الاقتصاد الصيني .. 40 عاماً صنعت المعجزة

يحقق الاقتصاد الصيني أرقاماً وطفرات كبرى، فهو ثاني أكبر اقتصاد على مستوى العالم، وأول احتياطي من العملات الأجنبية في العالم، وأول معدل نمو في الناتج المحلي الإجمالي في السنوات الخمس الماضية، وصاحب أكبر صادرات من البضائع عالمياً، ويمكن ملاحظة أن الصعود الاقتصادي الصيني لافت للنظر، بل إنه تسبب في إثارة اهتمام الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة.

ولا يمكن فصل النمو السريع للصين عن سياسة الإصلاح والانفتاح، ولا عن الترابط والتأثير المتبادل بين الصين والسوق العالمية، فعلى مدار 40 عامًا، التزمت الصين دائمًا بالسياسة الأساسية للانفتاح على العالم الخارجي والاندماج بفعالية في عملية التنمية للعولمة الاقتصادية.

وبسبب تزايد العولمة الاقتصادية، تعمل الصين بنشاط على تعزيز تنمية التجارة والاستثمار الثنائية والمتعددة الأطراف، ويتضح للجميع، أن التطور السريع للتجارة الخارجية الصينية قد ساهم بشكل متزايد في ازدهار السوق الدولية والتجارة الدولية، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في عام 2008، التي تسببت في انكماش الاقتصاد العالمي، حيث كان معدل نمو التجارة العالمية عند مستوى منخفض لفترة طويلة. وحينها ساهم النمو المستقر نسبياً لتجارة الواردات والصادرات الصينية كثيراً في النمو المطرد للتجارة العالمية.

ومع التزايد المستمر للقوة الاقتصادية، شاركت الصين بشكل تدريجي وفعال في التنمية الاقتصادية العالمية والحوكمة الاقتصادية. إن الإنجازات الصينية الاقتصادية التي تحققت في الأربعين عاماً الماضية من الإصلاح والانفتاح لا يمكن فصلها عن التقدم المتعمق لعملية العولمة والنظام الدولي الجيد والمستقر، والخروج بنشاط وتوسيع مستوى الانفتاح على العالم الخارجي. ولا يخفى على أحد أن السياسة الصينية في السنوات الأخيرة تدعو إلى الالتزام بالمنفعة المتبادلة والمكسب المشترك، فمن ناحية، عملت الصين باستمرار على تحسين مستوى انفتاحها على العالم الخارجي، ونفذت بنشاط بناء مناطق التجارة الحرة والتفاوض بشأنها، وعززت تنمية التجارة والاستثمار الثنائي والمتعدد الأطراف. ومن ناحية أخرى، ولتلبية مطالب البلدان الواقعة على طول "الحزام والطريق" حول تدهور البنية التحتية، قدمت الصين "مبادرة الحزام والطريق" في الوقت المناسب.

في الوقت الحالي، تدعم أكثر من 100 دولة ومنظمة دولية حول العالم وتشارك بشكل فعال في بناء "الحزام والطريق"، كما تم الاعتراف بشكل كامل بـمبادرة "الحزام والطريق" في قرارات مهمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وأصبحت "مبادرة الحزام والطريق" التي تضم "البناء المشترك والمشاركة" مكملاً هاماً لآلية التنمية الاقتصادية الدولية الحالية. ولا شك في أن بناء "الحزام والطريق" هو وضع مربح لجميع الأطراف المشاركة، وسوف يرسي أساسا هاما للنمو المستدام للاقتصاد العالمي.

وأشار حسين إسماعيل، مدير تحرير الطبعة العربية لــ " مجلة الصين اليوم" بالقاهرة، إلى أن الانفتاح الصيني اليوم ليس فقط لتحقيق التنمية الذاتية، بل أيضاً مبادرة لمواجهة التيارات المضادة.

ورداً على الاحتكاكات التجارية الصينية الأمريكية الحالية وشكوك المجتمع الدولي حول انفتاح الصين، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ أن الصين تلتزم بالسياسة الوطنية الأساسية للانفتاح على العالم الخارجي وتصر على بناء الوطن، ولن يتم إغلاق باب انفتاح الصين، بل سيزداد مع مرور الوقت. وعلى خلفية الانتعاش الاقتصادي العالمي الضعيف والحمائية التجارية المتزايدة، التزمت الصين بثبات انفتاحها على العالم الخارجي والتزمت بطريق الانفتاح والتعاون والمكسب المشترك.

ويضيف تعزيز التعاون الدولي الكامل لدعم مبادرة "الحزام والطريق" سيضيف بلا شك زخما جديدا لتنشيط الاقتصاد العالمي وتقديم مساهمات جديدة لتنمية العولمة. إن بناء "الحزام والطريق" ليس مجرد خيار استراتيجي صُنع من قبل الصين بناء على احتياجاتها التنموية، بل هو أيضًا إجراء عملي لتعزيز العولمة الاقتصادية وتحقيق الفائدة لجميع شعوب العالم.

وقال ستيفن بيري، رئيس مؤسسة نادي مجموعة 48 البريطانية، إن الصين مستمرة في تعميق الإصلاحات، وتوسيع الانفتاح، ودعم تحرير التجارة والعولمة الاقتصادية، والالتزام ببناء اقتصاد عالمي مفتوح، وهذا لن يؤدي فقط إلى تعزيز التنمية في الصين، بل سيساعد أيضا في تعزيز ثقة الاقتصاد العالمي.

ويعتبر التعاون الدولي من خلال مبادرة "الحزام والطريق" برنامجاً تنادي به الصين ومنتجاً عاماً عالمياً، وهو يفضي إلى المعاصرة والربح المتبادل. ويتفق مقترح "الحزام والطريق" مع الاتجاه العام، ويركز على الوضع العام، ويتلاءم مع الطموحات المشتركة للتنمية السلمية لجميع البلدان في العالم والاتجاه العام للتنمية في عالم اليوم، ويقترح خطة صينية لحل مشاكل عالم اليوم، ما يبرهن بشكل كامل على مشاعر العالم التي تهم مستقبل البشرية، وتجسد المبادرة بالكامل المسؤولية التاريخية عن تقديم مساهمات جديدة وأكبر للبشرية.

وتبين الممارسات في السنوات الخمس الماضية أن البناء المشترك لـ "الحزام والطريق" ليس مجرد تعاون اقتصادي، بل هو أيضًا طريقة مهمة لتحسين نموذج التنمية العالمية والحوكمة العالمية وتعزيز التنمية الصحية للعولمة الاقتصادية، وهو منصة تعاون مفتوحة وشاملة، وتشكله جميع الأطراف بشكل مشترك، ويعزز الثقة السياسية المتبادلة والتكامل الاقتصادي والتبادلات الإنسانية بين البلدان على طول الطريق. وفي الوقت الحالي، تزداد مجالات التعاون في مبادرة" الحزام والطريق" حيث لا تقتصر أهمية المبادرة على تعزيز التعاون في مجال تبادل القدرات والترابط بين البلدان في العالم، ولكن أيضاً لبناء نظام عالمي للتنمية مفتوح وشامل للجميع.

وقدم البناء المشترك لـ "الحزام والطريق" مساهمات جديدة لتحسين نظام الحوكمة العالمي وله آثار بعيدة المدى لتعزيز بناء مجتمع المصير الإنساني. ومن أجل خلق وبناء المصير المشترك للإنسانية، اقترح الجانب الصيني مبادرة مهمة مثل "الحزام والطريق"، من أجل تعزيز وتطوير الشراكات العالمية، وتعزيز إصلاح وبناء نظام الحكم العالمي، وقد أوضحت المبادرة القيم الأساسية للصين والعالم.

وتدعو "مبادرة الحزام والطريق" إلى مفهوم "الحوكمة العالمية"، الذي نشترك فيه جميعًا، وتسعى إلى إزالة التفاوت بين الأغنياء والفقراء في العالم الغربي وغير الغربي في السياسات القديمة، والمشاركة بعمق في تعديل النظام الدولي لجعل العالم يتطور في اتجاه أكثر انسجاماً وجمالاً.  

"الحزام والطريق" في نظر الصين ليس أن أفوز وأنت تخسر، مع بلدان العالم يمكنها أن تشارك، فهي منصة للبناء المشترك والفوز المشترك، وفي ظل سياسة الاصلاح والانفتاح، وبتوجيه من استراتيجية "الحزام والطريق"، انطلقت الشركات الصينية بقوة في السنوات الأخيرة الى الخارج، وأقامت صناديق وحاضنات للتكنولوجيا في الأسواق الخارجية مثل الشرق الأوسط وأوروبا، وأقامت مقار الابتكار الدولي، واستمر تحسن معدل توطين الموظفين في الخارج .
ومع بداية العام الجديد، بدأت مجموعة شركات جوانغ تشي ومقرها مدينة شين جين الصينية في التحرك نحو "التحول العالمي"، فقامت ببناء مقر جديد دولي للابتكار في الشرق الأوسط، واستثمرت 30 مليون دولار في مجال تطوير المحركات مع إحدى شركات المملكة المتحدة، لكي تدفع بمجال البحث المشترك وتطوير تكنولوجيا الفضاء المستقبلية، وتسريع عملية تسويق وتصنيع التكنولوجيات والمنتجات ذات الصلة.

في يونيو 2017، انشأت شركة هواوي الصينية مركزا اخر للأبحاث الرياضية في فرنسا، يضم أكثر من 80 باحثًا، جميعهم حاصلون على درجة الدكتوراه، هذا هو المعهد السادس عشر الذي أسسته شركة هواوي في الخارج، وهو إجراء آخر لجذب كبار علماء الرياضيات للمشاركة في العلوم الأساسية لشركة هواوي، وخاصة أبحاث الخوارزميات الرياضية.

وبالنسبة لشركة هواوي، فإن ميزتها ليست مجرد نقل المنتجات الصينية للخارج، فوفقاً للإحصاءات، تنتشر شركة أعمال هواوي في أكثر من 170 دولة ومنطقة، ويعمل بها أكثر من 30.000 موظف أجنبي غير صيني، بمعدل توطين في الخارج يتجاوز 70٪.

وأقامت شركة زد تي إي للاتصالات مركزًا للأبحاث والتطوير في اليابان، وهي واحدة من أسرع الشركات الناشئة في العالم في مجال تكنولوجيا يونيكورن، وهي شركة رائدة في مجال الأبحاث والتطوير في سيليكون فالي، وقد دخلت شركات التكنولوجيا الصينية بالفعل الساحة الدولية باستثمارات طموحة كبيرة في المستقبل، وفي المستقبل القريب، ستقوم بجمع المزيد من موارد الابتكار العالمية واستخدام التكنولوجيا لفائدة العالم.

ربما سنرى في المستقبل سلسلة من الأرقام المدهشة الأخرى، لكن علينا أن نفهم أن نجاح الصين لا ينفصل عن الانفتاح، فهل يمكن لعالمنا أن يكون قادراً على مواكبة ذلك؟

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات