عاش النفط الأمريكي، المعروف باسم «خام غرب تكساس الوسيط»، اليوم أسوأ أيامه على الإطلاق منذ أن عرفت البشرية النفط. ولأول مرة في التاريخ نرى الذهب الأسود، وهو يباع بسعر «تحت الصفر»، ففقد النفط الأمريكي أكثر من 100% من قيمته في يوم واحد ليستقر سعره- وفقاً لعقود بيعه الآجلة تسليم مايو-  حتى لحظة كتابة هذه السطور عند «- 37,63» دولار للبرميل، ما يعني أن شركات انتاج النفط الأمريكي دفعت من أموالها الخاصة 37,63 دولار إلى المشترين عن كل برميل من النفط باعته إليهم أمس، بدلاً من أن تتقاضى منهم الثمن، كما هو متعارف عليه، وكما يقتضي العقل والمنطق. فما الذي حدث أمس في أسواق النفط العالمية وفي سوق الخام الأمريكي على وجه التحديد؟

ويتعين علينا مبدأياً الانتباه إلى حقيقة هامة، وهي أن غداً، الثلاثاء، هو آخر يوم لبيع عقود النفط الأمريكي الآجلة تسليم مايو، ما يعني أنه اعتباراً من بعد غدٍ لن يجري آي تداول على عقود مايو، وسيقتصر التداول على العقود الآجلة تسليم يونيو وتسليم يوليو فقط.

وبالتالي، فإن جانب كبير من هذا الإنهيار المأساوي الذي شهدته اليوم عقود مايو، يُعزَى إلى وجود اقتراب الموعد النهائي للتداول. ويرتبط الأمر بآلية تقليدية معروفة في أسواق النفط العالمية، سواء للنفط الأمريكي أو لخام «برنت»، وهي أنه كلما اقترب موعد اليوم الأخير لتداول العقود الآجلة لتسليم شهرٍ ما، كلما تدنى سعر الخام. وفي المقابل، وعلى النقيض، كلما ارتفع سعر نفس الخام في العقود الأجلة، تسليم الشهر الذي يليه.

وبحسب تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي»، فإن العقود الآجلة تسليم يونيو وتسليم يوليو لم تشهد نفس هذا الانحدار الكارثي الذي شهدته اليوم عقود مايو. وعلى الأقل، فلا زالت تُبَاع بأسعار إيجابية، وإن كانت لا تزال متدنية، إلا أنها لم تتراجع دون الصفر. فقد بيع اليوم النفط الأمريكي تسليم يونيو «آخر موعد للتداول عليه هو الــ 19 من مايو المقبل» بسعر 20,43 دولار للبرميل، وبلغت التراجع في قيمته 18%، فيما بيع النفط الأمريكي تسليم يوليو بسعر 26,18 دولار للبرميل، أي أنه لم يفقد سوى 11% فقط من قيمته.

وأما عن انخفاض عقود مايو إلى ما دون الصفر في سابقة تاريخية لن ينساها العالم أبد الدهر، فَيُعزَى إلى السبب الرئيسي المسؤول عن كل تراجع تشهده كافة الأسواق العالمية منذ ما يزيد عن شهرين، وهو انخفاض الطلب العالمي بسبب توقف غالبية مظاهر النشاط الاقتصادي في مختلف دول العالم بسبب تفشي جائحة «كورونا».

وما حدث اليوم ببساطة شديدة هو أن منتجي الخام الأمريكي لا يزالون يعانون انخفاضاً فادحاً في الطلب على مُنتَجهم، وفي الوقت نفسه لم يعد لديهم المزيد من المساحات الكافية لتخزين النفط، إذ باتت منشآت تخزين النفط حول العالم شبه ملئى بسبب عمليات التخزين المستمرة منذ ما يزيد عن شهرين بعد انخفاض سعر الخام بسبب «كورونا».

ولا يستطيع المنتجون التوقف تماماً عن الانتاج ولو لفترة مؤقتة، لأن معنى ذلك ببساطة كارثة اقتصادية مدمرة تتمثل في اضطرار المنتجين إلى تسريح مهندسيهم وعمالهم، توطئةٍ لإعلان إفلاسهم، وهو السيناريو  الأشد سواداً الذي يخشاه الجميع. وبالتالي، فليس أمام شركات الانتاج سوى الاستمرار في العمل والبيع، ولو بالخسارة، انتظاراً لتعويض الخسارة لاحقاً عند تعافي الأسعار بعد انحسار  «كورونا».

وإذا أضفنا إلى كل هذه المعطيات المذكورة أعلاه حقيقية اقتراب التداول على عقود مايو من يومه الأخير، فكان نتاج كل هذه الأسباب التي تضافرت معاً على نحو غريب أن اضطرت شركات النفط الأمريكية إلى قبول بيع خامهم بالخسارة، وأن يدفعوا للمشترين 37,63 دولار في كل برميل، بدلاً من أن يشتروا منهم، وذلك نظير قبول المشترين أن يخلصوا الشركات من النفط الزائد الذي لا تجد له الشركات مشتر أو حتى مكاناً لتخزينه.

وتقول هليما كروفت، رئيسة قسم استراتيجيات السلع لدى بنك «آر بي سي كابيتال ماركتس» الكندي: «لا يزال هناك الكثير من النفط الخام الذي يذهب إلى مصافي لا ترغب به».

وأضافت بقولها: «حتى الآن، لا نرى أي استفاقة قريبة لأسواق النفط. وعليه يظل قلقنا الأكبر بشأن آفاق هذه السوق على المدى القريب، وليس البعيد».