عندما يقع أي حدث كبير سواء كان سياسياً أو اقتصادياً من الصعب معرفة ما إذا كان مجرد جزء من الضجيج المعتاد للأحداث اليومية، أو ما إذا كان شيئاً مختلفاً تماماً. وهذا هو الحال بالنسبة للحرب التجارية التي تلوح في الأفق بين الولايات المتحدة والصين.
ويمكن إعادة صياغتها بهذه الطريقة. هل يمكن أن تكون الحرب التجارية هي أول ما يحفز الركود العالمي المقبل، ومن ثم يصبح الهروب من هذا الكساد أمراً أكثر صعوبة؟
وإذا أخذنا اقتراح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض 0.25 % من الرسوم الجمركية على مجموعة من الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بعين الاعتبار، فهذا لا يمكن اعتباره نجاحاً هائلاً، ولكنه أبعد مدى من ذلك.
وكان ترامب قد اقترح تحصيل رسوم جمركية على 60 مليار دولار من الواردات الصينية. وفي العام الماضي، استوردت الولايات المتحدة ما قيمته 506 مليارات دولار من السلع الصينية، والتي اعتبرت مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس» الاقتصادية العالمية أنها تضاهي 2.5% من الطلب الصيني على السلع الأميركية العام الماضي. وبالتالي، فإن هذه التعرفات الجمركية، إذا ما تم فرضها، لن تؤثر إلا على 0.25 في المئة من الناتج الصيني.
أضف إلى ذلك أن الشركات الأميركية التي تعتمد على الواردات الصينية ستلجأ إلى ممارسة الضغوط ليجري استثناء تلك الواردات من الرسوم الجمركية، وترى «كابيتال إيكونوميكس» أن هذه الضريبة لن تؤثر على النمو الصيني إلا بشكل ضئيل وبنسبة لا تتجاوز 0.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للصين.
والاستجابة الحذرة من جانب السلطات الصينية، والتي تستعد هي الأخرى لفرض تعرفات جمركية على صادرات الولايات المتحدة إليها بقيمة 3 مليارات دولار، تفترض أنه سيتم التوصل إلى نوع من التسوية مع الولايات المتحدة، فهي تتوقع إصدار ترامب الكثير من الضوضاء بهدف الحصول على بعض التنازلات من جانبها، وإبرام صفقة معها.
وإذا ما صح هذا التوقع، فإن ما يحدث ليس مختلفاً تماماً عن الطريقة التي استجابت بها الولايات المتحدة للواردات اليابانية في الثمانينات، حيث اتهمت اليابان بممارسة لعبة التجارة الدولية بصورة غير عادلة، ونسخ المنتجات الأجنبية واستخدام الحواجز التنظيمية، مثل الاهتمامات الزائفة بأمن التجارة الدولية، لاستبعاد الواردات الأجنبية. وقد أدت الضغوط الأميركية إلى تبدل الممارسات التجارية اليابانية، بما في ذلك إعادة تحديد مواقع تجميع السيارات في الولايات المتحدة وبريطانيا. وفي نهاية المطاف هدأت كل تلك المشاعر التجارية.
وتدرك القيادة الصينية تمام الإدراك الأخطاء اليابانية، بما في ذلك السماح للطفرة المالية المزدهرة في اليابان بالخروج عن السيطرة، وسعت إلى التعلم منها. وهذا ما يفسر الاستجابة الصينية المقتضبة على التهديدات التجارية الأميركية.
وإذا ما صح ذلك، فإن المناوشات التجارية بين بكين وواشنطن ستكون مجرد خلاف، وليس حرباً تجارية. وبالفعل، يمكن القول إن ما تقوم به الولايات المتحدة يشكل تحذيراً مفيداً، وإذا كان إجراء فظاً، فإنه بمثابة تحذير للبلدان الأخرى من أنها يجب ألا تؤثر على الحرية المتزايدة للتجارة العالمية من خلال تحقيق فوائض مالية غير مقبولة اجتماعياً.
ومن المؤكد أننا نواجه منحدراً خطراً يجب ألا ننزلق فيه، ولا تزال الذكريات للركود الاقتصادي الذي ضرب العالم في ثلاثينات القرن الماضي تلوح في الأفق حول هذه الأمور التجارية، فالأسواق لا تتغير، وطالما تسير الأمور بصورة هادئة، سيكون هناك تصحيح لها في مرحلة ما. وقد نكون متجهين إلى هذا المنزلق الآن. ولكن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن التباطؤ العالمي التالي قد تضرر بصورة أكبر بسبب الصراع التجاري الجاري حالياً. وهو من الأمور الصعبة.
إذا نظرنا إلى البيانات الحالية في العالم المتقدم المتعلقة بالتضخم ، وإيجاد الوظائف ، ومخرجات التصنيع وما إلى ذلك، فإن كل شيء يبدو على ما يرام. لكن هذا السيناريو تكرر في الأعوام السابقة، فالأمور بدت جيدة في عام 2006، لكن معظم الدول تضررت بفعل التدهور المالي الأخير في 2008-2009. والحس السليم يفرض أنه بعد حدوث كساد بهذا الحجم، من المرجح أن تكون الصورة التالية أكثر خفوتاً. قد يكون ذلك صحيحاً، ولكن حتى لو تم احتواء التوترات التجارية الحالية فإن ذلك لن يساعد كثيراً.
في هذه الأثناء، تأمل هذا، لقد كان دونالد ترامب واضحاً في أحد الأمور، فهو يعتبر أن هدفه الأول هو تحقيق النجاح للاقتصاد الأميركي، وأن تعترف الأسواق المالية بذلك. ولكن إذا جعل بلاده أكثر فقراً من خلال الشروع في حرب تجارية، فإنه لا يحقق هدفه الذي يسعى إليه. فإذا انهارت الأسواق حقاً فمن شأن ذلك أن يكون حكماً قاسياً على رئاسته.
