منذ فترة طويلة، كانت الصين تقيم تعاونًا اقتصاديًا وتجاريًا وثيقًا مع دول الشرق الأوسط، لكن في السنوات الأخيرة، تنامى دور التنين الصيني في المنطقة تجارياً واقتصادياً، وتزايد حجم التبادل الاقتصادي والتجاري بينها من جهة وبين دول الشرق الأوسط بشكل كبير.
ويعد الشرق الأوسط نقطة التقاء مهمة لـ "الحزام والطريق" إلى أوروبا وأفريقيا، لذلك سعى التنين الآسيوي لبناء رؤية للتعاون والتنمية تحت شعار وبمبدأ "الحزام والطريق".
وتعتبر الدول في المنطقة أهم موردي النفط الخام للصين وشركائها التجاريين، وتعد الصين أكبر شريك تجاري لمصر، حيث بلغ حجم التجارة الثنائية حوالي 13 مليار دولار أمريكي في عام 2014.
والمملكة العربية السعودية أكبر شريك تجاري للصين في منطقة غرب آسيا، وهي أهم بلد مورد للنفط الخام وأهم سوق مقاولات هندسية في الخارج، وفي عام 2014، بلغ حجم التجارة الثنائية بين الصين والمملكة العربية السعودية 69.15 مليار دولار أمريكي، واستوردت الصين حوالي 50 مليون طن من النفط الخام من المملكة العربية السعودية، وهو ما يمثل 16.1٪ من إجمالي النفط الخام المستورد. وأرسى التعاون الاقتصادي والتجاري الجيد بين البلدين أساسا متينا لتعميق بناء "الحزام والطريق".
وفي هذا الإطار ألقى الرئيس شي جين بينغ في 22 يناير 2016، خطابًا مهمًا في مقر جامعة الدول العربية بعنوان "إنشاء مستقبل أفضل للعلاقات الصينية العربية وتعزيز المزيد من التقارب بين الصين والدول العربية"، أكد فيه الرئيس على أنه بناء "الحزام والطريق" مع الدول العربية ووضع مفهوم السلام، والابتكار والإدارة، مع التواصل متعدد الأصعدة، إضافة إلى تعزيز التفاهم بين الصين والوطن العربي.
وقال الرئيس الصيني: "يجب أن نغتنم الحزام والطريق، في السنوات الخمس المقبلة، ليكون داعما للسلام، ومروجًا للتطوير والتصنيع، وداعمًا للاستقرار في الشرق الأوسط، مع بناء شراكة بناءة مع دول المنطقة".
تعاون مشترك
ويعد ذلك دليلاً على رغبة الحكومة الصينية في بناء رؤية مشتركة للتعاون والتنمية، ووقعت الصين ودول الشرق الأوسط مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في مجال القدرات، مما يشير إلى أن "الحزام والطريق" سيدخل مرحلة تقدم واقعية وملموسة في الشرق الأوسط، استنادًا إلى مبدأ "الصناعة والبناء المشترك"، تحت شعار "حزام واحد وطريق واحد" إيفاءً باستراتيجيات التنمية لمختلف البلدان، والاندماج العضوي في التنمية الاقتصادية.
وبدأت "الخطة الخمسية الثالثة عشرة" للصين والمملكة العربية السعودية في تنفيذ الخطوات، وهي بناء طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين والحزام الاقتصادي "لممر قناة السويس" المصرية، لتحقيق التكامل التام لاستراتيجيات التنمية. هذا هو التجسيد الكامل لمبدأ البناء "حزام واحد، طريق واحد"، فهو يأخذ في الاعتبار بشكل كامل الظروف الوطنية واحتياجات التنمية لمختلف البلدان، ويسعى لتحقيق تنمية مشتركة.
تكامل اقتصادي
ولا توفر الصين سوق طاقة وسلع ضخم لدول الشرق الأوسط فحسب، بل توفر أيضًا تكاملًا قويًا بينها ودول الشرق الأوسط، مما يوفر مساحة واسعة لتعميق التعاون في مجال القدرات الثنائية.
وفي هذا الإطار أكد الرئيس شي جين بينغ أن الصين والدول العربية ستعملان بشكل مشترك على بناء "الحزام والطريق" وبناء التعاون في مجال الطاقة كمحور رئيسي، مع بناء البنية التحتية وتيسير التجارة والاستثمار، ومجالات التكنولوجيا الفائقة الثلاثة الطاقة أشكالها القديمة، والأقمار الصناعية الفضائية والطاقة الجديدة كنقطة انطلاق.
وحقق نمط التعاون الثنائي في هذه المحاول الثلاثة نتائج مبهرة في الوقت الحالي، حيث في ظل التراجع المستمر في أسعار النفط الخام العالمية، وخشية من تأثير ذلك على التنمية الاقتصادية لدول الشرق الأوسط، كانت الخطة والمهمة الرئيسية لبلدان الشرق الأوسط التخلص من الهيكل الاقتصادي الذي يهيمن عليه إنتاج النفط الخام وتسريع عملية التصنيع، من خلال محاول الاقتصاد البديل والانفتاحات الاقتصادية المبنية على التنوع.
وسيعزز بناء الحزام والطريق التعاون الثنائي في القدرات، وسينشر مزايا الصين في مجالات الميكنة، والصناعات الخفيفة، والإلكترونيات، والبنى التحتية، وتعزيز التحول والارتقاء بالبنية الاقتصادية لدول الشرق الأوسط.
إمكانيات التنمية
وبالإضافة إلى الترويج المستمر لاستراتيجية "الحزام والطريق"، تتمتع الصين والشرق الأوسط أيضًا بإمكانيات كبيرة للتنمية في مجالات متعددة، حيث يحتل الشرق الأوسط موقعًا محوريًا في التصميم الشامل لدبلوماسية الصين: من الناحية السياسية، يقع الشرق الأوسط في "المحيط العظيم" للصين ويشكل داعمًا استراتيجيًا مهمًا للصين؛ ومن الناحية الاقتصادية، يحتل الشرق الأوسط المرتبة الأولى بين أكبر مصادر الطاقة الخارجية للصين، لذلك هو نقطة محورية في مبادرة "الحزام والطريق".
وتتمتع الصين بمزايا فريدة، كونها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، إضافة إلى دورها في حماية السلام والاستقرار العالميين ودعم جهود الوساطة في الشرق الأوسط التي تقودها الأمم المتحدة، هذا من جانب ومن الجانب الآخر تلتزم الصين بخطط التنمية وتتخذ من السعي لحل المشكلات في الشرق الأوسط طريقاً وقراراً لا تحيد عنه، لذلك يمكن الاعتماد عليها في تحقيق التنمية السريعة، حيث ان الصين ترغب في بذل جهود نشطة لتنمية الشرق الأوسط وتحقيق المكاسب المشتركة.
ثالث المزايا التي تتمتع بها الصين أنها تسعى إلى تحقيق مصالحها في الشرق الأوسط، ولا تتنافس مع القوى الكبرى الأخرى على الهيمنة، وبدلاً من الانخراط في الصراعات، فإنها تصر على موقف موضوعي تحقق من خلاله المكاسب السياسية والاقتصادية لجميع الأطراف دون نزاعات وتوجه الأطراف لحل خلافاتهم.
