عاش الاقتصاد العالمي خلال عامي 2018 و2019 حرباً من نوع جديد، ليست بالمعنى التقليدي للحروب القائمة على الطائرات وقاذفات القنابل والدبابات والصواريخ، ولكها حرب من نوع آخر قوامها السلعة.. ولم تندلع هذه الحرب بين القوتين العظميين التقليديتين وهما الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، بل ظهر قطب اقتصادي جديد وطأ قدمه اقتصاد المستقبل وبات لاعباً رئيسياً فيه وهو الصين التي ارتدت قفازات قوية استعداداً لمواجهة الاقتصاد الأكبر في العالم وهو الاقتصاد الأمريكي.

وقبل أن يلفظ عام 2019 أنفاسه، تفاجأ العالم قبل أيام بتوقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على اتفاق مرحلي جزئي بين واشنطن وبكين لحل نزاعهما التجاري المحتدم منذ نحو 18 شهراً، الأمر الذي يكفل للاقتصاد العالمي تفادي بعض أسوأ السيناريوهات في العام الجديد، رغم أن الاتفاق لا ينص على تسوية المشكلات الجوهرية بين البلدين.

جولات

لكن قبل القفز إلى الاتفاق الأخير، يجب أن نشير إلى أن الحرب التجارية مرت بالعديد من الجولات التي ظن البعض أن واشنطن قاب قوسين أو أدنى من أن تتغلب على غريمها الجديد بالضربة القاضية، لكن تبين للولايات المتحدة أن الغريم الجديد ليس بالخصم الهين الذي يمكن هزيمته بسهولة، بل راوحت الحرب مكانها منذ انطلاقها تاركة تأثيرات عالمية شديدة التأثير على مجمل الاقتصاد العالمي، وإن كانت محصلتها النهائية، كما يرى كثيرون، أنه «لا غالب ولا مغلوب».

ففي الثامن من مارس 2018، فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أطلق على نفسه «أنا رجل الرسوم»، وهو مصطلح صحيح إلى حد كبير، رسوم بنسبة 25% على واردات الفولاذ و10% على واردات الألمنيوم من دول عدة لتقليص العجز التجاري الأمريكي، وهدد الأمر عدداً من الدول، لكن كانت الصين المتضرر الأكبر، التي تسبب الأمر في عجز لديها بلغ 375.2 مليار دولار مع الصين باعتبارها أكبر منتج للصلب والألمنيوم في العالم.

فما لبث أن ردت الصين بإصدار قائمة تضم 128 سلعة فرضت عليها رسوماً تتراوح بين 15 و25% إذا فشلت المفاوضات مع واشنطن.

لائحة منتجات

وفي 3 أبريل 2018، نشرت واشنطن لائحة بمنتجات صينية يمكن فرض رسوم عليها، رداً على النقل القسري للتكنولوجيا والملكية الفكرية الأمريكية، فردت بكين بقائمة واردات بالقيمة نفسها بقيمة 50 مليار دولار.

وفي 19 مايو أعلن البلدان اتفاقاً مبدئياً على خفض العجز التجاري الأمريكي بشكل كبير، يؤدي إلى تعليق تهديداتهما باتخاذ تدابير عقابية.

وفي الأسابيع التالية، صدرت عن الصين مؤشرات تهدئة بخفض الرسوم الجمركية، ورفع القيود، ومقترحات شراء بضائع أمريكية.

وفي السادس من يوليو 2018 بدأ البلدان بسرعة حرباً تجارية، عبر فرض رسوم أمريكية على 34 مليار دولار من الواردات الصينية. وفرضت الصين رسوماً على بضائع بقيمة 34 مليار دولار أيضاً.

وفي 23 أغسطس من العام نفسه فرضت الولايات المتحدة رسوماً جديدة على منتجات صينية بقيمة 16 مليار دولار، غداة استئناف محادثات، وفي الصين، بدأ تطبيق رسوم بنسبة 25% تستهدف 16 مليار دولار من البضائع الأمريكية.

رسوم جديدة

وفي الرابع والعشرين من سبتمبر 2018 فرضت واشنطن رسوماً جمركية نسبتها 10% على 200 مليار دولار من الواردات الصينية، وردت بكين برسوم جمركية على سلع أمريكية بـ60 مليار دولار.

وفي الأول من ديسمبر من 2018 أعلن ترامب ونظيره الصيني شي جينبينغ هدنة، فواشنطن التي خططت لرفع الرسوم الجمركية 25% في الأول من يناير على 200 مليار دولار من الواردات، علقت هذه الزيادة لمدة 90 يوماً.

من جانبها، تعهدت بكين شراء كمية كبيرة جداً من المنتجات الأمريكية، وعلقت لثلاثة أشهر الرسوم الإضافية المفروضة على السيارات وقطع غيار السيارات الأمريكية وسمحت باستيراد الأرز الأمريكي.

وفي العاشر من مايو من عام 2019، أنهت الولايات المتحدة الهدنة ورفعت رسمياً من 10 إلى 25% الرسوم الجمركية على 200 مليار دولار من الواردات الصينية.

وفي 15 مايو 2019 فتح ترامب جبهة جديدة بإصداره مرسوماً يحظر على شركات الاتصالات الأمريكية شراء معدات من شركات أجنبية اعتبر أنها تمثل خطراً عليها، في إجراء يستهدف شركة هواوي الصينية العملاقة.

كما أعلنت الإدارة الأمريكية أنها تشتبه بأن هواوي الرائدة عالمياً في شبكة الجيل الخامس تتجسس لصالح بكين ووضعتها على قائمة الشركات المحظور بيعها منتجات التكنولوجيا، إلا بإذن خاص. وأعلنت أمريكا مهلة 3 أشهر قبل تفعيل هذه العقوبات.

تعريفات

وفي الأول من يونيو 2019، زادت الصين التعريفات الجمركية على منتجات أمريكية بقيمة 60 مليار دولار، وأعلنت بكين أنها تعد لائحة سوداء بالشركات الأجنبية غير الموثوق بها.

وفي 29 يونيو 2019 خلال قمة مجموعة العشرين في أوساكا، أعلن ترامب وشي هدنة جديدة في الحرب التجارية، مع تعهد واشنطن عدم فرض رسوم إضافية وإعلان ترامب أن مفاوضات التجارة ستستأنف، وقد استؤنفت هذه المفاوضات هاتفياً ثم في لقاء عقد في 30 و31 يوليو في مدينة شنغهاي.

وفي الأول من أغسطس 2019، أعلن ترامب عن فرض رسوم جمركية إضافية تبلغ 10% على سلع صينية بقيمة 300 مليار دولار لم تكن قد طالتها الإجراءات العقابية، اعتباراً من الأول من سبتمبر.

وفي 5 أغسطس سمحت الصين بخفض سعر عملتها الذي تراجع إلى أقل من العتبة الرمزية البالغة 7 يوانات للدولار الواحد، وهو الأدنى منذ 11 عاماً، وتتهم واشنطن بكين بالتلاعب بعملتها لدعم صادراتها، وهذا ما ينفيه البنك المركزي الصيني.

وفي 13 أغسطس أعلن ترامب إرجاء تطبيق رسوم جمركية جديدة بنسبة 10% على منتجات استهلاكية كان مقرراً في الأول من سبتمبر، إلى 15 ديسمبر. واعترف الرئيس الأمريكي بأنه يريد تجنب ارتفاع في الأسعار قبل موسم التسوق في نهاية العام.

إجراءات انتقامية

وفي 23 أغسطس أعلنت بكين عن إجراءات انتقامية تتمثل بفرض رسوم جمركية على منتجات أمريكية بقيمة 75 مليار دولار، ورد ترامب على الفور بدعوة الشركات الأمريكية على إيجاد بدائل لإنتاجها في الصين. وقررت الإدارة الأمريكية أن تزيد اعتباراً من الأول من أكتوبر الرسوم الجمركية لتصبح 30% بدلاً من 25%، على سلع صينية بقيمة 250 مليار دولار.

وفي المقابل ستفرض على السلع المتبقية المستوردة من الصين التي تبلغ قيمتها 300 مليار دولار رسوماً نسبتها 15% بدلاً من 10% اعتباراً من الأول من سبتمبر. واستثنت من ذلك السلع ذات الاستهلاك الواسع التي ستفرض عليها الرسوم اعتباراً من 15 ديسمبر.

سؤال مهم

والسؤال الذي يطرح نفسه.. هل تنتهي هذه الجولات من توجيه الضربات والرد بمثلها، وإلى أي مدى يتأثر الاقتصاد العالمي بها؟ فالاقتصاد العالمي أفاق مرات عدة على صفعات هزت أسواقه كثيراً بعد أن يستشرف المستثمرون فشلاً قريباً للمحادثات التجارية.

فنتائج الحرب التجارية كانت دوماً سيئة اقتصادياً وسياسياً. فقد كان من المفترض أن تقلص حرب دونالد ترامب التجارية العجز في الميزان التجاري وتنعش التصنيع الأمريكي، لكن العجز في الميزان التجاري تفاقم والناتج الصناعي تقلص.

وحتى الاقتصاديون الذين عارضوا تقليص ترامب للضرائب وفرض الرسوم، اندهشوا من مدى سوء ما أدت إليه هذه الإجراءات. وأكثر التفسيرات شيوعاً لهذه النتائج السيئة، هي أن سياسة ترامب في الرسوم الجمركية تخلق الكثير من عدم اليقين، ما يعطي الأنشطة الاقتصادية حافزاً قوياً لإرجاء أي خطة قد تكون لديهم لبناء مصانع جديدة وخلق فرص عمل جديدة.

عجز تجاري

فترامب يرى أن العجز التجاري الأمريكي مع الصين سبب جوهري لإشعال معركة الرسوم الجمركية، فقد بلغ هذا العجز خلال 11 شهراً من العام الجاري، وتحديداً في الفترة من يناير إلى نوفمبر، نحو 272.5 مليار دولار.

فقد سعى البلدان إلى تعظيم مصالحهما وفق حسابات الأرباح والخسائر، وتعددت الأساليب التي استخدمها الطرفان بين زيادة الصادرات وتقليل الواردات عبر تشديد الإجراءات الحمائية، أو بالابتزاز والتهديد والوعيد والحرب الكلامية، أو بالمراوغة، أو حتى باستعداء الحلفاء على مصالح الغير، كما في حالة شركة هواوي الصينية التي لم تكتف واشنطن حظرها، بل طلبت من حلفائها عدم فتح مجالات الاستثمارات أمام عملاق التكنولوجيا الصيني.

فالتحليل الاقتصادي يؤكد أن الجميع خسران بشكل أو بآخر في هذه الحرب، فضلاً عن هذا، ربما لا يدرك البعض أن واشنطن تسعى، رغم شراسة الحرب التجارية، إلى تجنب تعرض التنين الصيني إلى ركود اقتصادي حاد، لأن أمريكا ترى في الصين التي تلقب بمصنع العالم، رافعة اقتصادية لا غنى عنها يجب أن تبقى ليستمر توازن الاقتصاد العالمي، وأن هذا الركود الصيني قد يدخل الاقتصاد العالمي في دوامة كبيرة.