شغلت حرب الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والصين وسائل الإعلام العالمية بشكل كبير، بسبب المخاوف من تداعيات هذه الحرب على الاقتصاد العالمي واقتصاد دول معينة أيضاً. وقد تتعرض بعض الدول من الشركاء التجاريين لكل من الولايات المتحدة والصين، ومنها الدول العربية المنفتحة تجارياً على العملاقين، وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي، لأضرار تجارية جراء هذه الحرب.
ويعتقد بعض الخبراء أن استمرار تلك الحرب سوف يكون وبالاً على الاقتصاد العالمي وحتى على اقتصاد البلدين المتحاربين أيضاً.
لكن محللين يشيرون إلى أن انخفاض الأسعار سيوجه كذلك ضربة إلى الصين، ولن تجد بكين في السوق بديلاً استثمارياً بنفس ضمانات السندات الأمريكية.
ويعتقد محللون بأن الصين لن تصّعد من حدة الصراع لدرجة تتجاوز التعريفات الجمركية. لكن النتيجة المؤكدة هي أن الحرب التجارية سوف تتجاوز حدود البلدين، ما قد يزعزع استقرار الأسواق على المستوى العالمي. فهل يستطيع أحد الطرفين المتحاربين حسم هذه الحرب بمفرده؟
نقاط قوة أمريكا
أهم نقاط القوة والأسلحة الأمريكية في هذه الحرب هي التقنية الحديثة، التي تتفوق فيها الولايات المتحدة على الصين. تمتلك الشركات الصينية التقنية الحديثة خاصة في مجال البرمجيات والذكاء الاصطناعي والاتصالات.
وتعتمد الشركات الصينية على تقنيات تلك الشركات في منتجاتها، كما رأينا الحال مع شركة هواوي الصينية للتكنولوجيا، خاصة الهاتف الذكي. فعندما هددت أو قررت الشركات الأمريكية (آبل وجوجل) بوقف تصدير منتجاتها من البرامج (مثل اندرويد وويندوز)، عانت شركة هواوي من خسائر وتراجع في المبيعات، لولا أن الشركات الأمريكية تراجعت في قرارها وخففت قبضتها على صادرات التقنيات الحديثة إلى هواوي وشركات صينية أخرى.
الشركات متعددة الجنسيات الأمريكية هائلة الحجم والقيمة السوقية حيث إن القيمة السوقية لبعضها يزيد على تريليون دولار (أمازون وغيرها مثل مايكروسوفت وانتل وديل وغيرها). هذه الشركات العملاقة تستطيع أن تمد أذرعها في العديد من دول العالم وتسيطر على حصص في أسواقها، وبالتالي مع جمع هذه الحصص، نجد أن حصتها في السوق العالمية ضخمة، قد لا تستطيع الشركات الصينية منافستها في هذا المجال.
والقوة الشرائية الهائلة في السوق الأمريكية تتيح استيراد قدر كبير من السلع الصينية، التي تعتمد بدورها على التصدير لتوفير فرص العمل داخلياً. فإذا تراجعت الواردات الأمريكية من السلع الصينية بسبب الرسوم، سوف تعاني كثير من الشركات والعمالة الصينية.
نقاط قوة الصين
لكن الصين أيضاً لديها من الأسلحة ما يجعلها تقاوم الرسوم الجمركية الأمريكية:
أولاً: التضييق على الشركات الأمريكية، تستطيع الحكومة الصينية أيضاً أن تضيق على الشركات الأمريكية، إذ يمكن لأي حكومة تشديد إجراءات الجمارك وفرض تدابير صارمة ورفع كلفة عمل الشركات الدولية على أراضيها.
ثانياً: عزل الولايات المتحدة، حيث يستطيع الرئيس الصيني، تشي جين بينغ أن يسعى ببطء لتشكيل تحالفات تجارية مع دول أخرى وهو ما قد يؤدي إلى عزل واشنطن.
ويرى محللون أن هذا يحدث بالفعل ضمن تحركات بكين الأخيرة إلى دول أخرى في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
ثالثاً: خفض قيمة اليوان، يمكن أن تقوم الصين بخفض قيمة عملتها المحلية اليوان. وسيكون لخفض العملة الصينية تأثير مضاعف، حيث إن ضعف العملة يعني صادرات صينية أرخص وأكثر تنافسية، وفي الوقت ذاته سيجعل المنتجات الأمريكية أعلى ثمناً، لا سيما تلك المعرضة لتعريفات جمركية أعلى.
رابعاً: الحد من شراء سندات الخزانة الأمريكية، تحتفظ الصين بديون للحكومة الأمريكية بقيمة 1.17 تريليون دولار في شكل سندات خزانة، ويتكهن بعض الاقتصاديين بأن الصين قد تحد من أرصدتها من تلك الديون للانتقام إذا ما تعرضت لمزيد من الهجوم. وخلال العقدين الأخيرين، اشترت بكين عشرات من سندات الخزانة الأمريكية كوسيلة للاستثمار الآمن، وجمعت الصين المليارات من فوائد تلك السندات.
تأثير على الدول العربية
لا يحقق الطلب العالمي على النفط نمواً يذكر منذ بداية الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، كما أظهرت بيانات وكالة الطاقة الدولية، وقد ظهرت نتائج بداية الحرب التجارية الأمريكية بين واشنطن وبكين بشكل واضح على الصين، والتي انخفض نمو ناتجها الصناعي إلى أدنى مستوى له في أكثر من 17 عاماً.
وبما أن النمو الصيني يتراجع، فيعني ذلك تراجع طلبها على النفط، وهو معامل التصدير الأساسي لدول الخليج المنتجة للنفط.
وطالما أن التهديدات المتبادلة بين أكبر اقتصادين في العالم تكبح الطلب على النفط الخام، كما يرى خبراء، فإنها تؤدي إلى تراجع أسعار النفط، لتقدم سبباً جديداً للقلق في الأسواق العربية والشرق الأوسط، ودول الخليج بالتحديد، التي تعتمد على النفط بشكل رئيسي.
