هي تاريخ من ثقافة وعبادات وطقوس، اجتمعت عند شعب واحد ليولف سمفونية الجمال والطبيعة، شعائرهم جزء من عاداتهم وطقوسهم التي أصبحت زادهم اليومي، فلا تنكر على هذا الشعب عباداته وعاداته لأنها خبزهم وملحهم، شعب بسيط بساطة أرضه، تحكمهم منظومة عادات ومنظومة حكومية، جعلت منهم شعباً طيعاً، ونتيجة السياحة التي تعتبر العمود الفقري لهذا الشعب، ونتيجة تمازج حضارات شعوب أتوا من كل أصقاع الدنيا، أصبحت تايلاند أرض الأحلام وأرض الابتسامات وأرضاً تعانق شجرها مع مائها ليعزف لحن الخلود فوق ضفاف النهر. فعندما تمتزج الشواطئ البيضاء بأشجار نخيل يعلوها غمام وضباب وتحيطها جبال وغابات، فلا تمتلك حينها إلا أن تستسلم لهذه الفتنة التي لاتقاوم، فعيناك ستستسلمان لمنظر غروب الشمس بأشعتها الذهبية الممتدة من الأفق البعيد، مخترقة الغيوم والجبال المكسوة بالخضرة لتصل إليك وأنت مستلقٍ على مقعدك الذي تحف به العصافير الملونة وبائعو اللآلئ والألماس والعقيق. عندما ترى الجزر الجميلة التي لم يحلم السندباد يوماً ما بواحدة منها تلك التي تنام على الماء وتلتحف الغيوم وتستيقظ على أنغام وقع حبات المطر .

وهنا تذكرت قول شاعرنا الكبير محمود درويش:

بعض المدن تلهب العواطف

بعض المدن حال من النشوة

وبعضها كما المرأة الجميلة تشرق لها الحواس

وبعضها حلم تنسجه حيطانها يحرسه ليلها وتنام عنه شمسه

 

مهرجان الماء

في اللغة السنسكريتية القديمة لغة بوذا، تعني كلمة سونجكران دخول الشمس في منطقة البروج وابتداء الاعتدال الربيعي والإعلان عن بداية سنة جديدة. ويحب الشعب هذا المهرجان كثيراً لأنه غير مكلف، كما أنه مناسبة جيدة للفرح والسرور، ويبدأ هذا المهرجان في 13 أبريل وينتهي في 15 منه ويستمر 3 أيام، وفي بعض الحالات يستمر 4 أيام حسب توقيت دخوله الذي يعلنه المنجمون، وشهر أبريل هو الشهر الرابع في السنة الشمسية، ويتألف من 30 يوماً، ويبدأ دخوله حسب علم التنجيم عندما تكون الشمس في برج الحمل وتنتهي في برج الثور، وفلكياً يبدأ عندما تكون الشمس في برج الحوت وتنتهي في برج الحمل، وقد أتى هذا الاسم من كلمة لاتينية تعني التفتح في إشارة إلى مظاهر الربيع وتفتح الورود.

أسطورة تصبح احتفالية

حسب مواقع إلكترونية تعني بالشؤون الثقافية والسياحية فإن عيد الماء التايلاندي يتم أثناء الاعتدال الربيعي ويشبه في ذلك كثيراً من الأعياد، وتبدأ بوضع النساء في المدن والقرى طلاء على وجوه الشبان إحياء لذكرى أسطورة تحكي هذه القصة الخرافية عن رجل نبيل وحكيم يدعى «ثامابال» وكان ذكياً ومثقفاً ومعجزة عصره والجميع يثني عليه وعلى حكمته وفطنته التي فاقت الجميع وبلغ من حدة ذكائه أنه كان يعرف كل شيء تقريباً حتى لغة الطيور وبلغت شهرته الآفاق وسمع بها إله من آلهة السماء وما أكثرهم في الديانة البوذية، اسمه كابيلا فشعر بالغيرة منه والحقد عليه وأضمر له الشر وقرر النزول وتحول إلى رجل عادي، والتقى الرجل النبيل وتحداه أمام الجميع أن يحل 3 ألغاز في مدة قدرها سبعة أيام فإن لم يستطع الرجل النبيل حلها يقطع الإله كابيلا رأس الرجل، أما إذا تمكن الرجل من الإجابة عنها في المدة المحددة فإن الإله كابيلا سوف يقطع رأس نفسه ويغدق على الرجل النبيل والناس بالخير والمال، قبل الرجل التحدي اعتماداً على ثقته بنفسه .

ولكن الألغاز الثلاثة كانت صعبة جداً ولم يستطع الرجل حلها فضاقت على الرجل الدنيا بما رحبت وشعر بالهزيمة وفي اليوم السادس ذهب الرجل النبيل «ثامابال» إلى الغابة وفضل أن يقتل نفسه وينتحر بدلاً من أن يقتله الإله «كابيلا»، تحت شجرة عالية توقف الرجل استعداداً للانتحار، وكان يوجد في أعلاها وكر للنسور الصغار.

وهي تبكي من شدة الجوع، وأمها تحاول تهدئتها وتعدها وتبشرها بالغداء على جثة الرجل الذي سوف يقتله الإله كابيلا، وتروي لها قصته للتسلية من الجوع، وذكرت لهم الحل الصحيح لهذه الألغاز التي لم يعرفها الرجل، سمع الرجل النبيل كلام الطيور وفهم لغتها وعرف حل الألغاز، وفي صباح اليوم التالي وفي الموعد المحدد خسر كابيلا الرهان، وقام بقطع رأسه بنفسه وبعد موت الإله كابيلا احتاروا أين يضعون رأسه ؟ فلو بقي في الأرض لشبت النيران والحرائق على الأرض ولو وضعوه في البحر لجفت مياه المحيطات فقررت ابنته الكبرى «تونغما» وضع رأسه في كهف في السماء على أن ينزل الرأس مرة بالسنة إلى الأرض وتتناوب بناته السبع:( تونغما كوراكا- راسوك- مونتانيو- كيريني-كيتيما - ماهوتون)، على حمله في موكب بمشاركة ملايين من الآلهة الذين يطوفون حوله ويقام احتفال في السماء ــ كما يعتقدون ــ،.

ويقوم الناس بالاستحمام والاغتسال استعداداً لهذه المناسبة التي توافق بنات سونغكران الإله كابيلا، له سبع بنات، وفي كل عيد تظهر واحدة منهن يحددها المنجمون على هيئة بنت بشرية جميلة تمتطي ظهر حيوان (نمر-جاموس-ماعز الخ)، ويكون وضعية جلوسها على ظهر الحيوان مختلفة على حسب وقت دخول العيد، إذا كانت تقف على ظهر الحيوان فإن وقت دخول العيد في الصباح ، وإذا كانت مستلقية على ظهر الحيوان فإن وقت دخول العيد في العصر قبل غروب الشمس، وإذا كانت مستلقية وعيونها مفتوحة على ظهر الحيوان فإن وقت دخول العيد في منتصف الليل، وإذا كانت تقف مستلقية وعيونها مغلقة على ظهر الحيوان فإن وقت دخول العيد قبل منتصف الليل.

 وكل هذه الحسابات تعتمد على التنجيم وعلم الفلك، وفي كل سنة وقبل مجيء المهرجان يعمل المنجمون الملكيون بتحديد وقت دخول العيد لهذه السنة الجديدة ثم يرفعونها للملك لاعتمادها والتوقيع عليها واعتماد الصور المعلقة لهذه المناسبة والتي تمثل الموكب السماوي لبنات سونغكران والآلهة وقصائد المديح، وهذا الأسلوب القديم بدأ يتضاءل ولكنه لايزال المحبب للشعب.

 

التحضير للمهرجان

في اليوم الثاني عشر من ابريل (عشية العيد)، يقوم الناس بغسل شوارعهم وتنظيف بيوتهم وإحراق النفايات تفاؤلاً بالحظ الحسن وأن الحظ السيئ سوف يلحق بمن لا ينظف بيته، وهو يعتبر يوم النظافة والصحة الشعبية وفي اليوم الثالث عشر من ابريل يذهب الناس كباراً وصغاراً إلى المعابد البوذية وهم يرتدون ملابس جديدة وأنيقة ويقيمون مائدة كبيرة وصحون الرهبان الرخامية منتشرة على أطرافها ويقدمون الرز والفواكه والحلوى للرهبان الذين يشاركونهم في الحفل الموسيقي وألعاب المهرجان وفي فترة ما بعد الظهر يغسلون مجسمات وأصنام لبوذا ثم يبدأ بعد ذلك التراشق بالماء وهو احتفال

طقوسي الغرض منه تنقية السنة الجديدة وتطهيرها ويقوم الشباب في هذا اليوم أو في الأيام المقبلة بالذهاب إلى المتقدمين في العمر وطلب البركة منهم واحترامهم، وصب الماء على أيديهم وغسلها ومساعدتهم في الاستحمام.

كما أن هناك واجباً آخر من طقوس المهرجان يسمى بانغساكون، وهو إجراء مقدس عندهم فعندما يموت البوذي يقومون بإحراق جثته، ثم يجمعون ما تبقى من الرماد والعظام المتفحمة ويدفنونها تحت شجرة تين مقدسة في المعبد ولا يخلو أي معبد من شجرة تين لأنها مقدسة في ديانتهم فقد جلس تحتها بوذا قديما حينما كان يمارس التأمل والتنوير ــ كما يعتقدون ــ والأغنياء فقط هم من يستطيعون وضع رمادهم في المعبد أما بقية الشعب فيحتفظون ببقايا رماد وعظام أسلافهم وأجدادهم في بيوتهم ويحضرونها أثناء المهرجان فقط للمعبد والبعض قد يوصي أيضاً بأن يكون رماده في المعبد بعد موته ويقوم راهب بالتلاوة والصلاة على مكان الرماد والعظام وهو من الطقوس الدينية المقدسة وتسمى عبادة الأسلاف وموجودة في كثير من الديانات الوثنية.

 

حفل الاستحمام المقدس

خلال أيام العيد يتهافت الناس على المعابد مرتدين أفخم الثياب ومتقلدين كامل زينتهم ويحضرون الشموع والعصي الصينية، (تشبه العصي التي يستخدمها الصينيون لتناول طعامهم )، وزجاجات صغيرة تحتوي على مياه معطرة ويضيئون الشموع ويضعون ثلاثة من العصي والزهور في وعاء أمام تمثال بوذا ثم يسكبون الماء المعطر بالورد على كفي تمثال بوذا، وتسمى هذه التحية «سونغ نام فرا بوذا روب»، ويحدث هذا التقليد أيضاً لكبار الأسرة وكبار السن، حيث يسكبون الماء المعطر عليهم ويغسلون أيديهم ووجوههم ثم يمسحونها بالفوط والمناشف والمناديل وقد يستخدمون الصابون بدلاً من الماء المعطر كل ذلك لكي يحصلوا على بركة الرجل المسن ودعواته وأمنياته.

ثم يقدمون له العصي والشموع والورود التي تدل على احترامهم لتقاليدهم وعاداتهم القديمة الراهب أيضاً له مكانة خاصة عندهم فهو رئيس الدير ويسمونه «الأب العظيم» أو «لوانغ فاو» بالتايلاندية، وهو يحظى بالتقدير وهو الشخصية الرئيسية في حياة المجتمع ويعتقدون أن له قدرة عظيمة وعجيبة في معرفة الزمن والتنبؤ بالمستقبل والطب والسحر والتنجيم والحكمة وحل المنازعات والكثير من الناس يفضلون الاحتكام لديه وحل القضايا والمشكلات عنده بدلاً من السلطات المحلية الحكومية ويقام للراهب حفل استحمام في هذا المهرجان للحصول على بركته في بداية السنة الجديدة يصبون الماء على يدي المسنين احتراماً لهم.

 

المعبد الرملي

من طقوس المهرجان أن يبني الناس معابد للرمال تسمى «فراساي» وهي مشتقة من كلمتين: (فراشيدي) بمعنى معبد و(ساي) بمعنى رمال، وتقام هذه المناسبة في أرض مفتوحة وواسعة في المعبد وقبل قدوم الناس يقوم بعض الرهبان بإعداد أكوام من الرمال لكي يتمكن الأطفال والنساء من بناء المعابد الرملية وهم مرتدون أفخم ملابسهم وكامل أناقتهم ويشترون الشموع والورود والعصي من أكشاك مجاورة للمعبد يأخذ الناس الرمال ويجعلونها على شكل هرم وتخلط الرمال بالمياه المعطرة وتوضع بداخلها قطع نقدية معدنية وأوراق من شجرة التين المقدسة ويضعون عليها العصي والرايات وقطعة صغيرة من القماش الأحمر.

أو الأصفر والزهور والشموع ثم يحيطونها بأسوار من الزينة ويتنافس الناس في تزيين معابدهم الرملية وعند الانتهاء من البناء يبدأون بالصلاة ويعتقدون أن هذه الطقوس تزيد من رفع مستوى خصوبة الأرض، كما أن هناك جائزة لأفضل معبد رملي وبعد الانتهاء من الاحتفال يسمح للأطفال بتخريب ونبش المعابد الرملية للحصول على القطع النقدية المعدنية بداخلها وسط فرحة غامرة بين الأطفال.