السؤال الكبير اليوم في غاية البساطة: هل ينبغي أن نتشاءم بمستقبل الإنسانية أم نتفاءل؟ العالم منقسم في الإجابة عن هذا السؤال. وفيما تغرق العديد من المجتمعات الغربية في التشاؤم، فإن باقي العالم على نقيضها، لم يكن أكثر تفاؤلاً مما هو عليه اليوم. وما يحدث يمثل ارتداداً عن نمط القرون السابقة. فماذا حصل؟

الحقائق واضحة. الظرف الإنساني هو في أفضل حال. الفقر العالمي آخذ في التراجع بشكل مطرد، وفي عام 2015، تجاوزنا بكثير الأهداف الإنمائية للألفية التي وضعتها الأمم المتحدة في خفض الفقر بمقدار النصف. وتزداد أعداد الطبقة الوسطى بقوة، من 1.8 مليار نسمة في عام 2010 إلى 3.2 مليارات نسمة في عام 2020، و4.9 مليارات نسمة متوقعة في عام 2030. أما معدل الوفيات بين الرضع في العالم، فقد انخفض من حوالي 60 حالة وفاة لكل ألف ولادة حية في عام 1990 إلى 32 في عام 2015. فإذا كنا نتصف بالعقلانية والموضوعية، لا بد أن نحتفل بأوضاع الظرف الإنساني الحالية.

فلماذا لا نفعل ذلك؟ الجواب البسيط على ذلك، وهو أن المثقفين الغربيين واعون بتحديات مجتمعاتهم قصيرة الأمد فقط، وليس بالوعود العالمية على المدى الطويل. ويوضح فرانسيس فوكوياما هذا الأمر جيداً في مقالة، يقول فيها: «هزيمة دونالد ترامب المذهلة لهيلاري كلينتون في الانتخابات تشكل نقطة تحول، ليس فقط للسياسة الأميركية، لكن لمجمل النظام العالمي. ويبدو أننا ندخل عصراً جديداً من القومية الشعبوية، حيث النظام الليبرالي المهيمن الذي تم بناؤه منذ الخمسينات يتعرض لهجوم على يد أغلبيات ديمقراطية غاضبة ومتحفزة. خطر الانزلاق إلى عالم من القوميات المتنافسة والغاضبة على قدم المساواة، هو هائل، وإذا حصل، فإنه سيشكل منعطفاً يضاهي أهمية سقوط جدار برلين في عام 1989».

ويخلط فوكوياما هنا بين أحوال الغرب وأحوال العالم. صحيح أن الشعبوية ازدادت في الغرب، لكنها لم تظهر في المناطق الأكثر اكتظاظا بالسكان في آسيا وأفريقيا.

الأهم من ذلك، أن الغرب يمثل فقط 12% من سكان العالم، فيما 88% يعيشون خارجه، أما ظروفهم المعيشية (باستثناء بعض بلدان عربية وكوريا الشمالية)، فلم تكن أفضل حالاً عما هي عليه اليوم.

وقد يكون العقد الممتد من 2010 إلى 2020 أفضل عقد تشهده آسيا في تاريخها، إذ سوف تقفز أعداد الطبقة الوسطى في آسيا من 500 مليون شخص في عام 2010 إلى 1.75 مليار في عام 2020.

ويحدث هذا بسبب انتصار العقل، ففي جميع مجالات الحياة الإنسانية، يجري اعتماد أفضل الممارسات الغربية عالمياً من قبل كل المجتمعات تقريباً.

لكن إذا كان العالم يصبح أفضل حالاً، فلماذا يصبح الغرب أكثر تشاؤماً؟ الإجابة البسيطة على ذلك، وهي أن الغرب اتبع استراتيجية تشوبها العيوب منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991.

اعتقد الغرب انه فاز بصراع هائل وملحمي في الحرب الباردة. ونتيجة لذلك، لم يلحظ أن صراعاً أكبر حتى قد بدأ مع «عودة» آسيا إلى الواجهة في الوقت نفسه. فقد قررت الصين الالتحاق من جديد بالاقتصاد العالمي في ثمانينات القرن الماضي، وفعلت الهند ذلك في التسعينات.

لم يلحظ أحد ذلك لأن العقول الغربية كانت منتشية بمشاعر التفوق غير الصحية. وقد أدت العديد من التدخلات إلى كوارث، وبعد عقد من الزمن، شاهد الأوروبيون مجيء ثلثي اللاجئين لديهم من ثلاث دول هي: العراق وأفغانستان وسوريا.

وفيما كان المفكرون الاستراتيجيون الغربيون مشتتي الأذهان، لم يروا أن الحدث الأهم في عام 2001 لم يكن الحادي عشر من سبتمبر، بل كان دخول الصين إلى منظمة التجارة العالمية، ودخول ما يقرب من مليار عامل إلى نظام التجارة العالمي كان سينجم عنه بوضوح «تدمير خلاق» هائل وفقدان للعديد من الوظائف.

ترامب وخروج بريطانيا هما بالتالي من النتائج الطبيعية والمنطقية لاستراتيجية غربية تشوبها العيوب في عدم التعامل مع التحديات الاقتصاديات الفعلية للغرب. وفيما كان الغرب مشتت الذهن، برزت الصين. ووفقا لإحصاءات صندوق النقد الدولي، كانت حصة أميركا من الناتج المحلي العالمي في الثمانينات، 25% فيما الصين 2.2%. في عام 2016، تقلصت حصتها إلى 15.5% فيما ارتفعت حصة الصين إلى 17.9%.

بالتالي، هناك أسباب استراتيجية مقنعة للتشاؤم الغربي: من 1820 إلى حوالي 1980، ازدادت القوة الاقتصادية الغربية بشكل مطرد أو حافظت على موقف مهمين عالمياً. في العقود الثلاثة الماضية، فإن الناتج المحلي لأميركا الشمالية وأوروبا الغربية مجتمعين تقلص من 51.5% عام 1990 إلى 33.45% عام 2014.

وحدث تغيير استراتيجي أكثر تدميراً في الوقت نفسه. فبينما عانت العمالة في الغرب من فقدان فرص العمل والمداخيل المتدهورة، فإن النخبة الغربية أصبحت فائقة الغنى من العولمة وعودة آسيا.

ويمكن للغرب أن يستفيد من صعود باقي العالم. 12% من سكان العالم يمكنهم أن يسحبوا بمعيتهم بقية الـ88%. لكن في سبيل تحقيق ذلك، فإن القادة والنقاد الغربيين بحاجة إلى إجراء تغييرات هامة كثيرة.

كيانات آسيوية ناشئة، مثل الصين والهند والـ«آسيان»، يجب أن تعامل بمزيد من الاحترام، يجب أن تعطي الهند على الفور مقعداً في مجلس الأمن، مع تنحي كل من بريطانيا وفرنسا.

حتى وقت قريب، كان من غير المعقول تصور انه بإمكان البقية أن يكونوا أكثر تفاؤلاً من الغرب الذي يجب عليه الآن القيام بما لا يمكن تصوره للاستعداد لعالم حتمي.

 

عميد كلية لي كوان يو للسياسات العامة