أكدت أغلبية واسعة من الخبراء الاقتصاديين أن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيكون بمثابة كارثة، منهياً سنوات مقبلة من النمو، فيما ذكر بعضهم أن مجرد فكرة الانسحاب ستكون لها تأثيرات سلبية على اقتصاد المملكة المتحدة.
وأشار تقرير نشرته صحيفة «انترناشونال بزنس تايمز» الإلكترونية التي تصدر في الولايات المتحدة، إلى أن المكان الذي يتم فيه الترويج لانسحاب بريطانيا، من الاتحاد الأوروبي بات معروفاً، وهو الثقة الاقتصادية. فكيف يمكن التخطيط للمستقبل، والبلاد تناقش جدياً الأسلوب الذي يمكن انتهاجه للتخلي عن واحد من الأسس التنظيمية التي تقف وراء الاقتصاد البريطاني في القرن الحادي والعشرين.
ولم يتردد دانيال فيرينزا، الخبير الاقتصادي في يونكرديت في لندن، في القول، «إن ثمة مؤشرات أولية محاطة بالغموض فيما يخص استفتاءً حول الاتحاد الأوروبي».
ولابد من الإشارة إلى أن الثقة الاستهلاكية في المملكة المتحدة مستقرة، بيد أن الثقة الاقتصادية اضمحلت أخيراً كما أشار فيرينزا. ناهيك عن حدوث انحسار في النوايا الاستثمارية في الشهور الأخيرة، فيما اتجهت الشركات غير المالية نحو تكديس الأموال. وأخيراً، فإن سعر الصرف المرتبط بالوزن التجاري للجنية انخفض على مدى الشهور الثلاثة الماضية، فيما بدأ بنك انجلترا يروج مقولة قديمة مفادها أن الاستفتاء هو أحد العوامل المطروحة. ويبدو أن هذا الغموض ليس في طريقه إلى التلاشي في زمن قريب.
مقامرة
وكان رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، الذي يقود حزب المحافظين، عول على أكبر مقامرة حول دور بريطانيا في الاتحاد الأوروبي منذ صوتت الدولة في 1975 في استفتاء، حول البقاء في ما أصبح فيما بعد الاتحاد الأوروبي. ومن المتوقع أن يقر في منتصف الشهر الحالي زعماء آخرون في الاتحاد الأوربي، حزمة من التغييرات تخص حقوق المملكة المتحدة، وهي «مقبلات» يأمل كاميرون في إقناع البريطانيين للمصادقة على الاستمرار في عضوية الاتحاد، في استفتاء في وقت لاحق من العام. وفي حال رفض البريطانيون، فإن جملة من القوانين المحلية، واللوائح الأوروبية، ستخلق كوة يمكن للدولة أن تفاوض من خلالها على شروط علاقتها مع الاتحاد الأوروبي.
وتوحي استطلاعات الرأي أن التصويت سيكون قريباً مع وجود ترجيح طفيف لكفة الجناح المؤيد لاستمرار بريطانيا في عضوية الاتحاد.
وقال بيتر ديكسون، الاقتصادي في كوميرتز بانك في لندن، في دراسة بحثية، إن دفة جمهور الناخبين البريطانيين كانت على وجه العموم أكثر ميلاً نحو تأييد الاستمرار في عضوية الاتحاد الأوروبي، أكثر من معارضيه، سيما في السنوات القلية الماضية.
وأشار التقرير إلى أن رفض البقاء في الاتحاد الأوروبي سيفتح سيلاً من المشكلات الذاتية لبريطانيا، بدءاً من خلال مفاقمة المشكلات الاقتصادية الحالية. ومن ثم فإنه سيؤدي إلى نزع الإطار القانوني الذي يقف وراء تجارة بريطانيا الدولية في السلع والتي تشكل حالياً قرابة 40% من الناتج المحلي الإجمالي وفقاً لإحصائيات البنك الدولي، وكذلك الخدمات المالية المحورية في دور لندن في الاقتصاد العالمي. ولن تتسنى لبريطانيا أدنى فرصة لخلق تلك العلاقات المواتية خارج الاتحاد الأوروبي.
وقدر يونكرديت أن يكلف انسحاب بريطانيا من الاتحاد 6% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو أشبه بركود قاس، حتى لو امتد سنوات عدة.
مرحلة تباطؤ
يذكر أن الاقتصاد البريطاني يسترد حالياً عافيته من مرحلة تباطؤ طويلة في النمو وتقشفاً فرضته الحكومة، مع تفكير بنك انجلترا في رفع سعر الفائدة، وقد أفلحت في تجنب تشدد ائتماني بفضل تدفق الرساميل الأجنبية، واعتمادها بشكل خاص على التجارة مع الدول التسع عشرة التي تستخدم اليورو، والتي تعتبر مجتمعة أكبر شركائها التجاريين وفي ظل وجود المهاجرين، سواء انتقلوا إلى بريطانيا للعمل، بفضل قوانين الانتقال في الاتحاد الأوروبي أو بكل بساطة لشراء منازل في لندن، جلبوا إلى المملكة المتحدة قوة شرائية، ويداً عاملة كبيرة.
الاتفاقيات التجارية
وسينسحب تأثير الانسحاب من الاتحاد الأوروبي من منظور السياسة، على قوانين التجارة العالمية، كما يتوجب على بريطانيا، في حال انسحابها من دون الاتكال على ثقل الدول الأوروبية الـ 27 الأخرى صياغة اتفاقيات تجارة جديدة، والتفاوض عليها مع كل دولة من دول العالم.
وعلى صعيد متصل، قال تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، إن جمهور المصوتين في بريطانيا منقسم على حاله، في ظل مؤشرات تلوح في الأفق على استفتاء حول ما إذا كانت بريطانيا ستبقى في الاتحاد الأوروبي أم تنسحب منه.
أما بالنسبة للبنوك التي تهيمن على المدينة، فإن هناك خلافاً بسيطاً إذ لا ترغب في المخاطرة بالمضي في ذلك بمفردها.
بوابة مالية
وتعتبر لندن بوابة مالية هي الأكبر في أوروبا منافسة «وول ستريت» كوجهة للتداول العالمي في الأسهم والسندات والعملات والسلع.
فيما يتخوف الرؤساء التنفيذيون للبنوك من النتائج العرضية الاقتصادية والمالية التي قد تتمخض عن الانسحاب البريطاني. حتى وفي حال عدم حدوث صدمة كبرى، إذ قد تضطر البنوك العالمية مثل اتش اس بي سي، وجي بي مورغان تشيس، وجولدمان ساكس، ومورغان ستانلي لإعادة تقييم عملياتها الأوروبية، وهو تحد منطقي من شأنه التأثير في مجمل المعاملات الأساسية.
ويشار إلى أن القطاعات الاقتصادية البريطانية من مختلف الأطياف، تستفيد من قدرتها على البيع والشراء في اقتصاد سوق الاتحاد الأوروبي المشتركة التي تبلغ قيمتها 12.1 مليار دولار، وسكانها البالغ تعدادهم 500 مليون نسمة.
العملة
ثمة خشية من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يمكن أن يقود إلى انتكاسة اقتصادية لبريطانيا، وانخفاض في عملة البلاد حيث تشكل الخدمات المالية أكثر من 14% من الاقتصاد البريطاني الذي يقدر بـ 3 تريليونات دولار. وحال انسحاب بريطانيا لن يكون في مقدور مصرفيي لندن توفير الخدمات المالية لعملاء في دول أوربية أخرى مثل تداول الأوراق المالية وصرف العملة.
