مخاطر جديدة تلوح في الأفق

بعد عقد من الأزمة المالية .. الاقتصاد العالمي إلى أين؟

استعاد الاقتصاد العالمي عافيته ونموه بعد مرور 10 سنوات على الأزمة المالية العالمية، غير أن بعض المخاطر بدأت تزحف عائدة، وظهرت مخاطر جديدة أيضاً. فما الذي حدث بعد عشر سنوات من الأزمة التي أدت إلى سقوط بنك «ليمان براذرز» أكبر بنوك العالم حينها؟ هذا التساؤل يأتي ضمن تساؤلات أخرى عديدة تفرض نفسها حول الاقتصاد العالمي وإلى أين يسير.

تزايد الديون

بعد توقف الكساد العالمي توقع كثيرون أن تنحسر الديون، لكن هذا لم يحدث، فالديون المجمعة لحكومات العالم والمؤسسات غير المالية وديون الأفراد ارتفعت إلى 27 تريليون دولار منذ العام 2007. والنمو في الدين قليل غير أنه يظهر بوضوح عندما ننسبه إلى إجمالي الناتج المحلي.

وتتزايد الديون لدى الدول المتقدمة منذ عام 2008 وارتفع حجمها بشكل أكبر، حيث إن الكساد العالمي تسبب في تراجع عائدات الضرائب وارتفاع مدفوعات الرعاية الاجتماعية. وفي بعض الدول ومنها الصين والولايات المتحدة ظهرت باقات معززة بحوافز مالية، والبعض اعتمد على البنوك والصناعات الحساسة.

وبناء على التجارب التاريخية، فإن أزمة الديون بدأت في القطاع الخاص وانتقلت إلى الحكومات فيما بعد. ومن 2008 إلى 2017، زادت الديون الحكومية بمقدار يزيد على الضعف، وبلغت 60 تريليون دولار. وزادت سندات الشركات غير المالية بمقدار 2.7 ضعف إلى 11.7 تريليون دولار.

الرهونات العقارية

فقبل الأزمة المالية تشجع الأميركيون بالارتفاع السريع في أسعار المنازل وانخفاض أسعار الفائدة على أن يحصلوا على ديون عقارية أكبر مما يمكنهم فعلياً سداده. ومن 2000 إلى 2007 ارتفعت ديون الأفراد في الولايات المتحدة بنسبة 28% كنسبة من إجمالي الناتج المحلي. ولم تقتصر فقاعة العقارات على الولايات المتحدة، بل امتدت إلى عدد من الدول الأوروبية، مع ارتفاع مماثل في ديون الأفراد. وفي الولايات المتحدة وبريطانيا مثلاً ارتفعت ديون الأفراد بنسبة 30% لتصل إلى 93% من إجمالي الناتج المحلي. وكان الارتفاع في الديون الأيرلندية أكبر من هذا.

ثم عادت الأسعار إلى واقعها في الولايات المتحدة اعتباراً من 2007، مع وجود العديد من ملاك المنازل الذين يدينون بقيمة أكبر من منازلهم وليس هناك تمويل لإنقاذهم. ارتفعت نسبة الديون المعدومة إلى رقم قياسي بلغ 11% من الديون العقارية عام 2010.

والآن في دول مثل أستراليا وكندا وسويسرا وكوريا الجنوبية، فإن ديون الأفراد أعلى مما كانت عليه قبل الأزمة المالية العالمية. وعانت كندا، التي نجت من أزمة عام 2007، من أزمة عقارية مؤخراً هي الأخرى. وارتفعت أسعار المنازل بشدة في المدن الكندية الرئيسة ويتعرض الأفراد المدينون بالرهونات العقارية إلى ارتفاع في أسعار الفائدة أكبر من قدرتهم. وأصبحت ديون الأفراد الآن في كندا أعلى كنسبة من إجمالي الناتج المحلي مما كانت عليه في الولايات المتحدة في بداية الأزمة عام 2007.

البنوك أكثر أماناً

وعقب الأزمة تم اتخاذ إجراءات من أجل حماية البنوك من أي صدمات مستقبلية، وارتفع رأس المال من الطبقة الأولى كنسبة أقل من 4% في المتوسط في البنوك الأميركية والأوروبية عام 2007 إلى 15% في عام 2017.

ولا بد على المؤسسات المالية الأكبر أن يتوفر لديها نسبة أعلى من ذلك، وتحتفظ جميع البنوك حالياً بالنسبة الدنيا من الأصول السائلة. وفي العقد الماضي، قللت البنوك من نشاطها التجاري، وبالتالي خفضت مدى تعرضها للخطر، لكن كثيراً من البنوك في الدول المتقدمة لم تجد نماذج أعمال مربحة في فترة ما بعد أسعار الفائدة المنخفضة والأنظمة واللوائح الجديدة. وتراجعت استثمارات البنوك في الأسهم في الدول المتقدمة إلى النصف، وكانت الضغوط أكبر على البنوك الأوروبية.

تفكك النظام المالي

ومن أكبر التغيرات في المشهد المالي العالمي هو تراجع النشاط الدولي وتناقص درجة التفاعل والترابط المالي العالمي من أجل عدم انتقال العدوى بسرعة من مكان إلى آخر. وبباسطة كلما تراجعت الأموال المتنقلة عبر الحدود تراجعت مخاطر وقوع أزمة مالية مماثلة لما حدث عام 2008. ومنذ عام الأزمة تراجع معدل انتقال المال عبر حدود بمقدار النصف.

وقادت بنوك الاتحاد الأوروبي هذا التراجع في النشاط العالمي، وأصبحت أكثر محلية وأقل عالمية. تراجع إجمالي القروض العالمية لتلك البنوك بمقدار 6.1 تريليونات دولار أو بنسبة 38% منذ العام 2007. وقللت بنوك سويسرا وبريطانيا وبعض البنوك الأميركية نشاطها الدولي، وباعت البنوك في أنحاء العالم أولا بقيمة أكثر من تريليوني دولار منذ عام الأزمة، وانخفضت الاستثمارات العالمية من 3.2 تريليونات دولار عام 2007 إلى 1.6 تريليون دولار عام 2017.

ديون الشركات

ويشكل نمو ديون الشركات خاصة في الدول النامية خطراً، خاصة مع ارتفاع أسعار الفائدة عندما يقيم الدين بالعملة المحلية، إذا تراجعت قيمة العملات المحلية وقد تقع الشركات في دائرة مفرغة تجعل من السداد أو إعادة التمويل أمراً صعباً، كما أن تراجع أسعار العملة التركية يبعث بهزات في الأسواق، مما يجعل بنوكاً أوروبية وغير أوروبية في خطر.

وسوف يحل سداد عدد من السندات التي تدين بها الشركات في السنوات الخمس المقبلة، وسوف يكون هناك حاجة سنوية لإعادة التمويل ما بين 1.6 تريليون إلى 2.1 تريليون دولار. وفي الولايات المتحدة، هناك خطر جديد يظهر هو القروض من المؤسسات غير المالية، حيق أثبتت الأرقام أن هذه الجهات المقرضة، وهي غير مصرفية، تزيد قروضها على نصف الرهونات العقارية حسب أرقام 2016.

مخاطر إضافية

هناك كثير من المخاطر غير المعلومة في العالم، فالتبادل التجاري السريع يمكن أن يسبب انهياراً كبيراً. ففي العقد الماضي، وجه المستثمرون 3 تريليونات دولار إلى منتجات ليست قابلة للتداول، وشعبية هذه المنتجات (المالية) غير الواقعية يمكن أن تسبب تذبذباً وتجعل كفاءة أسواق المال منخفضة.

ولا يختبر كثير من المستثمرين أساسيات الشركات والصناعات التي يستثمرون فيها، من أمثلة تلك المنتجات التي ترتفع شعبيتها العملات الرقمية، حتى بلغت تلك الشعبية ما يقارب علامات الفقاعة في حالة عملة بيتكوين، كما أن تأثيرها على السياسات المالية الاستقرار المالي غير واضح، أضف إلى ذلك التوترات السياسية والحركات القومية التي تشكك في مصداقية المؤسسات والعلاقات طويلة المد ومفهوم حرية التجارة.

اقرأ أيضا

تعليقات

تعليقات