتم بناؤها على الطرز التقليدية ولكن بإضفاء لمسات عصرية عليها، فمثلاً لا يكاد بيت يخلو من المدفأة التي تمتد مدخنتها من سقف المنزل وتظهر بوضوح للعيان، فيرى الزائر الدخان يخرج من تلك المداخن في الصباح الباكر، حيث يتم تشغيل أنظمة التدفئة ليلاً، بسبب تدني مستويات درجة حرارة الجو خلال فترة الليل.

ويستخدم غالبية سكان زيورخ في التنقل، إما المواصلات العامة أو الدراجات التي يفضلها كثير من سكان المدينة سواء للذهاب إلى العمل أو حتى للتنزه بصحبة كافة أفراد الأسرة، فمن الطبيعي أن يرى الزائر في الشارع أماً تقود دراجتها وتتبعها طفلتها الصغيرة، أو أباً يقوم بتدريب طفله على قيادة الدراجة، في ما تستخدم النسبة الباقية من سكان المدينة سياراتهم الشخصية في التنقل.

طبيعة رياضية

ومن الصعب بل والنادر أن تجد أحد الأشخاص الذين يعانون من زيادة وزنهم في زيورخ، فالأغلبية الكاسحة من سكان المدينة يقومون بممارسة الرياضة، بدءاً من السباحة في البحيرة، التي يسمح بالسباحة في أي مكان منها وخلال أي وقت من العام، إذ يمكن للزائر استبدال ملابسه بكل سهولة بجوار إحدى الأشجار ومن ثم النزول لممارسة رياضة السباحة في البحيرة، وانتهاءً بالركض بين الأشجار الخضراء التي تكسو التلال، فضلاً على قيادة الدراجات الجبلية التي يمتلك غالبية سكان المدينة واحدة منها على الأقل، حيث يذهب سكان المدينة معظم الوقت في جماعات لممارسة ركوب الدراجات صعوداً وهبوطاً من التلال، وهذه الممارسات هي ما يضفي البسمة الدائمة على وجوه اهل المدينة.

ويتعجب غالبية الزوار عند التجول في شوارع المدينة التي تم تصنيفها لأكثر من مرة كأعلى مدينة من حيث مستوى المعيشة عالمياً، عند رؤيتهم لسكان زيورخ يشربون من النوافير الموجودة في الشوارع، إذ إن مياه هذه النوافير نقية بنسبة 100%، وهي تأتي عن طريق ذوبان الثلج من أعالي جبال الألب. ويصل عدد النوافير في مدينة زيورخ وحدها إلى 1200 نافورة تغطي كافة أنحاء المدينة، وحتى السهول الموجودة على جوانب المدينة، فإنها تحتوي على عدد من هذه النوافير، وهو ما يوفر مصدرا مستمرا لمياه الشرب النقية بالمدينة في أي مكان وأي وقت من العام، لكن الطريف هو وضع مصدر صغير للمياه على مستوى منخفض في بعض هذه النوافير لتتمكن الحيوانات الأليفة مثل الكلاب والقطط من استخدامه في عملية شرب المياه، وهو ما يدل على احترام حقوق الحيوان بشكل كبير في هذه المدينة.

الثروة السمكية

وتشغل الرأي العام في زيورخ الآن قضية مهمة بالنسبة لسكان المدينة، وهي تقلص الثروة السمكية الموجودة في البحيرة بشكل كبير، وذلك بسبب وصول مياه البحيرة إلى مستويات مرتفعة للغاية من النقاء، ما جعل الحكومة تضع عدداً من القيود على عمليات صيد الأسماك من البحيرة.

ويتحدث سكان زيورخ لغة دارجة هي الألمانية السويسرية، وهذه اللغة لا يفهمها الألمان أو من يتحدثون الألمانية فقط، ويبلغ عدد سكانها 371 ألف نسمة يمثل الأجانب منهم نسبة تصل إلى 30%، حيث يعيش بالمدينة عدد كبير من الجنسيات الأخرى، لاسيما الأوروبية.

انعكاس للمدينة

وتتجسد الطبيعة الساحرة لمدينة زيورخ بخضرتها ومائها وعراقتها وجمالها ونظامها في أحد أكثر فنادقها فخامة، وهو فندق "دولدر غراند" ، المنتجع السويسري الفاخر ذو الإطلالة البانورامية الرائعة على بحيرة زيورخ، الذي يجمع بين التصميم الكلاسيكي العريق والطابع العصري الحديث ببراعة فائقة تتجلى ملامحها في أدق التفاصيل لتكون النتيجة وجهة رائدة نابضة بالحياة في عالم الضيافة المتميزة.

ويرجع تاريخ إنشاء البناء التاريخي الرئيسي للفندق إلى العام 1899 في قلب المبنى القائم حالياً، ولم تلبث زيوريخ أن شهدت عام 2008 عودة واحد من أشهر معالمها على الإطلاق مع تجديد الفندق بشكل كامل ليكون دليلاً على رفعة الأسلوب المعماري التقليدي، إذ يتربع الفندق بين جناحين جديدين فائقي العصرية يحيطان به بانسيابية تامة من تصميم شركة "فوستر آند بارتنرز" الشهيرة. ويقف هذا الصرح الفندقي الآن شاهداً على عصر جديد بدأ لتوّه في عالم الضيافة الراقية.

وتتميز جميع الغرف الفردية والأجنحة الفاخرة في الفندق، والتي يبلغ عددها 173 غرفة وجناح، بالتصميمات المتوجة بالعناصر التقليدية التي تكون صورة تكاملية مع المواد الحديثة ضمن مجموعات دافئة من الألوان، ما يمنح الغرف طابعاً ساحراً يبعث على الاسترخاء والراحة. وعلى سبيل المثال، تنطوي أجنحة الديلوكس، الواقعة ضمن المبنى التاريخي الرئيسي، على الكثير من اللمسات الفريدة التي تستحضر الماضي العريق للفندق. وإمعاناً في ترسيخ الطابع التاريخي لـ"دولدر غراند"، تم ترميم 6 غرف بحيث تستعيد مظهرها الأصلي الذي كانت عليه عندما تم إنشاؤها لأول مرة، وتظهر هذه الغرف وكأنه لا يوجد أي تغيير فيها منذ إنشائها قبل 113 عاما.

ويستحضر التصميم الداخلي للفندق إلى أذهان الزوار ذلك التآلف الفريد بين المعالم التاريخية والعصرية. وتشكل قاعة الاستقبال الرئيسية له مدخلاً متناسقاً بشكل مذهل إلى المبنى، خاصة وأنها تشتمل على 4 أعمدة ضخمة ذات تصميم فريد تتوسط منطقة تم تأثيثها بأسلوب عملي بسيط. وبدورها تمتاز ردهة الفندق بسقفها التاريخي الذي تم ترميمه بالكامل وموقدها الأثري اللذين يتناغمان مع عناصر الديكور الحديثة على نحو منقطع النظير.

وكان الفندق الرئيسي قد افتتح أبوابه للمرة الأولى عام 1899 تحت اسم "دولدر غراند هوتل آند كورهاوس"، ثم خضع خلال فترة العشرينات والستينات لتعديلات وإصلاحات سريعة بهدف مواكبة روح العصر آنذاك. أما قرار التجديد الذي أثمر عن النتائج المذهلة التي آل إليها "دولدر غراند" اليوم، فقد تم اتخاذه بهدف نقل الفندق من الماضي إلى الحاضر ليشق طريقه بثقة نحو المستقبل.

ورغم المضي قدماً بتنفيذ خطة التجديد، حافظ "دولدر غراند" على الكثير من العناصر واللمسات التي تستحضر ماضيه الغني العريق؛ فعلى سبيل المثل، يقع مطعم الفندق وسط عوارض خشبية منحوتة بإتقان تحت سقف تاريخي تم ترميمه بالكامل وتزيينه برسوم سويسرية تقليدية.

وعلى الرغم من مضاعفة مساحة الفندق القابلة للاستعمال من 20 ألفاً إلى 40 ألف متر مربع، فقد قلصت التكنولوجيا الهندسية استهلاك دولدر غراند للطاقة إلى النصف من خلال إدخال 70 قطعة حرارية إلى عمق 150 مترا في باطن الأرض. وتعتمد هذه التكنولوجيا على تحويل الحرارة من باطن الأرض وتزود الفندق وبيئته الداخلية بالتبريد في فصل الصيف والتدفئة في الشتاء.

معايير راقية

وتتميز سويسرا عموماً بمعايير رعاية صحية تعد بين الأرقى عالمياً. وقد اكتسب هذا البلد سمعة مرموقة في المجال الطبي نظراً للخدمات العلاجية عالية الجودة التي يقدمها؛ فقد رسخت سويسرا لنفسها مكانة رائدة كواحدة من أهم الوجهات على صعيد السياحة الطبية التي تشهد ازدهاراً في كل أنحاء المعمورة. ولعل أهم ما ساعد سويسرا على اكتساب هذه الأهمية هو تميّز أطبائها الذي لا يقتصر على مجال الرعاية الصحية التقليدي فحسب، بل يتعداه ليشمل أيضاً أحدث أساليب ومنهجيات الجراحة التجميلية.

ويتضمن "دولدر غراند" فريقاً من خبراء الصحة المقيمين ضمن مركز رعاية طبي يولي أهمية متماثلة للمبادئ الطبية والمتطلبات البصرية على حد سواء. كما يوجد أيضاً اختصاصيون من شبكة "إيسثتك لينك" لتقديم استشارات شاملة فيما يعرف عموماً بـ"خدمة الرأي الطبي الثاني"؛ إذ يتمتعون بكفاءات عالية ومعارف واسعة تغطي كافة جوانب مكافحة علامات التقدم في السن والجراحة التجميلية والجلدية علماً أن الاستشارات والعلاجات غير الجراحية يتم إجراؤها داخل الفندق، في حين يتم تنفيذ العمليات الجراحية في العيادات المجاورة له.

وتركز بعض هذه الاستشارات في مجال مكافحة علامات الشيخوخة والطب الوقائي على الشؤون المتعلقة بالأيض والرياضة وصحة القلب. أما على صعيد طب الجلد وشؤون الجمال، فيوفر "دولدر غراند" أحدث تقنيات الليزر الجلدية، وتقنية "ثيرماج" لشد البشرة دون تدخل جراحي، فضلاً عن طيف واسع من علاجات الجراحية التجميلية.

 

مستوطنة رومانية قديمة

 

عرفت مدينة زيورخ إبان الامبراطورية الرومانية باسم توريكوم، حيث كانت المدينة عبارة عن مستوطنة رومانية يصل عدد سكانها إلى 250 نسمة فقط، ثم أصبحت تحت سيطرة إحدى الأسر الجرمانية في القرن السابع للميلاد.

وفي العام 853 شيد لودفيج الألماني ديراً للنساء في زيورخ أطلق عليه اسم "فراون مونستر" وحرص على ضم العديد من الأراضي إلى هذا الدير، ثم جاء ابنه كارل البدين ليبني كنيسة ضخمة تحمل نفس الإسم الذي يحمله الدير في العام 874، ثم أسند للقسيسة المشرفة على الدير حق إدارة اقتصاد هذه المستوطنة واستلام رسوم الجمارك، وحق سك النقود الخاصة بها، وبذلك أصبحت مدينة زيورخ تحت الوصاية السياسية والاقتصادية لدير فراون مونستر.

وفي العام الميلادي 110، بدأ بناء دير "جروس مونستر" الضخم الذي استمرت عمليات بناؤه لمدة 120 سنة. واستطاعت النخبة الارستقراطية الحاكمة في العام 1218 أن تحصل على استقلالها الشكلي بما فيه كامل الحقوق المدنية السياسية والاقتصادية، وبالتالي حق إنشاء أول مجلس شورى في تاريخ زيورخ يتمتع بخاتمه الخاص.

ووصل عدد السكان في العام 1300 إلى نحو 9 آلاف نسمة يمثلون نبلاء زيورخ والتجار الميسورين والحرفيين المحرومين من كافة الحقوق المدنية، وبقي الحال كذلك حتى العام 1336، حينما تم وضع أول دستور خاص بتعاونيات الحرفيين بزيورخ من أجل تحقيق المساواة بين طبقة النبلاء وطبقة التجار والحرفيين المنخرطين في التعاونيات.