صدر عن مركز "تريندز" للبحوث والاستشارات، مؤخراً، العدد الأول من سلسلة "اتجاهات اقتصادية" باللغة الإنجليزية، تحت عنوان "أسواق النفط في عالم ما بعد جائحة "كوفيد 19""، الذي يقدم رؤية مستقبلية لأسواق النفط في العالم في مرحلة ما بعد "كوفيد 19"، وطبيعة التحولات في خريطة الفاعلين في أسواق الطاقة في المستقبل.
أزمة
وتنطلق الدراسة من حقيقة رئيسية مفادها أن العالم لم يشهد أزمة مشابهة في حدّة تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية لجائحة "كوفيد 19" على الاقتصاد العالمي، منذ الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، فقد أدت تدابير الحجر لاحتواء الوباء، التي طبقت في جميع أنحاء العالم إلى احتجاز الملايين في منازلهم، وعطلت الأنشطة الاقتصادية. كما أثرت بوضوح على صناعتي النفط والغاز، وعصفت بالتوازن بين الطلب على النفط وعرضه، وهوت بأسعار النفط إلى مستويات لم تحدث منذ عقود.
وتشير الدراسة إلى أنه بينما واجهت صناعة النفط العديد من الأزمات، التي دفعتها إلى البحث عن سبل جديدة لممارسة الأعمال والتكيف مع الظروف المتغيرة، فقد تزامنت أزمة وباء "كوفيد 19" مع فترة يواجه فيها قطاع صناعة النفط موجة متصاعدة من ضغوط المساهمين والإكراهات من نشطاء البيئة، ومن الممكن أن تصبح هذه المرحلة الجديدة محفزاً يسرّع التحول الذي بدأت صناعة النفط تخوضه.
وتقارن الدراسة بين تأثيرات الأزمة الراهنة، التي تشهدها أسواق النفط العالمية، والناجمة عن جائحة وباء "كورونا" المُستجد "كوفيد 19"، وأزمتي انهيار أسعار النفط في عام 2008 والفترة ما بين الأعوام 2014 و2016، موضحة أن الأزمة الراهنة خلقت وضعاً عالمياً غير مسبوق، وزَجت بالعالم كله في مواجهة المجهول، وعطّلت الأنشطة الاقتصادية في جميع أنحاء العالم.
وكان لهذه الأزمة الصحية تأثير هائل على الاقتصاد العالمي، وستسفر عن أكبر حالة ركود منذ الكساد الكبير، كما تسببت إجراءات الإغلاق وغلق الحدود أمام حركة الطيران، وانخفاض الناتج الاقتصادي، في تراجع هائل في الطلب على النفط على نطاق لا نظير له، وبسرعة لم يسبق لها مثيل، حيث بدأ انخفاض الطلب أولاً في الصين والأسواق الآسيوية الأخرى في الربع الأول 2020، إذ أصيبت تلك المناطق بالفيروس في بداية العام، ثم انتشر في العالم بأكمله.
توقعات غير مؤكدة
وتلفت الدراسة الانتباه إلى أنه وعلى الرغم من أن أسعار النفط تشهد حالة انتعاش من أدنى مستوياتها، التي وصلت إليها في منتصف أبريل الماضي تقريباً وصارت تحوم حول 40 دولاراً للبرميل منذ يونيو 2020، فإن توقعات صناعة النفط على المدى القريب ما زالت غير مؤكدة في الوقت الراهن.
كما أن الزيادة في عدد حالات الإصابة الجديدة في العديد من البلدان، وإمكانية حدوث موجتين ثانية وثالثة من الإصابات الجديدة، تشير إلى أن العالم أبعد ما يكون عن السيطرة على الوباء في وقت ما زال الكثير من الأسئلة مُعلّقة دون جواب، وهذا لا شك سيكون له تأثيره على الاقتصاد العالمي، ولهذا فقد خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي في عامي 2020 و2021.
ففي تقرير آفاق الاقتصاد العالمي في شهر يونيو الماضي، توقَّع الصندوق أن ينكمش الاقتصاد العالمي بنسبة 4.9% عام 2020، ويتبعه نمو بنسبة 5.4% عام 2021، مقارنة بتوقعات الصندوق الصادرة في أبريل الماضي بانكماش قدره 3% عام 2020 ونمو بنسبة 5.8% العام المقبل.
تطورات
وتخلص الدراسة إلى أن النفط رغم هذه التطورات سيظل محورياً في مزيج الطاقة لعقود مقبلة، غير أنه سيفرض على شركات النفط التكيف مع مستقبل بمعالم غير واضحة تجعل تطوير مشروعات النفط والغاز أمراً محفوفاً بهامش مخاطر عال يتطلب تحقيق معدلات عائد أعلى على الاستثمار.
كما سيتعين على تلك الشركات تنويع مشروعاتها ومواصلة التحول نحو نموذج أعمال متكامل يستوعب التغيرات الناجمة عن التحول في مجال الطاقة وتطور التقنيات المتجددة والجديدة.
وتعد سلسلة "اتجاهات اقتصادية" أحدث الإصدارات العلمية لـ"مركز تريندز للبحوث والاستشارات"، وتتناول بالتحليل القضايا والتطورات الاقتصادية وتوضيح تداعياتها المختلفة على الاقتصاد العالمي.
ويمكن للباحثين والخبراء الاقتصاديين نشر أبحاثهم ودراساتهم العلمية في هذه السلسلة، شرط الالتزام بالأصول العلمية المتعارف عليها عالمياً، وتناول قضايا غير تقليدية ترتبط أو تؤثر في الاقتصاد العالمي.
