نشرت مجلة بوليتيكو ماجازين الأميركية مؤخراً تقريراً تناولت فيه تبعات وتداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مؤكدة أن التبعات لم تنتظر كثيراً كي تعلن نفسها بل إن بوادرها قد بدأت بالفعل فسرعان ما خرج رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ليعلن عن تنحيه من منصبه أكتوبر المقبل.

ووصفت «بوليتيكو ماجازين» التبعات بأنها هزت العالم، بل حتى البريطانيون الذين صوتوا لخروج بلادهم عن الاتحاد الأوروبي بدوا مذهولين مما جرى ويجري.

ومع اعتراف المجلة بوجود كثير من المغالاة في التعبير عن الصدمة من تبعات خروج المملكة المتحدة إلا أنها طرحت التساؤل التالي: «ما الذي يعنيه حقاً هذا الخروج على المدى البعيد؟» وللإجابة عن السؤال، تحاورت المجلة مع نخبة من الخبراء في الاقتصاد، السياسة الدولية والتاريخ كي يستشرفوا التداعيات المحتملة للخروج البريطاني على مدى الأشهر المقبلة التي تفصلنا عن موعد استقالة كاميرون وعــــلى مدى السنوات الخمس المقبلة أيضاً.

وأعرب بعضهم هؤلاء عن اعتقادهم بأن الخروج سيكون بمثابة إشارة إلى بدء غروب شمس أوروبا فيما أبدى آخرون على النقيض من ذلك تفاؤله بأن الخروج البريطاني سيضع أوروبا مجدداً على الطريق الصحيح خاصة فيما يتعلق بالنمو والقضاء على البطالة.

وفيما يلي آراء 17 من الخبراء لمجلة بوليتيكو ماجازين عن التداعيات المحتملة للخروج البريطاني للسنوات الخمس المقبلة.

وتوقع ريتشارد هاس، رئيس المجلس الأميركي للعلاقات الخارجية، أن الأشهر الخمسة المقبلة، ستكون بريطانيا أشد فقراً ومن المحتمل أن نسمع مطالبات بإجراء استفتاءات مشابهة في بلدان أخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي وبرغم أن تباطؤ وضعف الجنيه الاسترليني سيزيدان من المعاناة الاقتصادية في اليابان وأوروبا وغيرها وفقاً لما توقعه هاس، إلا أنه توقع أن تتعافى الأسواق إلى حد كبير في مناطق أخرى من العالم.

وكانت أخطر توقعات هاس، حينما توقع أنه في غضون 5 سنوات من الآن لن يكون هناك شيء اسمه المملكة المتحدة، ذلك أن اسكتلندا ستستقل عنها وستكون جزءاً من أوروبا كما توقع أن ايرلندا الشمالية أو على الأقل جزءا منها ستنضم إلى جمهورية ايرلندا متوقعاً أن عدة بلدان أخرى ستترك الاتحاد الأوروبي والذي سيتكون حينئذٍ من الدول الست الرئيسية في الاتحاد بالإضافة إلى مجموعة من الدول الخارجية التي أنشأت روابط مع بروكسل.

وتوقع محمد العريان كبير المستشارين في شركة أليانز أن يتحد حزب المحافظين في بريطانيا خلف رئيس جديد للحزب كي يخلف كاميرون خلال الأشهر المقبلة يبدأ في إعداد بريطانيا لانتخابات عامة كما ستبدأ مناقشات ومباحثات بين أوروبا وبريطانيا لصياغة اتفاقية شراكة بين الجانبين بدلاً من عضوية بريطانيا الكاملة في الاتحاد الأوروبي إلا أن هذا الأمر سيجري بوتيرة بطيئة نوعاً ما ذلك أن بلدانا أوروبية عديدة تواجه الآن هي الأخرى تحركات معادية للاتحاد الأوروبي بين شعوبها.

وعن توقعاته للسنوات المقبلة، قال العريان إن بريطانيا ستستعيد صلابتها الاقتصادية والمالية، وستمضي قدماً وفي غضون ذلك، ستترك بضعة بلدان أخرى الاتحاد الأوروبي والذي سيبدو حينئذٍ أكثر تناغماً وانسجاماً وقابلية للسيطرة وسيستعيد استقراره بفضل تجديد نشاط وحيوية الشراكة الفرنسية الألمانية وعليه سيكون الاتحاد الأوروبي، الأصغر في عدد أعضائه والأكثر التزاماً في وضع أفضل ليصبح اتحاداً أكثر تماسكاً إلى الأبد.

أخطار هائلة

وترى دانييل بليتكا، نائب رئيس أول دراسات السياسة الخارجية والدفاعية بمعهد انتربرايز الأميركي أن أي شخص يدعي أنه يعلم ما سيحدث خلال الأشهر أو السنوات المقبلة فهو كاذب ورغم ذلك، تؤكد أن ثمة أخطارا هائلة محدقة كاحتمال انهيار بريطانيا واحتمال أن تسير دول أخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي على نهج لندن وتجري استفتاءات تنتهي بخروجها من الاتحاد. وقد لا يحدث أي مما سبق، ويتعلم الاتحاد الأوروبي الجدية مما حدث في بريطانيا ويتخلص من انشغاله بالمتاعب الاقتصادية الخاصة بكل دولة من دوله ويعود كما كان سوقاً مشتركة قوية.

وعن توقعاته للأشهر المقبلة يقول يان بريمر رئيس مجموعة أوراسيا وأستاذ البحوث العالمية بجامعة نيويورك: إن بريطانيا ستعاني من الكساد وسيتعرض الاقتصادان الأوروبي والعالمي لضربات خفيفة.

وأما عن توقعات بريمر للسنوات الخمس المقبلة، فستعاني بريطانيا بعض التفكك وسيتمحور قلب أوروبا حول ألمانيا باعتبارها متماسكة سياسياً واقتصادياً بقدرٍ معقول، بينما يُنظَر إلى الاتحاد الأوروبي الأوسع نطاقاً باعتباره تجربة سياسية واقتصادية فاشلة.

ويتنبأ جون ماكلافلين من مركز ميريل للدراسات الاستراتيجية بكلية جون هوبكينز للدراسات الدولية المتقدمة بأنه خلال الأشهر الخمسة المقبلة، سيبذل كل من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا جهداً مضنياً لتحديد معنى كل ما يحدث حالياً وستقوم دول مثل بولندا والتشيك والمجر وربما هولندا بمراقبة المشهد في بريطانيا عن كثب. فإذا نجح البريطانيون في تجاوز مرحلة ما بعد الاتحاد الأوروبي بسلاسة وكانت الأضرار تحت السيطرة فربما تشهد هذه الدول ضغوطاً متزايدة للخروج أيضاً.

قوة ألمانيا

ويرى ماكلافلين أنه إذا اتبعت عدة دول في الاتحاد الأوروبي نهج بريطانيا، في غضون 5 سنوات أو أقل فثمة خطورة على تجربة الاندماج الأوروبي التي يبلغ عمرها 60 عاماً وكان الهدف منها هو تخفيف حدة الصراعات التاريخية وستصبح ألمانيا، التي هي بالفعل القوة الأكبر والأكثر نفوذاً في القارة في وضع يتيح لها الهيمنة على الاتجاهات الاقتصادية والسياسية وستشعر روسيا بالرضا لتفكك الغرب وسيغريها ذلك بمحاولة اختبار النقاط الضعيفة في حلف شمال الأطلنطي إن لم تكن قد فعلت من قبل.

ويرى السفير دينيس روس، وهو زميل ومستشار بمعهد واشنطن، أن ليس من الصعوبة التنبؤ بتبعات الخروج البريطاني، ويتوقع أنه خلال الأشهر المقبلة سيعاني الاقتصاد البريطاني تباطؤاً وربما تفكر اسكتلندا في معاودة الكرة فيما يتعلق باستفتاء استقلالها عن بريطانيا وربما تسير ايرلندا الشمالية وويلز على نهجها. وأما داخل الاتحاد الأوروبي فستتزايد الضغوط لتقليص نفوذ بروكسل على اللوائح وصنع القرارات وستكتسب دعاوى الخروج من الاتحاد مزيداً من القوة في دول مثل فرنسا وهولندا والدنمارك.

ويؤكد روس في الوقت نفسه أن المخاوف الحالية من أن يؤدي الاضطراب الحالي في الأسواق نتيجة الخروج البريطاني إلى تباطؤ اقتصادي أوسع نطاقاً مبالغ فيها.

وعن توقعاته للسنوات المقبلة يقول روس إن الاتحاد الأوروبي سيظل باقياً على الأرجح ولكن ليس بصفته قوة عالمية وستتعافى بريطانيا من خسائرها الاقتصادية وربما ستتقرب أكثر من الولايات المتحدة. ويرى ستيفن سيستانوفيتش، استاذ الدبلوماسية الدولية بكلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا وزميل أول بالمجلس الأميركي للعلاقات الخارجية، أن رسالة الخروج البريطاني واضحة، بغض النظر عن كيفية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وهذه الرسالة هي ببساطة: كونوا دولة، أو الأفضل من ذلك كن حاكماً مطلقاً ومستبداً وعليه فإن الفائزين من هذا الاضطراب الناتج عن الاتحاد الأوروبي هم الذين يمتلكون القدرة على اتخاذ قرارات سياسية حازمة ومترابطة منطقياً والإصرار عليها.

نقطة تحول

وتصف كوري تشيك وهي باحثة زميلة بمؤسسة هوفر البحثية الخروج البريطاني بأنه نقطة تحول، ذلك أنها تعد إيذاناً بزوال عصر ذروة الاندماج الأوروبي وستتمثل العاقبة الرئيسية لهذا الخروج في اتحاد أوروبي أكثر حمائية وعداوة للابتكار وأقل جرأة على الساحة الدولية، وستكون حكومات دوله أقل ثقة في إجراءاتها وتحركاتها، خشية أي علامة تشير إلى سخط شعبي.

ومن الأرجح وفقاً لرأي تشيك أن تحاول بريطانيا مواصلة الممارسات الحالية لتقليل هجرة رؤوس الأموال الشركات والعقول إلا أن الاتحاد الأوروبي ربما يعمد إلى تعقيد الأمور إذ ليس في مصلحته أن تمر هذه الضربة التي تلقاها من بريطانيا دون عواقب تتحملها هذه الأخيرة وعلى أدنى تقدير، فسيحاول الاتحاد الأوروبي أن يجعل مشاركة بريطانياً معه أمراً باهظ الثمن.

ويتوقع دين بيكر المدير المشارك لمركز البحوث الاقتصادية والسياسية في واشنطن دي سي، تأثيراً محدوداً للخروج البريطاني خارج حدود المملكة المتحدة خلال الأشهر المقبلة حيث سرعان ما ستتبدل تماماً حالة الهيستريا التي انتابت الأسواق فور إعلان نتائج الاستفتاء كما يتوقع أن تنفجر فقاعة العقارات في الأسواق البريطانية، مع تأكيده أن اللوم في ذلك يُلقَى بالاساس على الأشخاص الذين سمحوا بانفجار فقاعة الإسكان، وليس على مؤيدي الخروج البريطاني موضحاً أن ذلك قد يؤدي إلى تباطؤ النمو في بريطانيا، إن لم يكن كساداً كاملاً كما توقع أن يعاني القطاع المالي في بريطانيا من فقدان الوظائف.

وعلى مدى السنوات المقبلة، يتنبأ بيكر بأن يتخلى الاتحاد الأوروبي عن سياسته التقشفية الصارمة وأن يعود مجدداً إلى معدلات التوظيف العالية والنمو الصحي.

ويرى جيمس جالبريث، اقتصادي ومؤلف كتاب مرحباً بالسم في العسل: دمار اليونان ومستقبل أوروبا، أن الآثار الاقتصادية المباشرة للخروج البريطاني ربما تكون ضئيلة، بل إنها إذا تواصل انخفاض قيمة الاسترليني فقد تنتعش الصادرات البريطانية، وإذا صار العالم متقلباً ومتململاً مما يحدث، فقد ترتفع قيمة الدولار، ما قد يسبب معاناة للصادرات الأميركية.

وتقول جوليان سميث مديرة برنامج الاستراتيجية وأصول الحكم بمركز نيو أميريكان سيكيوريتي، إنه خلال الأشهر المقبلة فستبدو بريطانيا والاتحاد الأوروبي على الأرجح منهمكين في مفاوضتهما المستمرة بشأن الخروج من الاتحاد. وإذا كان الرئيس الأميركي المقبل يأمل في تشجيع أوروبا، وخاصة بروكسل، على الاضطلاع بدور قيادي أقوى في معالجة قائمة طويلة من التحديات العالمية المشتركة، فسيخيب أمله على الأرجح، ذلك أن الاتحاد الأوروبي ببساطة ليست لديه الرغبة ولا الموارد كي يفعل المزيد.

وتضيف أنه يمكن للمرء أن يتخيل سيناريو أسود على مدى السنوات المقبلة فيما يخص الاتحاد الأوروبي، والذي سيبدأ في التفكك من احتمال تكرار الاستفتاء البريطاني في دول أخرى.

شكوك

ترى إليزابيث كوبس، أستاذة التاريخ الأميركي بجامعة تكساس إيه اند إم والباحثة الزميلة بمؤسسة هوفر البحثية بجامعة ستانفورد أن الزعيم الفرنسي الراحل شارل ديجول كان محقاً في شكوكه بشأن الولاء البريطاني لأوروبا التي ربما تكون في حاجة لإيقاظ «ديجول» من قبره الآن لإنقاذ وحدتها موضحة أن مساهمات انجلترا لن تكون مركزية على الإطلاق في تجربة الاندماج الأوروبي، رغم أنها أضافت إليها بريقاً.

وتتوقع كوبس في غضون الأشهر المقبلة أن تتراجع مكانة بريطانيا التجارية ذلك أنها تصدر 44% من بضائعها إلى السوق الأوروبية المشتركة كما كانت عضويتها في الاتحاد الأوروبي تخلق لديها 3.3 ملايين وظيفة.