على خلفية تعافي الاستثمارات وانتعاش التجارة

الاقتصاد العالمي يحافظ على قوته رغم النمو البطيء

استطاع الاقتصاد العالمي في العام 2017 أن يكسر الروتين، حيث سجل نمواً بنسبة 3.8% فيما يعد النمو الاقتصادي الأعلى منذ 2011. وتحقق هذا النمو على خلفية تعافي ملحوظ في الاستثمارات ونمو في التجارة العالمية هو الأعلى منذ العام 2011 أيضاً، حيث بلغت نسبته 4.9%.

وارتفعت قيم العملات المحلية في غالبية الأسواق الناشئة مقابل الدولار، ما أبقى على معدلات التضخم في هذه الأسواق منخفضة، وأبقى على الديون في متناول قدرات حكوماتها على السداد. وبدأت الأسواق المالية تتأرجح منذ فبراير 2018، لكن ذلك لم يحدث إلا بعد أن بلغت هذه الأسواق أقصى ارتفاع لها على الإطلاق. وفي أبريل أكد صندوق النقد الدولي أن الطفرة الاقتصادية العالمية صارت أقوى وأوسع نطاقاً.

استبانات

ومنذ ذلك الحين، بدأ النمو الاقتصادي العالمي يتراجع، ففي أول الأمر، تمخضت الاستبيانات الاقتصادية التي أجريت في أوروبا عن نتائج سيئة، حيث تنبأت بنمو 1.6% فقط في الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأول من العام الجاري، بعد احتساب النمو على أساس سنوي.

ويبدو أن باقي مناطق العالم قد التقطت العدوى، فقد شهد الربع الأول من 2018 أيضاً تباطؤ النمو الاقتصادي المحتسب على أساس سنوي في أميركا ليتراجع إلى 2.3%، بعد أن بلغ 3% خلال الأشهر الستة الأخيرة من عام 2017، وفي الوقت نفسه انكمش النمو الاقتصادي في اليابان خلال الفترة نفسها بنسبة 0.6%، لينهي بذلك موجة من النمو استمرت منذ بداية 2016.

وبدأ المستثمرون في التساؤل ما إذا كانت الطفرة الاقتصادية التي شهدها العالم خلال الفترة الماضية قد انتهت، حتى الصين، التي بدت محصنة نسبياً ضد التباطؤ الاقتصادي، لاحظ صانعو السياسات الاقتصادية هناك ضعفاً في الطلب المحلي، وفي منتصف أبريل الماضي، عمدت الصين إلى تليين سياساتها النقدية قليلاً، وذلك بالسماح لبنوكها المحلية بالاحتفاظ باحتياطيات نقدية أقل.

سندات

وفي غضون ذلك، أدى تباطؤ النمو في عائدات السندات الأميركية نتيجة التوقعات بارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة إلى زيادة الضغط على عملات الأسواق الناشئة، حيث تراجعت قيمتها بنسبة 5.4% منذ بداية أبريل الماضي.

فعلي سبيل المثال اضطرت الأرجنتين إلى طلب مساعدات مالية من صندوق النقد الدولي ورفع معدلات الفائدة لديها إلى 40% بعد تراجع قيمة عملتها البيزو. كما تلقت الليرة التركية ضربات موجعة ووعد الرئيس رجب طيب أردوغان في الشهر السابق باتخاذ خطوات تضمن المزيد من السيطرة على السياسات النقدية .

ربما يكون الطقس السيئ قد أضعف النمو الاقتصادي في أوروبا خلال الربع الأول من العام الجاري. وفيما يخص الولايات المتحدة، فغالباً ما يبدو نموها الاقتصادي بطيئاً في بداية العام، ليتعافى بعد ذلك، في ظاهرة تُعرَف باسم «الرواسب الموسمية»، وثمة علامات واضحة قادمة من أميركا مثل ارتفاع مبيعات التجزئة وقوة ثقة المستهلكين، تشير إلى حقيقة مؤداها هو: حتى لو كان التباطؤ الاقتصادي قادماً، فإنه لن يمر على أميركا.

تضخم

وإذا نظرنا خارج أميركا، سنجد أن معدل التضخم يتراجع في كل مكان تقريباً، ففي منطقة اليورو، على سبيل المثال، سنجد أن معدل التضخم بلغ 1.2% فقط، وهو المعدل نفسه في نهاية 2016، كما تخلى بنك اليابان عن تعهده برفع معدل التضخم إلى 2% بحلول العام المالي 2019، وهو هدف تم تأجيله بالفعل ست مرات قبل ذلك، كما تراجعت معدلات التضخم في غالبية الأسواق الناشئة أيضاً، وحتى في بريطانيا ما بعد البريكست، التي أدى التراجع الهائل في قيمة عملتها الجنيه الإسترليني إلى ارتفاع معدل التضخم عن 2% خلال العام الماضي، فقد تراجع هذا المعدل خلال العام الجاري بسرعة تفوق ما كان متوقعاً.

نظرياً، سيكون الاقتصاد العالمي في وضع أفضل إذا انتشر الطلب المتزايد في كل مكان، لكن للأسف، فإن الآلية التي تسمح بحدوث ذلك خطرة! إنها آلية الدولار الأقوى، ونظرياً مرة أخرى، سيتيح ارتفاع قيمة الدولار للأميركيين شراء المزيد من الواردات، وهو ما سيؤدي إلى تنشيط اقتصادات الدول المصدرة لأميركا، لكن عند التطبيق العملي لهذه الآلية، فإن ارتفاع قيمة الدولار سيضر باقتصادات الأسواق الناشئة التي لديها ديون بالدولار، ولأن عدداً كبيراً من المعاملات التجارية الدولية يجري باستخدام الدولار، فإن ارتفاع قيمة الورقة الخضراء سيؤدي إلى خفض حجم التجارة بين الدول الأخرى أيضاً. ولقد أدت أربع من ضمن آخر خمس دورات لهذه الآلية إلى خلق أزمات اقتصادية في العديد من الأسواق الناشئة.

أسباب

ولكنّ ثمة أسباباً مقنعة تجعلنا أكثر ثقة في الاقتصاد العالمي هذه المرة، منها أنه من بين الأسواق العشر الكبرى الناشئة على مستوى العالم، فإن تركيا والأرجنتين فقط هما اللتان عانتا عجزاً تجارياً فاقت نسبته 2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2017. وأما باقي الأسواق الثماني، فتبدو في حالة أفضل كثيراً بالنظر إلى حجم اقتصاد كل منها.

وهناك سبب آخر، هو أن تأثير أسعار النفط على الاقتصاد العالمي بات خداعاً إلى حدٍ كبير بعد الطفرة الهائلة في إنتاج النفط الصخري. لقد بات ارتفاع أسعار النفط الآن عاملاً معززاً للاستثمار الأميركي، وليس العكس. وفي كل الأحوال، فإن ما يحرك أسعار النفط هو الطلب.

دراسات

أكدت دراسات أنه على الرغم من كل ما يحدث فإن النمو الاقتصادي العالمي لا يزال قوياً، وإن تباطأ خلال العام الجاري، فقد أكدت استبانات أجراها يونيون بنك أوف سويسرا «يو بي إس» في الصين، والولايات المتحدة وأوروبا أن النشاط الاقتصادي في هذه المناطق مجتمعة خلال العام الجاري يفوق ما كان عليه في المناطق نفسها على مدى العقد الماضي بنسبة 83%.

تعليقات

تعليقات