عارضت ألمانيا بشدة أمس، أن تتبنى دول مجموعة العشرين خطط إنعاش مالي جديدة، ما يكشف عن الخلافات بين الدول الكبرى المجتمعة في سياق مجموعة العشرين على مستوى وزراء المالية وحكام المصارف المركزية.
حيث حذر وزير المالية الألماني فولفغانغ شويبله بأن المحاولات لتعزيز النشاط الاقتصادي من خلال المزيد من الليونة في السياسة النقدية قد تأتي بـ«نتيجة عكسية» في حين أن خطط الإنعاش المالي التي تعمد الدول بموجبها الى زيادة نفقاتها العامة «فقدت من فاعليتها».
ويأتي هذا التحذير عكس الاتجاه السائد لدى مجموعة العشرين، حيث تدعى المصارف المركزية الكبرى إزاء تراجع الظروف الاقتصادية واضطرابات الأسواق الى استخدام قوتها الضاربة الى أقصى ما يمكنها.
وانطلقت أمس في شنغهاي اجتماعات مجموعة العشرين والتي تستمر يومين، ويشارك فيها وزراء مالية وممثلون عن المصارف المركزية للدول الأكثر ثراء في العالم في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد العالمي من انتعاش ضعيف، بينما تشهد اقتصادات الدول الناشئة تباطؤا يضاف إليه تقلب الأسواق المالية.
وبدا البنك المركزي الأوروبي على استعداد للتحرك بصورة انشط، فيما بات الاحتياطي الفدرالي الأميركي يلزم المزيد من الحذر بعد رفع معدلات فائدته الأساسية في نهاية 2015، وذهب البنك المركزي الياباني الى حد اتخاذ قرار بفرض معدلات فائدة سلبية على أمل تحفيز القروض.
وقالت كريستين لاغارد مديرة صندوق النقد الدولي إن النزوح الكبير لرؤوس الأموال عن الصين يهدد الاقتصاد العالمي في وقت تكابد فيه بكين أبطأ نمو اقتصادي في 25 عاما.
وتوقعت في كلمتها خلال افتتاح اجتماع محافظي البنوك المركزية ووزراء المالية لدول مجموعة العشرين نمو اقتصاد الصين 6.3 % في 2016.
هامش تحرك
من جهته اكد البنك المركزي الصيني عزمه على الحفاظ على «هامش تحرك» من اجل إدخال المزيد من الليونة على سياسته النقدية.
لكن شويبله اعتبر ان «البحث في خطط انعاش جديدة لا يؤدي سوى الى تحويل اهتمامنا عن المهام الحقيقية التي علينا العمل عليها» وهي الإصلاحات البنيوية التي لا بد منها.وقال خلال مؤتمر جرى قبل اجتماع شنغهاي لكبار المسؤولين الماليين في مجموعة العشرين ان «السياسات النقدية متساهلة بصورة بالغة، الى حد أنها قد تأتي بنتيجة عكسية، على ضوء مفاعيلها المضرة».
غير ان شركاء ألمانيا التي تعتبر اكبر اقتصادات الاتحاد الأوروبي وأكثرها حيوية، لا يبدون استعدادا لمشاطرة هذا البلد خطه المتشدد على صعيد تقويم الميزانية.
كسب الوقت
وإذ اعتبر وزير المالية الفرنسي ميشال سابان على غرار شويبله من المناسب «تطبيق برنامج عالمي للإنعاش المالي»، لفت متحدثا من هونغ كونغ الى ان بعض الدول «قد تكون لها قدرات اكبر، وعليها استخدام قدراتها المالية لدعم النمو العالمي».
ورد محافظ البنك المركزي البريطاني مارك كارني في شنغهاي أن «بعض المعلقين يتناقلون مقولة مفادها ان السياسات النقدية استنفدت ذخائرها» في حين ان العالم «في خطر ان يجد نفسه في مأزق ما بين نمو رديء وتضخم ضعيف ومعدلات فائدة متدنية جدا».
وأوضح كارني ان خطط الإنعاش النقدي يمكن ان «تسمح بكسب الوقت من اجل تطبيق الإصلاحات البنيوية».
ويتفق هذا الموقف مع الدعوة الأخيرة التي وجهتها واشنطن حيث اعتبر وزير الخزانة الأميركي جاك ليو ان سياسات الإنعاش النقدي والمالي «هي أدوات قوية عند استخدامها بشكل منسق، مشيرا الى ان الانتعاش العالمي لا يمكن ان يقوم على الولايات المتحدة وحدها.
وقال مسؤول أميركي كبير آخر طالبا عدم كشف اسمه أنه»من المهم بشكل متزايد ان تقوم الدول التي تملك هامشا ماليا باستخدامه من اجل تعزيز طلبها الداخلي«.
إصلاحات بنيوية
ويسجل النمو العالمي تباطؤا وترد إشارات إنذار متزايدة، من هبوط أسعار المواد الأولية الى اضطرابات البورصات العالمية. غير ان المسؤول في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية آلان دو سير الموجود في شنغهاي لفت الى أنه ان كانت تدابير الدعم النقدي ضرورية على المدى القريب، فمن الضروري»في غالب الاحيان إجراء إصلاحات بنيوية«لتوفير دعم دائم للطلب والإنتاجية وإنشاء الوظائف.
والأولوية بنظر أعضاء مجموعة العشرين هي الشروع»بحذر«في تصحيح حساباتهم العامة لأن»نموذج النمو المبني على المديونية وصل الى أقصى إمكاناته«، بحسب ما قال شويبله.
وتابع ساخرا»إذا واصلنا في هذا الاتجاه، فلا حاجة اطلاقا لمشاهدة المسلسلات التلفزيونية: الأحياء-الأموات سوف يغزوننا«منددا بـ»الشركات الأشباح«التي لا تستمر إلا بواسطة القروض.
وتطرح هذه المشكلة بصورة حادة في قطاع الصناعات الثقيلة الصيني، ويعاني العملاق الآسيوي من ارتفاع مديونيته بشكل طائل ويواجه مخاطر التعثر في السداد.
وقال وزير المالية الصيني لو جيواي :»ربما وصلنا الى شفير الهاوية وأمامنا خياران: إما السقوط أو... مواصلة عملية الإصلاحات الأليمة«.
وإذ شجع صندوق النقد الدولي على الإبقاء على سياسات نقدية لينة، أعرب عن قلقه من المخاطر المالية المتزايدة في جميع انحاء العالم.
الدولار يتراجع
تراجع الدولار في معاملات هادئة بوجه عام أمس، مع تركيز المستثمرين على قمة وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين.
ونزل مؤشر الدولار مقابل سلة من ست عملات 0.1 % إلى 97.368 لكنه مرتفع نحو 0.8 % على مدار الأسبوع. وهبط الدولار 0.1 % إلى 112.90 يناً.
