حرب ترامب التجارية انكفاء هجومي على الخارج

انتقل العالم، فجأة، من المعاناة التي يعيشها مع حروب الإرهاب والتطرف والنزاعات المسلحة، والتحذيرات الرصينة من تراكم الأسباب التي يمكن أن تدفع باتجاه حرب عالمية ثالثة، إلى الانشغال بـ«الحرب التجارية»، التي أعلنتها الولايات المتحدة على الصين بالدرجة الأولى، ولكنها لم توفر الحلفاء والأصدقاء وبقية العالم ومن فيه من دول جوار وشركاء في السياسة والاقتصاد، وطالت النظام الاقتصادي العالمي نفسه.

فما الذي يجري؟

هل فعلاً أن التسويات التي نتحدث عنها،

أكثرمما نراها، وتذهب باتجاه إطفاء نقاط

الاشتباك والتوترات «الجانبية» (سوريا، وشبه

الجزيرة الكورية، ومحاولات إعادة تأهيل

طالبان، وتراجع أهمية أعداء روسيا في أوكرانيا،

وخفوت الصوت الإعلامي الغربي عن تشدد

بكين في بحر الصين الجنوبي، مثالاً)، هي إشارة

كاملة على أن القوة الأميركية المسيطرة في

العالم، التي تحدد مسار الأحداث والسياسات،

تريد فعلاً أن تنسحب من السياسة الدولية،

وتنكفئ على نفسها، لتعالج ما ترى أنه المهم

والأهم بالنسبة لوجودها، وبقائها!؟

وهل اكتفى العالم فعلاً، والولايات المتحدة

على وجه الخصوص، من الصراعات المسلحة

والحروب بالأسلحة والعتاد العسكري، والتفت

إلى الاقتصاد، واقتنع بأن التراكم الرأسمالي

والسيطرة الاقتصادية هي الأساس، فقرر أن

يخوض حرباً تجارية؟

 

ما الذي حدث؟

من المؤكد أن الولايات المتحدة، التي انتخبت رئيساً شعاره «أميركا أولاً!»، ويسعى إلى خفض الموازنة العسكرية، وتقليص التدخلات المباشرة، تريد أن تنكفئ؛ ولكن ليس على نفسها داخلياً، بل على العالم خارجياً. في ذلك يتفق الجميع في واشنطن، من يوالون الإدارة الجديدة ورئيسها، ومن يعادونها، ولا يحتملون دونالد ترامب نفسه. ونقطة الاتفاق الرئيسية هي درء أية أسباب للتصدع والمساجلة الداخلية، واللجوء في هذا السبيل إلى دفتر فواتير السياسة الخارجية، واقتصادياً استثمار «قوة» أميركا كمستهلك و«زبون» للعالم، يملك حق أن يكون «محقاً» دائماً، ويمكنه أن يفرض إرادته على «الموزع» و«المنتج»، كليهما معاً.

ولهذا، بالذات -أي لأن أميركا باتت بحاجة إلى التفاوض على قوتها الاستهلاكية وعلى طاقتها الواسعة كـ«سوق»- لجأت إلى مفاوض يجيد عقد الصفقات. ولهذا وجد دونالد ترامب، رجل الأعمال، فرصته الواقعية في أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة.

إنه، كرجل أعمال، لا يذهب إلى محاولة قيادة العالم، ودفع ثمن هذه القيادة، ولكنه يمكن أن يثير مخاوف العالم من إمكانية غياب قيادة الولايات المتحدة. حينها، على الأقل، لا بد سيصرخ المنافس الصيني والحليف الأوروبي والشريك الياباني والشقيق الكندي والجار المكسيكي مستهولين بفزع، راجين الإبقاء على «القيادة» الأميركية.

وحينها يكون ترامب جاهزاً لجلسة يخرج منها قائلاً: «لقد عقدنا صفقة رائعة!».

 

إعلان الحرب

لم تكن «الحرب التجارية»، التي بدأ ترامب

بشنها على العالم، خياراً مفاجئاً، ولا ردة فعل

طارئة على حدث أو ظرفٍ مستجد. بل كانت

«نقطة» جوهرية في برنامجه الانتخابي

الذي أثار في حينه تخوفات مما سمي «الانعزالية الأميركية» التي يتوجب القول إنها ليست رؤية تخصّ سياسياً دون غيره، ولكنها خيار يزداد التوجه إليه في أوساط «المؤسسة» الأميركية عموماً، باعتباره خياراً وطنياً لمواجهة الخلل الحاصل في العلاقة بين عوائد السياسة الخارجية الأميركية والكلفة التي يتكبدها اقتصاد الولايات المتحدة مقابل تشغيل ماكينة تلك السياسة نفسها.

وفي الواقع، فإن غياب هذه الحقيقة، حول «الضرورة الأميركية»، أوهم الجميع بأن «الجمهوريين»، الذين قاوموا بضراوة فكرة الدفع بترشح ترامب عن حزبهم، ويشاركون العالم والحليف الأوروبي الشكوى من «انسحابية» إدارة أوباما، لن يسمحوا بوصول رئيس يذهب بهذه «الانسحابية» إلى حدود أبعد، ولا يتردد في مهاجمة الأصدقاء والحلفاء، على حد سواء مع الخصوم والأعداء، وبنفس القدر والمستوى.

ولكن، في الواقع، كان من الطبيعي أن أميركا، التي رفضت «الانكفاء إلى الداخل» على طريقة إدارة أوباما الانسحابية، أن تبحث عن خيار آخر، فتقبل بـ«الانكفاء إلى الخارج» على طريقة ترامب الهجومية. ومن الواضح، هنا، أن «الحمائية» و«الحرب التجارية» التي تنجم عنها، هما من الأدوات الرئيسة لهذا النوع من الانكفاء. الانكفاء إلى الخارج. إذ من المسلم به أن هذه «الحمائية» تقود إلى توجيه المخرجات الاقتصادية نحو تحقيق وضع من «الاكتفاء الذاتي»، بكل ما يعنيه ذلك من تخفف من واقع الترابط «العولمي» سياسياً واقتصادياً في عالمنا اليوم. وفي هذا جوهر الفكرة «الانعزالية»، التي تقنن الانغماس الأميركي في العالم!

الأصدقاء مع الأعداء

إذن، لم يكن مفاجئاً أن يوقع الرئيس الأميركي ترامب في الثامن من مارس قراراً فرض رسوم جمركية بنسبة ربع القيمة على واردات الصلب وعشر القيمة على الألمنيوم، كما أن الأمر لم يكن «مجرد خيار، ولكنه مسألة ضرورة لأمننا القومي»، ورد لا غنى عنه على «أزمة متنامية».

 

ما هذه الأزمة؟

تمتلك الأزمة شقين: الأول محلي أميركي يتعلق بوضع الولايات المتحدة الاقتصادي والمالي، والثاني دولي يمسّ النظام الاقتصادي العالمي المعمول به منذ نحو ثلاثة عقود من الزمن.

في الشق الأول، يؤكد ترامب أن إجراءاته «الحمائية» هي خطوة دفاعية، يحمي من خلالها صناعة الصلب في بلاده التي «عانت من ممارسات تجارية أجنبية عدوانية. هي بمثابة هجوم على دولتنا». ويؤكد ذلك بما يتعلق بأوروبا والمكسيك وكندا، مشيراً إلى أن ممارسات حلفاء واشنطن باتت تشكّل «تهديداً للأمن القومي الأميركي».

ولكن قصة ترامب، الرئيس الأميركي في لحظة فارقة، رغم هويته كرجل أعمال، تظل أكبر من متاعب الحديد والألمنيوم!

في الواقع، ما يعني الرئيس الأميركي، حقاً، هو ذلك الشق المتعلق بموقع بلاده على الساحة الدولية، كراعٍ يمتلك حق فرض وتمويل المعادلات وتنظيم المصفوفات الدولية بما يتناسب مع مصالحة. وهو يرى اليوم أن بلاده تمول معادلات ومصفوفات دولية بكلفة لم تعد الولايات المتحدة تتحملها، ولا تعود عليها بالعوائد المجدية؛ ولهذا، فإن الرصاصة الأولى في الحرب التجارية التي وجهها إلى الصين أصابت الجميع، الشركاء مع المنافسين، كما أنها ضربت أسساً ثابتة في النظام الاقتصادي العالمي، ظلت تعتبر لعقود طويلة قيماً لا يمكن التخلي عنها. ومن هذه قواعد منظمة التجارة العالمية وحرية التجارة ونبذ السياسات الحمائية. بل وتضرب في أسس راسخة أقدم، منها اتفاقية «بريتون وودز»، التي أعطت الدولار الأميركي وضع العملة المرجعية. كما أصابت قواعد التحالفات السياسية للولايات المتحدة، في غير مكان، ولم ينج من ذلك حتى الحليف الأوروبي الأطلسي.

وبالتالي، يمكن توصيف الأزمة بالعناصر التالية:

- وطنياً، على المستوى الأميركي الداخلي يبرز العجز التجاري مع الشركاء الاقتصاديين الكبار، إلى جانب المديونية الأميركية في شقيها الداخلي والخارجي، مضافة إليهما مديونية الأسر الأميركية.

- التناقض الحاصل في المصالح الأميركية المباشرة مع أسس النظام الاقتصادي العالمي، في وقت لا تبدو فيه الولايات المتحدة مستعدة لنتائج تغيير أو تعديل هذا النظام، لاسيما في ظرف لا تبدو فيه قادرة على ضمان تفردها في فرض مثل هذا التغيير أو التعديل.

- تواجه الولايات المتحدة واقع أن أي تحريك بالنظام الاقتصادي العالمي، ينذر بتغيير وضع الولايات المتحدة العالمي، ويهدد وضع الدولار كعملة مرجعية، ما يعني تهديد «القيادة» الأميركية للعالم.

بالطبع، لا تشكل الحرب التجارية حلاً، لكنها أداة رئيسية لإدارة الأزمة، بحيث لا تواجه الولايات المتحدة الحاجة إلى إحداث تغييرات بنيوية في النظام الاقتصادي، من المحتوم أن تؤدي إلى تغيير جوهري في دورها ومكانتها الدولية، وتفتح الباب واسعاً أمام دول طموحة وجامحة تسعى إلى مشاركة الولايات المتحدة قيادة العالم.

 

الصين أولاً

تسعى الانكفاءة الأميركية، على طريقة ترامب، إلى تقنين الانغماس الأميركي في شؤون العالم ومشكلاته، لكنها لا تعني التخلي عن الهيمنة والنفوذ الأميركيين، ولهذا فإن الرصاصة الأولى لم تكن طائشة، ولكن تم تصويبها بدقة نحو الصين، التي تمثل خطراً يتهدد تلك الهيمنة في ظل معدلات نموها المرتفعة التي تؤهلها للحاق بالاقتصاد الأميركي كقوة اقتصادية أولى في العالم خلال عقدين من الزمان، تجمع بين القوة الاقتصادية والقوة العسكرية.

لا يهدف ترامب من خطوته، التي يراها دفاعية

وتراها بكين هجوماً عدائياً، فقط إلى تقليل

العجز التجاري بين بلاده وبين الصين. لكنه

يسعى كذلك وبدرجة أساسية إلى وضع

العراقيل أمام شراكة الصين مع حلفائه

وشركائه التقليديين في أوروبا والعالم.

بل ولهذا، يجب التوقف عند كلماته، التي يؤكد فيها استهدافه لحلفائه، وقال فيها: «لعل الأوروبيين أسوأ من الصينيين».

ومع ذلك، فإن الخصم الملح، الذي له الأولوية، ويمثل عصباً وجذراً، تتجمع لديه أهم العلاقات التجارية «الضارة» باقتصاد الولايات المتحدة، ويؤدي ضربه إلى الإضرار بأكبر قائمة من خصوم أميركا، من الأعداء والأصدقاء، هو.. الصين!

ولهذه الغاية، حشد ترامب بقوة ضد بكين واتهمها بسرقة حقوق الملكية الفكرية والتغاضي عن تزوير العلامات التجارية وقرصنة حقوق النسخ التجاري، بالإضافة إلى الاختراقات الإلكترونية التي تستهدف سرقة أسرار علمية وتجارية، مؤكداً أن خطوته «الحمائية» تهدف إلى وقف «نقل التكنولوجيا الأميركية غير العادل، وحقوق الملكية الفكرية إلى الصين» وحماية الوظائف، وردع بكين التي تضع معوقات في طريق دخول الشركات الأميركية إلى سوقها الوطنية من خلال إجبار الشركات الأميركية على الكشف عن أسرار تكنولوجية وتجارية حساسة مقابل دخولها للسوق الصيني، وصولاً إلى تقديم دعم للشركات الصينية، وهو ما يخل بتنافسية السوق.

وشكوى ترامب واضحة: «لسنا في حرب تجارية مع الصين، ولكن يوجد لدينا عجز في الميزانية بقيمة نصف تريليون دولار سنوياً، لا يمكننا أن نستمر في ذلك». ويمكن كذلك الانتباه إلى ملاحظات ترامب حول الدين الصيني، الذي عبر عنه بـ1.2 تريليون دولار من السندات الأميركية التي تحوزها بكين. فيما نعلم أن المعضلة الأميركية المتكررة تحت عنوان «أزمة رفع مستوى الدين العام»، تجد لدى ترامب أفكاراً جديدة للتحايل عليها، ومنها التفاوض غير المباشر، تحت الضغط، مع الدائنين الكبار على الدين نفسه.

 

غضب على الشركاء

يرى الرئيس الأميركي أنه من غير المنطقي

أن تعاني بلاده من عجز تجاري سنوي مع دول

العالم، وهي صاحبة أضخم اقتصاد على وجه

 

البسيطة.

وهو في هذا ينحو باللائمة على الجميع، فيقول إن الولايات المتحدة لها «أصدقاء وأعداء، استغلونا من خلال التجارة والنفقات العسكرية على مر السنين استغلالاً بشعاً».

لذا، لم تقتصر إشارات الرئيس الأميركي هنا إلى العجز التجاري مع المنافس الصيني، بل يذهب أبعد من ذلك بما يتعلق بالحلفاء، الأوروبيين على وجه التحديد، فقد اتهم ألمانيا بأنها تخصص القليل لنفقات الدفاع في ميزانيتها. وقال: «حين ينظر المرء إلى حلف شمال الأطلسي يجد ألمانيا تدفع 1% بينما نقدم نحن 4.2% من إجمالي الناتج المحلي لاقتصاد أكبر بكثير من الاقتصاد الألماني، وهذا ليس عدلاً».

هنا، تكتشف الولايات المتحدة التي أعطت حلفاءها وشركاءها في أوروبا وأميركا الشمالية وجنوب شرق آسيا امتيازات اقتصادية وحماية عسكرية مقابل دور سياسي متفرد، أضحى اليوم منحسراً، وتضيق مساحته، بينما الشركاء الذين يستخدمون قوتهم الاقتصادية في انتزاع مساحة سياسية لا يزالون يستفيدون من الامتيازات الاقتصادية الممنوحة لهم، ولا يسهمون بالعبء العسكري والأمني بما يتناسب مع ذلك.

وفي الواقع، ركز ترامب حملته الانتخابية على قاعدة «إنهاء سبعة عقود من السياسة الأميركية» رسخت أعلى مستويات التجارة الحرة بين بلدان العالم في التاريخ. وتتمحور هواجسه حول اتفاقين يراهما غير عادلين بالنسبة للولايات المتحدة: أولهما اتفاق التجارة الحرة في أميركا الشمالية «نافتا»، واتفاق آخر سمح بانضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية. وفي حجة اقتصادية مباشرة، تبدو صغيرة في تحديدها، يؤكد ترامب أن هذين الاتفاقين، إلى جانب اتفاقات تجارة أخرى، قلّصت الكثير من مكاسب الصانعين الأميركيين، ودمّرت الملايين من الوظائف في المصانع الأميركية.

الأثر العالمي

تريد الصين أن تحافظ على مصالحها التجارية لتستمر على عرش أكبر الدول المصنعة في العالم، حيث إن لديها خطة تحت اسم «صنع في الصين»، لتصدر قائمة الدول في مجال الصناعات الاستهلاكية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؛ لذا، ورغم محاولاتها، ضبط النفس وعدم الانجراف إلى حرب تجارية مع الولايات المتحدة، فإن الصين تجد نفسها مضطرة للرد باتخاذ خطوات مضادة.

وهنا، فإن الفعل ورد الفعل المتبادل بين الطرفين، الأميركي والصيني، يزدادان خطورة باجتماعهما مع ردود الفعل الدولية الأخرى، ويضعان العالم على أعتاب مخاض طويل قد ينتهي بإعادة صياغة النظام الاقتصادي العالمي برمته على أسس جديدة، ربما تكون معبرة عن خريطة موازين القوى، الاقتصادية والسياسية والعسكرية الجديدة، التي برزت في واقع ما بعد عالم القطب الواحد.

لقد كانت العولمة والاقتصاد المفتوح هما الإطار العام الذي يحكم العالم منذ ما يزيد على ربع قرن، بقيادة الولايات المتحدة، إلا أنه مع اتساع العجز الذي تعانيه الولايات المتحدة باتت الآن المطالبة بإلغاء قواعد ومعايير حرية التجارة الحرة تأتي من أحد أهم مراكز الاقتصاد العالمي، من الولايات المتحدة نفسها، وليس من دول العالم النامي.

 

درس من التاريخ

ليست الحروب التجارية بجديدة، فقد كانت

دائمة الحضور في كتاب التاريخ، وتحتل

صفحة تسبق الحروب الكبرى؛ ولعل أشهر

الحروب التجارية، هي تلك التي عُرفت بـ«حروب

الأفيون»، التي شنتها بريطانيا العظمى على

الصين في عام 1839.

 

والأمر في أن بريطانيا العظمى، المنتعشة بنتائج الثورة الصناعية‏، التي جعلت منها الدولة الرأسمالية الأقوى في العالم، احتاجت إلى فتح أسواق لتصريف منتجاتها الصناعية‏ والحصول على مصادر رخيصة للمواد الأولية التي تحتاجها لصناعاتها‏.

لذا، سعت إلى دخول السوق الصينية، إلا أن الإمبراطور يونغ تشينغ رفض فتح السوق أمام التجارة البريطانية، ‏وفي المقابل كان على التجار البريطانيين، الذين يستوردون الشاي والحرير والبورسلين، دفع قيمة مشترياتهم الصينية نقداً بالفضة‏،‏ ما تسبب في استنزاف مواردهم منها.

ولمواجهة هذا الواقع لجأت شركة الهند الشرقية البريطانية إلى زرع الأفيون في المناطق الوسطى والشمالية من الهند، ‏وتصديره إلى الصين كوسيلة لدفع قيمة واردتها الصينية‏. ‏

وقد لاقت الخطة البريطانية النجاح، وازداد حجم التبادل التجاري بين البلدين. وبدأ نزوح الفضة من الصين لدفع قيمة الأفيون، ما دفع بالإمبراطور يونغ تشينغ إلى إصدار مرسوم بمنع استيراد المخدرات.

عندها أعلنت بريطانيا الحرب على الصين بذريعة «تطبيق مبدأ حرية التجارة»، فأرسلت سفنها وجنودها إلى الصين لإجبارها على فتح أبوابها للتجارة بالقوة. وكان من نتائج هذه الحرب أن هونغ كونغ أصبحت مستعمرة بريطانية، إلى جانب اضطرار الصين إلى تقديم تنازلات كبيرة ومؤلمة. الفارق اليوم أن الولايات المتحدة، وليست الصين، هي من شعر بأن قواعد «حرية التجارة» المعمول بها لا تخدمها، فاندفعت إلى إجراءات «حمائية» مباشرة، تراها دفاعية ويراها العالم هجوماً عدائياً. ومن الملاحظ أن «حروب الأفيون»، التي اعتبرت فصلاً عادياً من عهد الاستعمار، شكلت منعطفاً في قيادة بريطانيا للعالم، ووضعت الصين في حضيض سياسي واقتصادي وإنساني، لم ينتهِ إلا في عام 1911، مع بزوغ نجم الزعيم الصيني الشهير صن يات سن!

تعليقات

تعليقات